فى ندوة حوار أكثر من جريئة .. متى يصدر حكم إعدام تنظيم الإخوان

24/06/2015 - 5:44:26

أحمد بان يجيب على تساؤلات أسرة التحرير و شهيب وأبو زيد يستمعون - عدسة إبراهيم بشير أحمد بان يجيب على تساؤلات أسرة التحرير و شهيب وأبو زيد يستمعون - عدسة إبراهيم بشير

أعد ورقة الحوار : مروة سنبل - أعد الحوار للنشر : أحمد جمعة

 كانت ندوة حوار خطيرة للغاية.. طرحنا على الضيوف أسئلة الناس الطيبين حول أحكام إعدام قادة الإخوان الإرهابية..


لم نترك سؤالاً لدى الناس فى بلدنا إلا وحاولنا البحث له عن إجابة..


السؤال المركزى كان هو الإعدام هو الحل؟.. ومنه تدفقت الأسئلة القلقة الشائكة..


سألنا ضيوف الندوة أسئلة الساعة:


ماهو الوضوع الآن داخل الجماعة بعد أحكام الإعدام؟..


هل حدثت انقسامات خطيرة داخل صفوف الإخوان مثلما حدثت بعد فض اعتصام رابعة والنهضة؟.. هل ستكون لأحكام الإعدام نتائج عكسية لصالح الجماعة الإرهابية؟.. أم ستؤدى لإنفراط عقد التنظيم نهائياً؟


سيل الأسئلة المشروعة لم ينته بعد.. ما هو الحل المناسب الآن للتعامل مع الإخوان.. وهل الحل الأمنى يكفى؟.. هل أحكام الإعدام أحكام سياسية؟.. وهل يمكن أن تنتهى فيما بعد إلى أحكام أقل شدة؟..


ولأننا في المقام الأول نبحث عن إجابات على الناس المهمومين بتراب هذا الوطن زاد سقف مهمتنا الصحفية بأسئلة من العيار الثقيل بجد.. هل مارست السعودية ضغطاً على مصر الدولة لإيجاد مصالحة مع الإخوان؟..


ولم نخش لومة لائم عندما سألنا الضيوف السؤال الخطير التالى: هل تتوقعون أن يتدخل الرئيس السيسى ويصدر عفواً رئاسياً عن قيادات الإخوان؟


.. وعبرنا عن هذا السؤال بصيغة أخرى أكثر وضوحاً ودقة: كيف يمكن أن يواجه الرئيس السيسى الشعب المصري بحديث عن تسوية أو مصالحة مع إخوان الشر الذين دخلوا بجرائمهم شبه اليومية صراعاً مع الشعب نفسه وليس ضد الأمن أو النظام؟


في هذه الندوة الساخنة كشف الكاتب الصحفى الكبير عبدالقادر شهيب معلومات وأسرار جديدة تنشر لأول مرة حول قضيتى التخابر واقتحام السجون.. واتفق الباحثان المنشقان عن جماعة الإخوان سامح عيد وأحمد بان على أن تنفيذ الإعدام سيصنع من قيادات الإخوان أبطالاً رغم أنهم ليسوا كذلك.. فيما كان أبرز ما قاله هيثم أبو زيد الباحث فى الشئون الإسلامية بجريدة الشروق إن وجود دولة قوية هو الذي يضمن تفكيك تنظيم الإخوان الإرهابى نهائياً.


تضييق هذه المساحة عن استيعاب أبرز ما قيل فى هذه الندوة التى دارت وقائعها على مدار أكثر من ساعيتن..


وإلى نص مادار فى هذه الندوة التى ناقشت قضية الساعة.. قضية مصير الإخوان بعد أحكام الإعدام .


 



  • المصور: ما تقييمك للوضع داخل جماعة الإخوان الإرهابية بعد أحكام الإعدام التى طالت أغلب قادتها خلال الأسبوع الماضي؟


-   أحمد بان: فى البداية نشكر مؤسسة دار الهلال ومجلة المصور على اختيارهم لموضوعات ندوات فريدة ومثرية للحياة السياسية والاجتماعية فى مصر.


صدور أحكام إعدام بحق بعض قيادات جماعة الإخوان التاريخية القديمة أو الوسطى أو غير المعروفة، ربما ليس التحدى الحقيقى الذى يواجه جماعة الإخوان، لأن الجماعة عبر تاريخها تعرضت لمواقف مشابهة مثلما حدث لها إبان عصر الرئيس جمال عبدالناصر سواء فى عام 54 عندما تم الحكم بالإعدام على 7 وخفف الحكم على أحدهم وتم تنفيذ الحكم بالفعل على 6 منهم، أو فى عام 65 عندما تكرر الأمر مع بعض القيادات كان أبرزهم سيد قطب، ودائما ما نتحدث على أن إعدام قطب جعل له حضورا أعظم من تركه حيًّا، فلو ترك ليعيش لتغيرت الكثير من الأمور، لكن المعالجة بإعدامه جعلت منه أيقونة لدى حركات إسلامية كثيرة.


وكنت أجد كثيرا من الناس فى الهند مثلا، تأثروا بأفكار سيد قطب وجعلوا منه مُصلحا إسلاميا ولم ينظروا فيه إلى الجانب المتطرف أو الأفكار الداعمة للعنف، وبالتالى فأحكام الإعدام تُطيل عمر التنظيم، وتعطى المثل والقدوة، وهو من قال:


"كلمتنا تظل عرائس من الشموع حتى إذا متنا واستشهدنا فى سبيلها دبت فيها الحياة وتحركت".. هذه هى أدبياتهم التى يسيرون عليها، وهذا من منظوره يعنى أن حركة الإخوان تحتاج إلى قرابين، وبالتالى ذلك يفسر أن قيادات الإخوان تحديدا محمد بديع ومن على شاكلته من المدرسة القطبية لديهم نوع من الاستبشار والسعادة المفتعلة وإثبات رباطة الجأش والانتصار على الطغاة، لأنه شاع فى أدبيات هذه المجموعة: لن ننحنى أمام الطغاة ونبتسم فى وجوههم، مما يعطى رسالة لقواعدنا أننا صامدون وثابتون ونستعلى عليهم، ففكرة الاستعلاء موجودة خاصة لدىِّ سيد قطب لأنه الذى أسس لما يسمى بالاستعلاء الإيمانى، أى استعلاء الطائفة المؤمنة على باقى أفراد المجتمع.



  • المصور: الجماعة شهدت هزة عنيفة أربكتها بعد فض اعتصام رابعة.. هل ذلك ينطبق عليها بعد صدور أحكام الإعدام؟


- بان: أحكام الإعدام ليست ضربة من الدولة، بل على العكس كنت ممن نصح بعدم فض اعتصام رابعة بالطريقة التى تمت، وبالتالى فإننى مع عدم التوسع فى الإعدامات دون حيثيات واضحة.


وكتبت قبل عملية الفض مقالا قلت فيه "لا تمنحوهم مظلومية جديدة"، لأن المظلومية تُطيل عمر التنظيم، وأحد أهم ملامح رسم المظلومية أن تُعدم قيادات، بما يعود بإطالة عمر التنظيم بشكل أشمل، وتعطى لهذه القيادات تأثيرا فى كلماتها ما كانت لتحصل عليه لو عاشت حياتها بشكل طبيعى، وتعطى مثلا وقدوة للشباب أن هذا هو الطريق وكلما كانوا أقرب إلى حبل الإعدام كانوا أقرب للالتصاق بالفكرة ومراد الله ونيل رضوانه حسبما يعتقدون.


ولكنى أقول إن الانقسامات هى الأخطر على الجماعة، حتى بعد فض رابعة كان هناك جدل داخل الإخوان بين من يعتقدون أن هذه القيادات هى التى أدخلتهم إلى هذا المصير بعد وصولهم إلى قصر الحكم، هذا الانقسام بدأ يظهر فى حملة جمع توقيعات جرت داخل اعتصامى رابعة والنهضة، وواجه محمد طه وهدان أحد المقبوض عليهم مؤخرا والمهدد بأحكام إعدام هذا الانقسام، وقال هناك ضباط مخابرات داخل الاعتصام يجمعون توقيعات لحجب الثقة عن القيادة الحالية.


فالانقسامات فى هذا التوقيت لو وجدت من يهندسها من أجهزة أمنية لها حس سياسى وتدرك كيف يتم تفكيك الحركات المغلقة لكان هذا هو المصير والنهاية، وخلال الفترة الماضية كان هناك اختراق نوعى، وحدث تدخل بشكل جراحى دقيق وتركت قيادات بعينها لضبط الفجوات فى التنظيم الجديد، ففى فبراير الماضى تم انتخاب هيكل إدارى جديد كانت بعض حلقاته غير معروفة لأجهزة الأمن، وكان ذلك إحدى الأدوات التى ساعدت أجهزة الأمن على معرفة ذلك هو تحركات محمد طه وهدان، والذى تم إلقاء القبض عليه فى أعقاب الاعتصام.. فلماذا تم إخلاء سبيله وهو مسئول لجنة التربية وعضو مكتب الإرشاد، وكل من يعلم هيكلية جماعة الإخوان يدرك أن مسئول لجنة التربية هو المسئول الأخطر داخل الجماعة لأنه المسئول على صياغة العقل الإخوانى، حتى إن له تأثيرا رمزيا على المرشد ذاته وعلى باقى أعضاء مكتب الإرشاد.


واختيار هذا الشخص بالأساس جاء لأنه أقرب الناس خلقا لسيد قطب، لذلك يعتبره محمود عزت ابنه النجيب، وهذا الرجل تُرك يتحرك بحرية بعد فض الاعتصام لأن ذلك ما مكن الأجهزة الأمنية من وضع يدها على التنظيم الجديد وحلقاته، والتصرفات من هذا النوع تبدو أكثر إفادة من أحكام الإعدام، وكان لابد على الأمن أن يعرف كيف يتدخل بنعومة بجانب معالجات أخرى.



  • المصور: لكن فى النهاية هذه الأحكام ليست سياسية.. بل صدرت بناءَ على قضايا وأدلة اتهام؟!


- بان: جماعة الإخوان فى النهاية عبارة عن أفكار وهيكل تنظيمى وحلم، وسنكون خاطئين إن تصورنا أنه يمكن مواجهة ذلك بتنفيذ أحكام الإعدام دون أن أشتبك مع الأفكار وتقديم حلم جديد للتخلى عن فكرة الخلافة الإسلامية.



  • المصور: أنت تفضل عدم إعدام سيد قطب، وبالتالى كان سيُفرج عنه السادات فى مطلع السبعينيات مثلما حدث مع عمر التلمساني، وكانت المسألة ستكون أسوأ كثيرا إذا قاد سيد قطب الجماعة؟!


- بان: عمر التلمسانى جاء فى فترة تاريخية مكنت الجماعة أن يتم تعويمها فى فترة الضمير الجمعى عند المصريين بعدما فقدوا الثقة، وحدث تطبيع بينها وبين الشعب بفعل واجهة مثل عمر التلمسانى والذى كان محفزا لخلايا المجتمع بنسيان تاريخ الماضى من تنظيم خاص وعملياته، والصورة الذهنية التى تم تكوينها عن الجماعة بفعل هذا الوجه المعتدل والقانونى، والذى يعزف الموسيقى ويطرب لأم كلثوم ويقدم نموذجا للإنسان المعتدل والعصرى.


بينما لو عاش سيد قطب والقيادات الأكثر تطرفا داخل الجماعة لتمت المواجهة مبكرا، بدلا من "التقية السياسية" التى مارستها هذه المجموعة، ولما كان ليتوافق ذلك مع أفكار سيد قطب الحاسمة، بما لديه من أفكار صادمة كانت ستحدث انكشافا لوجه الإخوان الحقيقى، بينما الذى خدّر المصريين هو وجوه مثل عمرالتلمسانى وبعض الوجوه المحسوبة على التيار المعتدل، والجماعة كانت تحتاج مثل هذه الواجهة فى ذلك الوقت.



  • المصور: نسمع أن هناك تيارا داخل الجماعة يمثل عمرالتلمسانى.. هل هذا التيار هو واجهة الجماعة مثلما كان التلمسانى واجهة حسب قولك؟


-  بان: أتصور أن من يؤمنون بأفكار جماعة الإخوان كإصلاح إسلامى وتريد أن تجسد الإسلام الوسطى هم ممن يقتربون من أفكار التلمسانى معظمهم خرج عن الجماعة فى صمت ولم يقبل فكرة العنف والتكفير، فالتلمسانى لم يكن عضوا فى النظام الخاص أو تنظيم 65، رغم كونه من الرعيل الأول للإخوان، وبالتالى لم يسجل فى تاريخ الرجل أنه قبل فكرة العنف سواء بشكل عاجل أو مؤجل.



  • المصور: هل يتفق كل كتاب وخبراء الإسلام السياسى مع الرأى القائل بأن إعدام قيادات الإخوان سيأتى بنتيجة عكسية؟


- سامح عيد: أتفق فيما قاله أحمد بان، بأن الإعدامات لن تزيد الجماعة إلا تماسكا، وكما قال أن الدماء ستحفزهم على الغضب والاستمرار، فتنظيم الإخوان يقوم على 4 محاور، فكرة التنظيم بوجوب الدولة الإسلامية ولذا أصبح ضروريًا وجود الجماعة وتم تدشين الأيديوجيا بهذا الشكل بأنه "من مات دون البيعة فقد مات على الجاهلية" حسب أدبياتهم، وهذا فكر كل التنظيمات، ثم يأتى الأفراد الذين تضخموا بشكل هائل فى فترة السبعينيات، وما يبرز فى ذلك حوار دار بين اللواء فاروق المقرحى والتلمسانى فى ذلك الوقت عندما دعا السادات قيادات الإخوان إلى لقاء معهم فى المعمورة، عندما كان يراقبه المقرحى خشية الاعتداء على السادات وطلب منه التخلى عن العنف، فرد عليه التلمسانى أنه لا خوف إلا من ثلاثة أشخاص فقط ولم يذكر أسماءهم، وأعتقد أنه كان يقصد "كمال السنانيرى ومصطفى مشهور ومحمد الطوخى المسئول عن قطاع الدلتا".


لكنى أختلف مع "بان" فى قوله أن التلمسانى كان الواجهة المعتدلة فى الإخوان، فهو من دشن لـ"دجل حسن البنا" وصنع الأساطير لشخصه، والتى قامت عليه شخصية الإخوان بشكل عام، وتحدث بشكل واضح على أن الفرد فى الجماعة كـ"الكلب فى القافلة" فحتى إن ألقوه بالطوب لابد أن يسير وراء القافلة.


هناك خلاف عن عدد الإخوان الحقيقى، لكن هذا التنظيم الكبير أدخل فى عقيدته هذه الأفكار وهذه العقائد، وبالتالى لابد من عمل تحصين وأجيال واقية ولو تركناها تنقضى مع الوقت لتمت حماية الجيل القادم من الشباب.


وكذلك فيما يخص فض اعتصامى رابعة والنهضة، حيث أدخلوا كتلا كبيرة من الشباب لا تنتمى أيديولوجيا إلى الجماعة لكنها فى حالة ثائرة، وهذه مشكلة أخطر لأنهم يتجهون للعنف بشكل كبير. وبالتالى هناك أزمة كبيرة الهرم التنظيمى لا يستطيع تتبع كل القواعد الموجودة فى الاعتصام، وكل المعلومات كانت فى ذلك الوقت تتحدث أن غالبية هذه الكتلة الشبابية ستتجه إلى داعش، وأن الطبقة الوسطى فى الجماعة ارتقت اجتماعيا وطبقيا بفضل السفر للخارج، وبالتالى أصبح هؤلاء الأفراد لا يستطيعون التخلى عن هذه الوجاهة الاجتماعية ويعودون مرة أخرى للسجون، وربما بعضهم يتوافق مع الأمن أو يبتعد عن الجماعة نهائيا، أو بتفاهمات أمنية يبقى فى التنظيم مع الابتعاد عن العنف للكتلة الأكبر من التنظيم، وقد حدث تلاحم بين قواعد الإخوان وقواعد التيار السلفى والجهاد والجماعة الإسلامية، فاعتصام رابعة "كان مصيبة كبيرة" لتفريخ تنظيمات كبيرة، وكان مخططا غربيا، حتى يتم تصنيع هذه المجموعات التى تصنع تنظيمات أكبر فى المستقبل.


والجيل الموجود داخل السجون أعتقد أنه سيولد أمراء جماعة جددا بعد وقت من الزمن إن لم تحدث مواجهة فكرية حقيقية معهم.


النقطة الثانية أن فكرة الإسلام السياسى تتسرب فى حال غياب المشروع العام للدولة، ففى ظل نظام سعد زغلول والدولة الوطنية لم تستطع الجماعة أن تحقق إنجازات وتم اتهامها بالتعامل مع الأجانب، وخرج هذا المشروع الإسلامى، بجانب أن سقوط الدولة القومية العربية كانت مبشرا لديهم بظهور المشروع الإسلامى.


هدفنا الأساسى الآن هو الدولة الديمقراطية المدنية الحديثة، وأعتقد أنها تواجهها الكثير من العثرات، وإن لم تستطع أن تصمد فى هذه المواجهة، ففى أى لحظة أخرى سيأتى نظام إسلامى جديد ربما سيكون أكثر ليبرالية مثلما حدث فى تركيا.


وهذا النظام قائم على العلاقة المشتركة بين الحرية والعيش، لتحقيقهما دون الإخلال بأى منها، وما يستلزم ذلك من مواجهة الفساد، لكن هناك ثغرات إلى الآن فى مسار الدولة الديمقراطية.



  • المصور: تنتقدان فض الحكومة لبؤرة رابعة، رغم التهديدات والمخاطر الكبرى التى كانت ستضرب الدولة إذا استمر الاعتصام.. فما البديل الذى كنتم ترونه مناسبا؟


عيد: كنت مع الفض ولكن الخبراء والأمنين قالوا إن هناك طرقا أخرى، ولا يمكن بهذه الطريقة أن يتم الفض وهناك أشياء تمت غير مفهومة، وطبقا لوزارة الصحة فهناك 670 متوفى، وهذا عدد كبير. الجهاز الأمنى كان مهترئا ولم يستطع أن يتعامل بمهنية فى هذا الأمر، وأصبح قابلا للاستفزاز من الإخوان، رغم اعترافنا بوجود سلاح داخل الاعتصام. ومنذ فض الاعتصام وحتى الآن لم نستطع الرد على الغرب فى انتقاداته لما حدث.


-  بان: دعيت لمناقشة تقرير المجلس القومى لحقوق الإنسان حول فض اعتصامى رابعة والنهضة، وبالفعل أثبت أن هناك أخطاء فادحة من الأمن، ولم تتمكن أى لجنة تقصى حقائق من التحقيق بشفافية فيما جرى. وكانت هناك بدائل كثيرة أمام متخذى القرار بدلا من قرار الفض بهذا الشكل بعد أن تضخمت أعداد المعتصمين، بالرغم من وجود تقارير وقتها أن هذه البؤرة كان يراد لها أن تتسع ومع علم الدولة بذلك فلم يسعوا لإيقاف هذا التوسع، فأموال جاءت من قطر لدعم استمرار هذه البؤرة، واستغل الإخوان هذه الأموال بفعل مهارتهم فى إقامة الخيام والإعاشة وهناك بعض رجال أعمال الإخوان قدموا أموالا وغذاء كى يستمر هذا الاعتصام. عند كل هذه المعلومات يبقى السؤال؛ لماذا لم تتحرك الدولة مبكرا؟.



  • المصور: هل تعتقد أنه يمكن أن تُلغى هذه الأحكام فى محكمة النقض وخلال درجات التقاضى المتقدمة؟


- هيثم أبو زيد: الدولة المصرية منذ 3 يوليو حتى الآن افتقدت الرؤية فى التعامل مع الإخوان كملف كامل، وتواجه فقط عنف الإخوان وليس تنظيم الإخوان، الذى لم يشهد أى محاولة لتتبعه أو السعى لتفكيكه، وبالتالى لا توجد إرادة من الدولة لمواجهة هذا التنظيم الذى يبلغ عدده من 150 إلى 200 ألف فرد، والجسم العام للتنظيم قائم حتى الآن فى شكلهم بالأسر، ويحافظون على دفع الاشتراكات الشهرية 8% من مرتباتهم، ويضمون عضويات جديدة، ولم نهتم سوى بالحديث عن عنف الإخوان، وكان بالأحرى التعامل بشكل أكثر مهنية فى ملف انشقاقات الإخوان التى لا يوجد فى أدبياتها هذا المصطلح من الأساس.


وأنا على يقين بنسبة 99% أن محكمة النقض ستلغى هذه الأحكام التى صدرت، فإذا كانت المحكمة ألغت حكم حبارة فما بالك بأحكام الإخوان، فمن ضمن أخطاء الدولة أنها تركت ملف التعامل مع الجماعة للأمن والإعلام ورغم ذلك يتجاهلون الجريمة الأكبر وهى وجود تنظيم الإخوان ذاته ومرشد الجماعة الذى هو مرشد تنظيم سرى، فمحاكمة بديع على قطع طريق قليوب تنقيص من جريمته الكبرى.


وكانت اللحظة الذهبية لفض الاعتصام بعد إذاعة بيان 3 يوليو مباشرة، لم تتخط أعدادهم ألفين على أقصى تقدير وكانوا فى حالة انهيار تام، وبعض القوات دون إطلاق رصاصة، لكن التجاوزات منحت الإخوان حياة جديدة لأنهم "تجار دم"، فقياداتهم كانوا يعرفون أن هناك فضا ومن ثم كبروا الاعتصام وبالتالى زادوا من صعوبة الفض. فض رابعة منحهم حياة جديدة واستغلوها خارجيا.


لكن النقد لا يوجه إلى من أصدر أحكام الإعدام، بل إلى تحريات المباحث والتى اعتبرها "محنة"، فكيف يدخل فى قائمة الاتهام شخص متوفى منذ سنوات وتصمت التحريات عن ذلك، رغم أنه يبطل الحكم ويفسد القضية.


ولا أستطيع أن أعرف ماذا تريد الدولة من الإخوان منذ 3 يوليو حتى الآن؟.. هل تريد استئصال جذورهم، أم إبقاءهم على حالة من الضعف، أم العمل فى قضية المصالحة؟، والإخوان كل ما يريدونه هو العودة للعمل مثلما كانوا فى عصر مبارك.



  • المصور: هل الإخوان لا زالت قادرة على الحشد؟


-  أبو زيد: مظاهرات الإخوان لا زالت موجودة فى الشارع، لكنهم لم يعد يعنيهم الأعداد المتواجدة فى هذه المظاهرات، كل ما يهمهم هو تصوير هذه الأعداد وإرسالهم لقنواتهم الفضائية لإثبات أنهم ما زالوا مستمرين فى التظاهر، وفى الدقهلية مثلا يقومون بهذه المظاهرة فى الصباح الباكر الساعة 8 خشية مطاردة الأهالى الغاضبين لهم، وتستمر مظاهراتهم لمدة لا تتجاوز 10 دقائق.


ولابد من مواجهة فكر الإخوان ومصادرة أموالهم وتجفيف منابعهم، وقبل ذلك كله هو مواجهة هذا التنظيم الحديدى، والذى له محاور مركزية يجعل التعامل معها مستحيلا، مثل فكرة المرحلية أنه يستبيح إعطاء كلام لتفويت الوقت الحالى، والتفاوض معهم كارثى، بجانب السرية فى الإخوان حتى عندما وصلوا للسلطة تعاملوا معها بمبدأ السرية، ولديهم تنظيم داخل التنظيم، وبمناسبة الحديث عن عمر التلمسانى فقد كان واجهة بالمعنى اللغوى للكلمة، حتى عندما اختاروا مرشدا سريا اسمه حلمى عبدالمجيد أحد رجال التنظيم الخاص، واتفق معه مصطفى مشهور وأخذوا فى الحصول على البيعة له، وحدثت أزمات حول هذا الاسم، فاختاروا بدلا منه عمر التلمسانى كواجهة.



  • المصور: ما الحل الذى تراه مناسبا للتعامل مع الإخوان؟


-  أبو زيد: أنا مع أى حل، بشرط وحيد هو حل التنظيم لكن لن يقبل بذلك الإخوان، وإذا قبلوا بذلك فأنا موافق على إسقاط القضايا عنهم وعودتهم إلى المجتمع بشكل طبيعى، من يريد منهم أن يمارس السياسة فأمامه الأحزاب، ومن يريد أن يمارس الدعوة فلابد أن يكون حاملا للشهادة من صاحب الإصدار وهو الأزهر، ويسمح له بالخطابة من صاحبة التنظيم وهى وزارة الأوقاف.


لكن الأوقاف تترك نواة للإخوان فى كل زاوية ومسجد صغير حتى الآن، وهذا من ضمن علامات الاستفهام المطروحة عن موقف الدولة تجاه الإخوان.



  • المصور: وهل سوف تنفذ أحكام الإعدام على قيادات الإخوان حتى إذا وصلت لمراحلها المتقدمة النهائية فى درجات التقاضى؟


- عبدالقادر شهيب: لدى مجموعة من الملاحظات والتعليقات على كل ما قيل من حديث فى هذه الندوة، وسأتحدث عنها فى سياق الإجابة عن السؤال.


جماعة الإخوان منذ تأسيسها قبل أكثر من 80 عاما وهى جماعة قامت على التكفير منذ اللحظة الأولى، وواهم كل من يدعى أنها لم تقم على هذا المبدأ منذ أسسها البنا وشريكه السكرى.


وكذلك فهذه الجماعة قامت منذ لحظتها الأولى على مبدأ التخابر والتعامل مع الأجنبى، وهنا لا أقصد فقط أنها تعاملت مع المحتل الإنجليزى وحصلت على أكبر إعانة مالية فى هذا الوقت مبلغ 500 جنيه من شركة قناة السويس، ولكن أيضًا حدثت لقاءات بين حسن البنا ومسئولين ودبلوماسيين بالسفارة الأمريكية فى السنوات الأولى لتأسيس الجماعة.


وهذه الجماعة تعلى منذ لحظة تأسيسها فكرة التنظيم السرى، ورغم أنها عبارة عن لافتة علنية كبيرة وتتحرك قياداتها بشكل علنى، إلا أنها كانت حريصة على أن يكون لها تنظيمها السرى الذى لا يعلم عنه أحد شيئا حتى أعضائها أنفسهم.


ومارس الإخوان العنف منذ ميلادها، والذى أسس التنظيم الخاص هو حسن البنا وليس أحد غيره، ومارسته الجماعة بشكل فاضح فى أكثر من مناسبة ومارسته بين كوادرها بعضهم البعض وحتى الشريكين الأساسيين البنا والسكرى حدث بينهما عنف.


وتعرضت الجماعة لمطاردات أمنية شديدة وقوية جدا، وفى كل مرة تتعرض فيها لذلك كان يتم إجهاض التنظيم السرى ولكن لم يُقض عليه بشكل كامل، وكان يضعف كثيرا بعد الضربات الأمنية التى كان يتلقاها سواء فى الخمسينيات أو الستينيات ولكنه دائما ما كان يجد الفرصة للعودة للحياة مرة آخرى، ويقوى ويشتد عوده ويصبح أكثر خطرا فيما بعد.


وفيما يخص عمر التلمسانى، فهو أهم قيادة إخوانية نظرت لاختراق المجتمع وتمكين الجماعة، فقد اخترق النقابات المهنية وكان صاحب أول فكرة لتأسيس حزب والدخول فى انتخابات مجالس النقابات.


وعندما أخرجهم السادات من السجن فى السبعينيات وجدوا الفرصة كاملة للعمل طالما لا يقتربون منه أو يهاجمونه، ففعلوا وتمكنوا من اختراق المجتمع عبر النقابات، وضموا فيما بعد أعضاء فى الجماعة الإسلامية مثل عبدالمنعم أبو الفتوح الذى خرج من جماعة الإخوان بسبب خلاف حول السلطة والتنظيم.



  • المصور: تصفحت أوراق قضيتى التخابر واقتحام السجون.. ما قراءاتك لما فيها من معلومات؟


شهيب: من يتصفح أوراق القضية ويجد اجتماع خالد مشعل مع قيادات حزب الوسط فى 2011 سوف يرى عجبا، فأبوالعلا ماضى يتهم بوضوح خيرت الشاطر بتأسيس تنظيمه الخاص فى داخل الجماعة ليكون بديلا للتنظيم الخاص الذى يشرف عليه عبد المنعم أبو الفتوح.


المسألة باختصار أن كل هذه القيادات أصبحوا دعما قويا لتنظيم الإخوان، مثل عصام العريان وأبوالعلا ماضى وانضم إليهم الشاطر مؤخرا.


الملاحظة الأخيرة أن هذه الجماعة دائما ما يسيطر عليها شخص أو اثنان على الأكثر، ودائما ما يوجد شخص مهيمن يدير كل صغيرة وكبيرة فى الجماعة والباقى أشبه بمشاركين له بدرجات مختلفة وأغلبهم "كومبارس" فى النهاية، لأنك سوف تفزع عندما تقرأ تفريغات الإيميلات الموجودة فى قضية التخابر، فالتوجيهات التى كان يعطيها خيرت الشاطر وسكرتيره لمرسى مسألة تفزع، وتصل لدرجة تسهيل اتصالات مع مستثمرين أجانب وتنظيم لقاءات مع مسئولين أجانب أيضا، وتدرك إلى أى حد كانت تدار الدولة.


فالجماعة فى طورها الأخير قبل ما تشهده من هزة عنيفة بعد ثورة 30 يونيو2013 كانت فى قبضة الثنائى محمود عزت وخيرت الشاطر، وهما اللذان كانا يديران شئون الجماعة بالتنسيق بينهما، والآخرون يرددون ويبررون ما يطالبان به.


وهذا يعنى أننا إزاء تنظيم ليس بسيطا أو ضعيفا، لكنه تنظيم قوى ويحتاج لمواجهة شاملة وليست أمنية فقط، لكننا افتقدنا ذلك.


هل نسينا الضغوط الهائلة على من كانوا يديرون الدولة بعد الثورة كى لا يُفض اعتصام رابعة؟ وكذلك الوساطات الكثيرة التى جرت فى هذا الإطار، حتى إن الدكتور محمد البرادعى نائب رئيس الجمهورية وقتها توصل إلى اتفاق مع كاترين آشتون مسئول الشئون الخارجية بالاتحاد الأوروبى للإفرج عن الكتاتنى وأبو العلا ماضى مقابل تخفيض أعداد المعتصمين فى رابعة، وهذا يؤكد أن العلاقة معهم كانت وثيقة ما بين حزب الوسط والإخوان، رغم ما ذكرته فى تسجيل لقاء خالد مشعل.


هناك ما يشير داخل أوراق القضية أن قدرة جماعة الإخوان على الحشد رغم قوة التنظيم ليست كبيرة كما نتصور، وبمناسبة أول احتفال بذكرى 25 يناير تسجيلات اجتماع مكتب الإرشاد تتحدث عن حشد لا يزيد عن 30 ألف شخص صباحا، ومن يسهرون لليوم التالى 3 آلاف شخص، وتم حشدهم من وجه بحرى وخاصة محافظات الشمال.


وتلقى سكرتير الشاطر مكالمة بطلب حرق مقرات كل الأحزاب يوم 1 يوليو 2013، وكذلك إقامة اعتصام ثالث فى العباسية بـ 5 آلاف شخص، وبالتالى نحن أمام تنظيم قوى وكبير لكنه ليس مرعبا ويمكن قهره إذا تعاملنا معه بشكل جدى.


وهذا التنظيم لا تُعرف كل كوادره حتى الآن، ورغم الأعداد التى تم القبض عليها، إلا أن العديد من كوادر هذا التنظيم بالتحديد ما زالوا موجودين على الأرض ولم يهربوا.


فى مقابل ذلك هناك جانب من أعضاء بالجماعة آثر أن يهجر العمل السياسى ويجلس فى منزله لخوفه من الملاحقات الأمنية، وبعضهم امتنع عن تقديم المساعدات المالية.



  • المصور: وما مدى تأثير الأحكام الصادرة على تماسك التنظيم أو انفراط عقده نهائيا؟


-  شهيب: عندما تواجه قيادات تنظيم سرى أزمة مثل صدور أحكام الإعدام على الكثير من قياداتها فلابد أن تتأثر بالسلب، ولكن فى المقابل من الممكن أن تشتعل غريزة الثأر وحب الانتقام، ففى نفس الوقت الذى تتأثر فيه الجماعة معنويا، تضمر على الانتقام وقد لا تجد سبيلا نحو إنقاذ حياتك إلا بتحريض كوادرك على مزيد من العنف.



  • البعض يقول أن هذه الأحكام "مُسيسة" ما هو رأيك؟


- شهيب: أجزم من خلال قراءتى لأوراق قضيتى التخابر واقتحام السجون أنها ليست مسيسة تماما، بل أننى كنت أتوقع منذ اللحظة الأولى عقوبات قاسية على المتهمين.


ما أريد التنبيه عليه أن عدد الأحكام التى صدرت بالإعدام حضوريًا محدود فقط، 9 أحكام حضوريًا، والباقى غيابيًا، والقاضى فى الأحكام الغيابية يصدر العقوبة الأشد، لأنه يعلم أنه عند مثول المتهم أمام النيابة مرة أخرى تسقط هذه الأحكام ويعاد محاكمته من جديد، ولا أخفى سرا أنى حضرت معظم الجلسات وكنت أخشى أن يتأثر القاضى ويخفف الأحكام، خاصة أنه كان يمنح المتهمين فرصا غير عادية لدفاعهم ويدعهم يتحدثون كما يشاءوا لدرجة أن محاميهم منتصر الزيات قال بوضوح أن 98% من طلبات الدفاع استجاب لها القاضى، وهذا يعنى أنه يمكن أن تنتهى هذه القضايا إلى أحكام أقل شدة .


لكن هل الدولة تدخلت بشكل ما فى صياغة هذه الأحكام؟ . هنا أؤكد أنه لم يتم هذا نهائيا، وقد تكون القيادة السياسية كانت تتمنى ألا تصدر مثل هذه الأحكام بهذه الصورة، لأنها مثلت مشكلة لها فى المجتمع الغربي، وفى كل النقاشات كانت تتصدر جدول الأعمال، حتى خلال زيارة الرئيس لألمانيا.


ولكن رغم هذا الرفض الخارجي، هناك حالة من القبول والارتياح الداخلى عند قطاعات كبيرة من الشعب المصرى لهذه الأحكام.



  • المصور: وهل سوف تنفذ الأحكام.. أم أنها شكلية فقط؟


-  شهيب: نستبق الزمن عندما نتحدث فى هذا الشأن، لأنها سوف تعرض على محكمة النقض، وأجزم أن قبول نقض حبارة تم لسبب واه وضعيف حتى يمنح حبارة وشركاءه فرصة لإعادة محاكمته من جديد، حتى لا يقال أن أحكام الإعدام تصدر عن محكمة واحدة ويتم تنفيذها مباشرة.


وصدر فيما سبق أحكام ضد أعضاء بالجماعة الإسلامية فى أواخر السبعينيات وبداية الثمانينيات ولم تنفذ هذه الأحكام رغم أنها استنفدت كل درجات التقاضى وتم تأييدها وأصبحت أحكاما باتة، لكن مبارك رفض الموافقة على تنفيذ أحكام الإعدام، وبعضهم خرج وجلس على مائدة المراجعات التى أعدها الأستاذ مكرم محمد أحمد.


ويبقى أخيرا أنه من خلال المعلومات المتوفرة لى أن حيثيات أحكام الإعدام التى ستصدر قريبا تركز بشكل واضح على أن المحاكمة كانت تتم لجماعة الإخوان وليس لعدد من قياداتها أو أعضائها، وأحد الاتهامات الرئيسية فى القضيتين هو تولى قيادة تنظيم سرى والانضمام إليه، بمعنى أن المحكمة كانت واعية وهى تتصدى للقضيتين وهو خطر وجود تنظيم سرى عانينا منه كثيرا.



  • المصور: البعض يتحدث عن تدخل الرئيس السيسى لإصدار عفو رئاسى.. هل تعتقد أنه سيقدم على تلك الخطوة؟

  • شهيب: السيسى أجاب بنفسه وقال "مش وقته".

  • المصور: الإخوان أصدروا بيانا أطلقوا عليه "نداء الكنانة" ودعوا بشكل علنى لممارسة العنف، واستنجدوا بالملك سلمان بن عبد العزيز للتدخل لحل الأزمة وعدم تنفيذ الحكم.. كيف ترى ذلك؟


- بان: أحرص على عدم إعطاء وزن زائد للتنظيم الدولى ونقاطه فى تركيا أو قطر، فتحركاته بالأساس قائمة على الدعم السياسى والإعلامى أكثر من النزول للأرض، لأن طبيعة التنظيم داخل الجماعة تمكنه من استيعاب أى ضربة واختيار قيادات جديدة .


والبعض يتصور أن هناك صراعا بين الصقور والحمائم داخل الجماعة وهذا غير صحيح، لأنه لم يعد هناك "حمائم" داخل الجماعة منذ دخولهم إلى سدة الحكم، وحركات الخروج الجماعى من الجماعة لا يُعلن عنها، لكن الصراع الدائر الآن هو بين الصقور الذين أشعلوا حريقا لا يستطيعون السيطرة عليه، وبين أبناء الصقور ممن رضعوا هذه الثقافة وبدأوا يسلكون مسار العنف بشكل سافر.


وربما تكون السعودية بما لها من نفوذ أدبى على النظام المصرى هو الأمر الذى دفع الجماعة للاستنجاد بها، وبالفعل لم تتوقف هذه المحاولات وكانت هناك ضغوطً من النظام السعودى على القيادة السياسية فى مصر لتهدئة الشارع والتعامل مع الإخوان، لأنهم فى السعودية إزاء أزمة كبيرة فى اليمن وهم بحاجة إلى تنظيم يواجه الحوثيين الذين لهم سيطرة كبيرة على القواعد، وبالتالى السعوديون يحتاجون إلى تنظيم مماثل يستطيع مواجهة الحوثيين وهو ما وجدوه فى فرع الإخوان باليمن أى "حركة الإصلاح".


وهذا دفع الأمور إلى أن مجموعات بدأت تخوض التحرك بقيادة راشد الغنوشى ويوسف ندا عبر السعودية اللذين عكفا على هذا الملف واستغلال يوسف ندا لصلاته مع اليمن منذ اهتمامه بحل أزمة الحدود الدولية بين إريتريا واليمن وتقديمه مستندات ووثائق وخرائط أثقلت كفة اليمن فى هذه القضية.


كل هذه عوامل تصب فى اتجاه بوجود صفقة ما بين السعودية والإخوان، والشاهد أننا أمام صراع بين مجموعتين داخل جماعة الإخوان إحداهما تريد أن تتخفى خلف نفس القناع، ولا تمانع من ممارسة العنف عبر عمليات نوعية محدودة تستطيع أن تتنصل منها وغير معلنة، وهذا هو ديدن التنظيم طوال تاريخه.


ومنذ شهور صدر توجه من قيادات بالجماعة بإعادة إحياء النظام الخاص بهيكليته القديمة، وكان القرار باختيار 5 من كل منطقة إخوانية فى حدود 3 آلاف فرد، وأنا علمت بذلك قبل عدة شهور.



  • المصور: وماذا سيكون حال الجماعة إذا تم تنفيذ حكم الإعدام؟


-  عيد: الموضوع أكبر من حدود مصر فقط، فهناك جماعة "فجر ليبيا" فى الجوار تتفاوض مع أمريكا والجزائر فى وجود الإخوان، وهناك خلاف مغاربى مصرى فيما يخص قضية ليبيا ولذلك فالإخوان موجودون ضمن الحل السياسى.


والضغط على مصر سيكون خارجيا أكثر منه فى الداخل، وعلينا أن نساند الدولة فى ذلك، وسيحدث ابتعاد فى المسافة بين من يتبنون العنف المسلح وبين المعتدلين فى داخل الإخوان، وأعتقد أنه سيحدث فصل بين الجانبين، ود. عمرو دراج قال ذلك وأنه إذا لم تتراجع الدولة سيخرج شباب الإخوان المتطرف للمواجهة، وهذا سوف يهدد أوروبا كلها، وبالتالى يعود جزء منهم إلى التجنيد المعتدل مرة أخرى.


وعندما وصل الإخوان للسلطة، حدث نوع من الولاء الإدارى للجماعة وليس الولاء التنظيمى، بفضل النفاق الذى مارسه البعض تقربا للسلطة، فخيرت الشاطر محترف "استيعاب ولاءات"، واستطاع بالتالى إخماد كل التمردات داخل الجماعة خلال فترة تواجده فى القيادة.


وأعتقد أنه لن يتم تنفيذ الإعدام بفضل الضغوط الدولية والإقليمية، على الأقل فيما يخص القيادات التاريخية للجماعة، وأنا اتفق فى ذلك الرأى لأنهم سيستخدمون كـ"أيقونات" مثلما فعلوا مع سيد قطب.



  • المصور: ما الرؤية التى تراها مناسبة لتعامل الدولة مع هذه القضية؟


-  أبو زيد: حكم الواقع أقوى من اختياراتنا، ولابد من تفكيك تنظيم الإخوان المسلمين، ونهوض مصر وتقدمها لن يتم إلا إذا حدث هذا الأمر، ولا يمكن لدولة أن يكون بها تنظيم سرى بهذا الحجم، فالسرية أصبحت الآن تُدرس عند الإخوان، وأدبياتهم تتحدث عن عدم كشف الحركة عن مخططاتها ويعد ذلك جهلا بالإسلام وتعريض الحركة لمكر الأعداء، حسب كتاب "فتحى باشا يكن"، وكذلك "منير الغضبان" الذى قال أنه لابد من المحافظة على سرية التنظيم واختيار مكان سرى للتجمع بعيدا عن الأعين يلتقى فيه الجنود مع بعضهم ويلتقون مع قياداتهم.


وبعد تجربة عامين أثبتنا أننا أمام طرفين؛ تنظيم لازال يوجع الدولة فى أوهام إسقاط النظام والجيش وهذا من رابع المستحيلات، وفى نهاية المطاف سنصل إلى تسوية وليست مصالحة بالمعنى الشائع، وتولى الملك سلمان سدة الحكم والتغييرات التى أقدم عليها فى النظام هناك تساعد على ذلك.


وكل شىء مقبول إلا قبول الدولة ببقاء صيغة الإخوان التنظيمية القديمة بالجمع بين العمل الدعوى والسياسى والاقتصادى خارج الأطر القانونية ويصدر لنا واجهات، لابد ألا يتم ذلك فى دولة ترسى قواعد القانون.



  • المصور: لكن كيف سوف يواجه النظام الشعب بحديث عن تسوية مع الإخوان؟


-  أبو زيد: لن تسمع عن شىء يذاع بوسائل الإعلام، وكل ذلك يتم فى الغرف المغلقة، وينتهى الأمر بهدوء الإخوان فى الشارع. وسواء السلطة أو الإخوان تريد أن يتم ذلك فى الخفاء، لأنه بالنسبة للإخوان إذا تسرب أنها تقوم بتسوية ستنقسم بشكل مهول، وترك الملف للأمن فقط خطأ كبير لابد من إدراكه، بدلا من العشوائية الموجودة فى التعامل مع هذا الملف، كانت ولا زالت بعض القيادات خارج السجون، مثل خالد القزاز ومحمد على بشر قبل أن يقبض عليه لوقت قريب، وعمرو دراج وأحمد فهمى رئيس مجلس الشورى المنحل، وأكرر أنه لابد من تصفية التنظيم السرى بشكل كامل.



  • المصور: هل السعودية مارست ضغطا على السلطة فى مصر فيما يخص الإخوان؟


-  شهيب: لدى بعض الإيضاحات، فهناك مبالغة متعمدة بخصوص العلاقات المصرية السعودية خاصة بعد وفاة الملك عبدالله، فالمملكة وفى ظل قيادتها الراهنة مقتنعة أن الإخوان خانوا السعودية ولا يمكن أن تثق فيهم مجددا، فأبو ولى العهد الحالى الأمير الراحل نايف بن عبد العزيز وزير الداخلية السابق قالها بوضوح وابنه الأمير محمد بن نايف لديه قناعة تامة بذلك، وأجزم أن مصر لم تتعرض لأى ضغوط فى هذا الملف من المملكة العربية السعودية، وإن كانت قد تعرضت لإلحاح فهو كان يتعلق بالمشاركة فى القوات البرية باليمن، لكن القاهرة رفضت، ومصر تدير سياستها الخارجية الآن بطريقة مختلفة، سواء مع الخليج أو أوروبا أو أمريكا.


ففى إنتاج الدبابة الأمريكية (إم إيه) توقف الإنتاج لفترة لأن مصر كانت تعتمد على 10 قطع تحصل عليها من الولايات المتحدة، وقامت أمريكا بحبس هذه القطع فتوقف المشروع، ولم نتذمر أو نعترض وفوجئ الأمريكان أننا نطلب منها الاستغناء عن 20 خبيرا عسكريا أمريكيا يعملون فى هذا المشروع، لأننا لسنا فى حاجة إليهم، وفى اليوم الثانى فوجئنا بإبلاغنا أن الكونجرس وافق على مدنا بـ 8 قطع مما طلبته مصر، ووافقنا على 8 قطع، وأبلغناهم بتخفيض عدد الخبراء إلى 10، وفى اليوم التالى أبلغنا أن القطعتين الباقيتين تمت الموافقة عليهما، وهذا يوضح المنهج الجديد الذى نتعامل به مع الخارج.


وفى ملف المصالحة أو التسوية مع الإخوان لا أظن فى وجود السيسى أنه يقبل بذلك، والإخوان يتحدثون عن مرحلة ما بعد السيسى ومرسى وهى الفكرة التى لخصها أبو الفتوح بالدعوة لانتخابات رئاسية جديدة، ويغازل بعض الفئات التى ربما تلقى هذه الفكرة قبولا لديهم.


ويوسف ندا يراهن على أن فكرة المبادرة التى طرحها ليست موجهة إلى مصر ومؤسساتها أو أمريكا أو السعودية، ولكنها موجهة فى الأساس لكوادر وأعضاء الإخوان تحديدا، فهذا التنظيم يحتاج دائما وفى كل لحظة إلى من يفتح باب الأمل أمامه، ويحتاجون لتقديم وعود جديدة للأعضاء لانتشالهم من هوة اليأس بحيث لا يقعون فى حالة إحباط.



  • المصور: ما مدى تأثير أحكام الإعدام على الرأى العام المحلى والعالمى؟


- شهيب: قبل بضعة أسابيع عندما أحال المستشار شعبان الشامى أوراق عدد من المتهمين إلى المفتى، كانت ردود الأفعال فى الغرب وأوروبا ثائرة، ثم عندما أصدر حكمه بالفعل بإعدام القيادات، تكتشف أنه لا توجد استمرارية لهذه الانتقادات، كما أنه تم توجيه الدعوة للسيسى لزيارة بريطانيا وهذه المسألة لها دلالة، لقد قل الحديث الحاد لدى الألمان عن الأحكام، وخرجت فرنسا ترفض التعليق على هذه الأحكام.



  • المصور: وما مستقبل الجماعة أمام هذه الأحكام؟


-  شهيب: مستقبل الجماعة مرهون بعدة خيارات؛ أولها مدى نجاح الأمن فى تصفية هذا التنظيم السرى، وكلما يتقدم فى تصفية خلايا جديدة داخل هذا التنظيم يُعجل بنهاية هذه الجماعة.


ثانيا، أن الأمريكان راهنوا رهانا مباشرا على دور جماعة الإخوان فى الحكم فى مصر وعدد من الدول العربية، فهل تعيد الإدارة الأمريكية النظر فى ذلك؟


ما أمتلكه من معلومات تشير إلى أن بعض مراكز الأبحاث والدراسات التى تعد لاتخاذ القرار تفكر بالفعل فى ذلك، لكنها لم تعثر بعد على إجابة لما كان مخالفا من قبل، ووارد أن يظل الرهان على الإخوان باقيا.


العنصر الثالث هو الرهان على دول المنطقة التى تقدم لهم الدعم فى مستويات معينة، وإذا كان هذا الدعم مفتوح المدى ستطول فترة الانتظار فى التخلص من هذه الجماعة، وإذا تراجع الدعم نقترب من ميعاد التصفية.



  • المصور: لمن ستؤول قيادة الجماعة حال تطبيق الإعدام على مرشدهم محمد بديع؟


-   شهيب: نحن إزاء خلافات داخل الإخوان، فلم يحدث فى تاريخهم مثلما تم يوم 3 يوليو أن وصلوا لسدة الحكم ثم سقطوا عن بكرة أبيهم، ولم يحدث فى تاريخهم أن أصبح صراعهم مع الشعب ذاته وليس مع الأمن أو النظام، وتوابع هذا الزلزال عديدة داخل الجماعة، وستحدث صراعات كبيرة، وأحد أسباب مبادرة أبو الفتوح أنه يطرح نفسه بديلا داخل الإخوان وليس خارجهم.


والتقدم الذى سوف نحرزه فى إعادة الدولة العصرية القوية الحديثة بنسبة 50% يعتمد على إنهاء وجود الإخوان، فكلما تقدمنا أكثر اختفت الجماعة من الحياة السياسية.



  • المصور: هل وجود الدولة وتقويتها يمكن أن ينهى وجود الإخوان؟


- بان: اتفق مع ما قاله الأستاذ عبدالقادر فى أن وجود الدولة وتقويتها هو عامل كبير فى إنهاء حكم الجماعة، فالتنظيمات السرية لا تشغل من تفكير العالم كل هذا الحجم، ففى ظل دولة حقيقية تقدم أداء يستجلب تحية الشعب يمكن أن تتخطى الدولة كل ذلك.


وهناك بعد غائب عما طرحه يوسف ندا، فالرجل منزعج باعتباره كان جزءًا من الجماعة على مدار أكثر من 60 سنة، وأتصور أنه يمتلك علاقة خاصة جدا مع محمد مهدى عاكف والأتراك.


ولا توجد دولة فى العالم تحترم نفسها تسمح بهذه الصيغة الملتبسة للإخوان بين ما هو دعوى وسياسى، لكن بشرط أن تقدم النموذج فى احترام ما هو سياسى وما هو دعوى، وتجسد ذلك بشكل محدد وواضح.


يكفى اتهام أى شخص بالانتماء للتنظيم، وهذا كاف لمحاكمتهم بدلا من اتهامات عائمة وغير مُقنعة.


لكننى غير مقتنع من تغير موقف القيادة الجديدة من أمريكا، أو أنه أصبح له درجة من الندية التى ترضى ضمير الوطن، لكنهم يتحركون فى التثبت من موقف جماعة الإخوان ومدى تقلدهم للسلطة، ويريدون تقديم إثبات ودليل دامغ على ممارسة الإخوان للعنف، وهذا حسب مسئولين التقيتهم خلال الفترة الماضية.


لكن لا يجب أن تبقى الأخوان على أجندة الحوار بهذا الإلحاح، ونريد أن يكون هناك حوار وطنى بين السلطة والعقول فى مصر لوضع تصور للتعامل المباشر مع الجماعة، والتقدم فى مجال تطبيق الديمقراطية.



  • المصور: ما رؤيتكم فى الختام لتعامل الدولة مع ملف الإخوان؟


ـ عيد: تفكيك التنظيم سيكون له دور كبير، وكان يمكن للدولة تفكيك التنظيم فى الفترة الماضية، لكنها تمتلك حسابات خاصة فى تحول جزء منهم للعنف، وبالتالى يسلكون مبدأ "التكسير" وليس "التفكيك".


وهناك قضية محورية تمثل التقدم فى بناء النظام الديمقراطى الحديث بكل مؤسساتها، بجانب صناعة تيار عام قوى داعم لقرارات الدولة وخطاباتها السياسية، ونحتاج أن يكون هذا الخطاب متوائما مع المشهد الراهن.


-  أبو زيد: فى مواجهتنا للإخوان أرى أن الدولة المصرية تعانى حالة من عدم الكفاءة فى بعض الأمور، وهذا الأمر يقدم خدمات جليلة لتنظيم الإخوان، والوجوه التى تتصدر شاشات الفضائيات تساعد الإخوان لأنهم يرتكبون أخطاء فادحة.



  • المصور: هل تغير الموقف الغربى تجاه مصر يعكس فشل مصر فى إدارة سياستها الإعلامية الخارجية.. أم قوة الدعاية التى تمارسها الجماعة؟


-  شهيب: هناك مبالغة فى تحميل الإعلام أكثر مما ينبغى، لأن هذه الدولة لا تأخذ مواقفها من الإعلام فقط، فكل الدول لديها معلومات دقيقة ومحددة حول حقيقة الأحداث فى مصر عبر سفاراتها، ورغم الاعتراف بوجود إخفاقات فى العمل الخارجى، لأن هذه الدول تحدد مواقفها بناءً على معلومات حقيقية عن الوضع المصرى، وربما هى تعرف معلومات لا نعرفها نحن الباحثين فى هذا الملف.


ومن عدم الانصاف عدم رصد التغير فى إدارة السياسة الخارجية وعلاقتنا مع الدول المختلفة، ونحن نطمح لما هو أكثر من ذلك، لأن معركتنا مع جماعة الإخوان ليست معركة مع الإخوان فقط، بل معركة مع كل مشكلات مصر وإذا عالجنا كل المشاكل التى تحول دون التقدم للأمام سوف ننجح فى تصفية تنظيم جماعة الإخوان ووقاية البلاد من شرورها.