قيام وانهيار دولة التلاوة في مصر

21/06/2015 - 10:56:23

صورة ارشيفية صورة ارشيفية

د. نبيل حنفي محمود - كاتب مصري

أسعدني قدري بميلادي في أواخر أربعينيات القرن العشرين، وتفتحت أذني على أصوات نجوم العصر الذهبي لدولة التلاوة في مصر والعالم الإسلامي، أولئك النجوم الذين غردوا بآي الذكر الحكيم في مشارق الأرض ومغاربها، فما وجد المستمعون بينهم صوتا يشبه آخر ولا نجما يقلد نجما، ومن المدهش بل المعجز حقا أنني ومنذ كنت في الخامسة أو السادسة، لا أخطئ في تمييز أصوات تلك الكوكبة الفريدة من قراء القرآن الكريم، حيث كانت الفروق – ومن ثم الصفات المميزة – واضحة جلية في مسامعي، فلم أخلط يوما في ذلك العمر المبكر ولو مرة بين صوت الشيخ محمد رفعت وصوت الشيخ أبو العينين شعيشع، ومع وجود بعض الصفات المشتركة بينهما، ولم يكن ذلك قصرا علي مشاهير قراء ذلك العصر، حيث امتد ذلك الطابع المميز حتى إلى أصوات لم تنل من الشهرة قدر ما نال منها الشيخان رفعت وشعيشع.


    وأحببت أصوات: محمد فريد السنديوني وعبد الرحمن الدروي ومحمود عبد الحكم، وقد كانت خصائص أصواتهم تدمغ تلاوتهم بطابع مميز لا تخطئه الأذن، فلا تخلط بين أصواتهم. أما الآن، فإنني وقفت حائرا وقد أسقط في يدي حال سماعي لقرآن يوم الجمعة 12 رجب 1436 (1 مايو 2015)، والذي نقلته الإذاعة المصرية من مسجد السيدة نفيسة – رضي الله عنها وأرضاها – بالقاهرة، ظللت أضرب أخماسا في أسداس كي أخمن اسم قارئ السورة، فلم تفلح محاولاتي، لأن صوت القارئ لا يتميز بشئ عن أصوات قراء المآتم والمناسبات، ممن يطلقون علي أنفسهم الآن لقب "القارئ بالإذاعة والتليفزيون"، وعندما أنهي الرجل تلاوته وانتقل ميكروفون الإذاعة إلي مذيع البث الحيّ، عرفت مع الملايين من مستمعي الإذاعة أن قارئ سورة الجمعة هو الشيخ أحمد حسن أبو الفرج، وليت ما أصاب دولة التلاوة كان وقفا علي انعدام الفروق المميزة بين أصوات قراء ما نعيش الآن من عصر، وبما يعني التشابه الكبير بين أصواتهم، لأن المصيبة الكبرى كانت في نوعية الأصوات نفسها.


   فبعد أن كانت الغالبية العظمي من أصوات قراء العصر الذهبي لدولة التلاوة من فئة الصادح أو التينور في المصطلحات الغربية، وبعد أن كان العنصر الموسيقي يتبدى واضحا جليا في مكونات أصوات عباقرة ذلك العصر الذهبي، مما جعل كاتبا كبيرا كالراحل محمود السعدني يصف أصواتهم في كتابه الرائد "ألحان السماء" بقوله: "كانوا مثل الأشجار المثمرة في جنة فواكه"، فإذا به يصف أصوات من جاء بعدهم من قراء قائلا: "إنهم جميعا لهم رائحة النبق والدوم والجميز والتين الشوكي".


وقد لاحت بشائر العصر الذهبي لدولة التلاوة في نهايات القرن التاسع عشر، عندما ظهرت مجموعة من القراء ضمت شيوخا مثل محمود القيسوني وحنفي برعي وحسين الصواف وأحمد ندا، فبددت ما ران علي دولة التلاوة من جمود في أعقاب الاحتلال العثماني لمصر، حيث ابتكروا في فن ترتيل القرآن ما لم يسمع به الناس من قبلهم، وذلك بإدخالهم فن تنغيم آي القرآن مع العناصر الأساسية لتلاوة القرآن، تلك العناصر التي شملت الاهتمام بحفظ الأطفال للقرآن في المكاتب (الكتاتيب في العامية)، والاعتناء بتدريس علوم القراءات في الأزهر وبعض المعاهد العلمية كالجامع الأحمدي بمدينة طنطا، وتصدر القراء لجميع المناسبات.. دينية أو دنيوية، فإذا ما التأمت تلك العناصر في تكوين قارئ، ومع وجود عنصر رابع يشبه الإكسير الذي كان الأقدمون يتوهمون أنه يحول المعادن الرخيصة إلي ذهب، ذلك الإكسير الذي يتمثل في التأثير المتبادل بين فنيّ الغناء والتلاوة، وهو ما سمي بفن التنغيم، فإن ذلك يكون إيذانا بميلاد نجم جديد في دولة التلاوة.


وتوالي ظهور أولئك النجوم في عصر البث الإذاعي، حيث أتاح الجهاز الإعلامي الجديد فرصة وصول أصوات مشاهير القراء والجدد منهم إلى المسامع المتعطشة إلى آي الذكر الحكيم داخل مصر وخارجها، كانت دولة التلاوة تزدان قبل عصر الإذاعة بمشاهير القراء ومنهم: محمود القيسوني (وهو القارئ الخاص لملك مصر) وحسين الصواف وحنفي برعي وأحمد ندا ومحمد القهاوي ومنصور بدّار وعلي محمود ومحمد رفعت وعبد الفتاح الشعشاعي، فإذا بها تزهو بمن انضم إليهم في عصر البث الإذاعي: أبو العينين شعيشع ومصطفي إسماعيل ومحمد فريد السنديوني ومنصور الشامي الدمنهوري وعبد العظيم زاهر وكامل يوسف البهتيمي ومحمود خليل الحصري ومحمود علي البنا وعبد الباسط محمد عبد الصمد ومحمد صديق المنشاوي، حيث تفرّد كل واحد من أولئك المشاهير بخصائص ميزته عن معاصريه، وبالرغم من عمق تأثير أولئك المشاهير في سامعيهم، فإن المرء يعييه البحث عن شبيه لهم، حتى أنني – وخلال فترة جاوزت نصف القرن قضيتها مستمعا لتلاوات أولئك المشاهير – لم أجد سوى قارئين اقتربا من أداء اثنين من تلك الكتيبة الرائعة، أولهما هو القارئ السعودي محمد شرف الحلواني، المقيم بمدينة الطائف وتلميذ الشيخ محمود خليل الحصري، ويكاد صوته وأداؤه يتطابقان مع صوت الشيخ الحصري وأدائه، وأما ثانيهما فهو الشيخ محمد إبراهيم حديد: إمام مسجد القصيبي بمدينة الخبر السعودية، الذي يذكّر سامعيه من رواد المسجد في الصلوات الخمس بصوت الشيخ منصور الشامي الدمنهوري وتلاواته الخاشعة، فيما عدا ذلك فإن بقية كتيبة مشاهير القراء قد استعصت على الاستنساخ أو التقليد، مما جعلها في طليعة عناصر القوة الناعمة المصرية.


عوامل الانهيار


انتشرت تلاوات مشاهير القراء من المصريين في مشارق الأرض ومغاربها عبر أثير الإذاعات، ومن خلال رحلاتهم إلى أقاصي بلاد المسلمين وغير المسلمين، فتحقق لطريقتهم في التلاوة الشهرة والانتشار، وجنوا جميعا أوسمة المجد والفخار من البسطاء قبل المسؤولين، ولكن ومصداقا للقول المأثور "لكل شيء إذا ما تم نقصان"، فإن عوامل الانهيار بدأت تأخذ طريقها إلى أركان دولة التلاوة، لتنخر فيها وتمهد لانهيارها انهيارا بدأ في سبعينيات القرن العشرين، وتزامن مع انهيار فن الغناء المتقن، الذي بدأ – ويا للعجب – في السبعينيات أيضا!


تعد لجنة اختبار القراء بالإذاعة المصرية أول عوامل انهيار دولة التلاوة، فقد تكونت اللجنة في السنوات الأولى من عمر الإذاعة، وانحصرت مهمتها في إجازة القراء الجدد لتلاوة القرآن في برامج الإذاعة، وضمت في تشكيلاتها الأولى المديرين الإنجليزي والمصري للإذاعة وبعض كبار الإذاعيين، وبازدياد أعداد المتقدمين من القراء الجدد للاختبار توسعت اللجنة حتى ضمت تسعة أعضاء في تشكيلها الذي أقر عام 1953، وكان أكثر من نصف ذلك العدد من الأعضاء من رجال الإذاعة، فانفتح أثير الإذاعة أمام قراء لا ترقى مواهبهم إلى ما حلقت فيه أصوات مشاهير القراء في العصر الذهبي من ذرى وآفاق، وهو ما عبر عنه محمود السعدني بقوله: "والآن.... لا أحد يدري إلى أين نسير، بعد أن أصبحت التلاوة بالواسطة"!


والعامل الثاني لانهيار دولة التلاوة هو جماهير المستمعين في المساجد والسرادقات، "السمّيعة"، الذين دأبوا في العصر الذهبي لدولة التلاوة على الرحيل وراء مشاهير القراء أينما حلوا، للاستماع إلى فنهم السماوي، وفي بعض الأحيان لتوثيق إبداعاتهم في تلاواتهم المبهرة بالتسجيل والحفظ، بينما اهتمت الأجيال الجديدة من "السمّيعة" في بدء انهيار دولة التلاوة وبعد الانهيار، بالصخب والجلبة والصياح بابتكارات سخيفة من عبارات: "عشان خاطر الشريفة العفيفة الزعيمة ستنا السيدة زينب"، خرج بها أحدهم في صوت قبيح في بث مباشر من أحد المساجد، منتهزا توقف القارئ أثناء التلاوة، ليخرج دائما ومنذ السبعينيات أشباه ذلك المتنطع في كل مسجد تبث منه تلاوة مباشرة، ليردد العبارة السابقة بمزيد من القبح والتخانف، وليت الأمر يقتصر على مرة واحدة يردد بها المتنطع تلك العبارة خلال ما ينقل من تلاوة، وإنما يتمادى في ترديدها كلما توقف القارئ عن التلاوة، فإذا ما أضيف لتلك العبارة أصوات الحضور من دهماء لا يعرفون حرمة للمسجد أو للمناسبة ولا يوقرون كلام الله أو يحترمونه، تحولت التلاوات في المساجد الآن إلى شيء أقرب إلى صياح جماهير الكرة في المباريات منه إلى مناسبة دينية يتردد فيها آي الذكر الحكيم.


أما ثالث عوامل الانهيار فقد جاء من خارج حدود مصر، وتمثل في طرق للتلاوة أنتجتها مجتمعات أخرى لها مواقف تختلف عن موقف المصريين من هذا الفن، فأقبل على تلك الطرق بعض القراء الجدد والمتطرفون من "الدعاة الجدد"، ممن يمرحون ويروجون لأفكارهم الظلامية في مساجد "بئر السلم"، التي انتشرت كالوباء في ربوع مصر من الإسكندرية حتى أسوان، وزعموا أن ما جاء من الخارج هو الشرعي في التلاوة، وما عداه باطل وغير شرعي.


وارتبط هذا العامل بعامل آخر، أكمل أحدهما الآخر وأتمه، ويتلخص العامل الرابع من عوامل انهيار دولة التلاوة في الهجوم الضاري منذ منتصف السبعينيات على فن الغناء، الهجوم تضافرت فيه جهود جميع الجماعات الدينية التي خرجت من عباءة جماعة الإخوان، حتى حد تحريم الغناء، مما أسفر عنه انقطاع مصدر الإكسير الذي أعطى التلاوة المصرية جرسها المميز والمحبب  إلى النفس، بينما يأتي أخيرا في تلك العوامل ما شهدته تقنية حفظ الصوت والصورة من تطور، مما أتاح لكل من هب ودب أن يعبئ شريطا أو يبث موقعا علي الإنترنت، كي يطلق عبرهما ما يعن له من أفكار ومن تلاوات، لتتوارى تسجيلات نجوم العصر الذهبي لدولة التلاوة أمام طوفان تلاوات قراء (الميكروباص) والفضائيات الموجهة.


ألا من عودة؟


سؤال يعن لي كثيرا حين أتأمل بحسرة ما آل إليه فن التلاوة في مصر، ولكن تأمل الظرف التاريخي الذي صعدت فيه دولة التلاوة، وتدبر العوامل التي هيأت ذلك الصعود، كفيل بأن يضع أمام القارئ والمهتم الوصفة المطلوبة لنهوض دولة التلاوة في مصر من جديد، والتي تتلخص – كما سلف القول هنا – في الاهتمام بحفظ القرآن في مؤسسات تقدم على تنشئة حملة القرآن وليس حملة القنابل، والاعتناء بعلوم القراءات التي برع فيها كثير من المصريين، والعودة إلى رفد التلاوة بمصدر التنغيم والمتمثل في الغناء العربي المتقن، فضلاُ عن الاعتناء بتقديم التلاوة في جميع المناسبات، بدلا من حفلات الرقص الجماعي التي ينخرط فيها الجميع شيوخا وأطفالا. ويوم أن تتهيأ هذه العوامل يحق لنا أن نستمع إلى (محمد رفعت) جديد وإلى (منشاوي) آخر.