ليلة القدر فى القصة القصيرة

21/06/2015 - 10:55:08

مقام السيدة سكينة مقام السيدة سكينة

أحمد حسين الطماوى - كاتب مصرى

تأتي ليلة القدر مبشرة بالخيرات، مسدية للداعي ما تمناه من حاجات وآلاء الله، فسقيا لها ليلة مباركة، ولأنه يتكشف فيها الغطاء، ويستبين ما في الخفاء، فإن المسلم يتطلع إلىها في كل ليالي رمضان، ويعلق يديه بين الأرض والسماء، ويحدق في الأفق الرحب على قدر ما تصل إلىه العين، ويبتهل بنغم عذب، لاهجاً بالسؤال والدعاء، عارضاً ما خبأه في سريرته من شكوى وبلاء، مناجياً باستفاضة في ليلة القدر «سلام هي حتى مطلع الفجر»، وهذا يظهر أن الإنسان لم يقنط من رحمة الله.


وأدعية الناس في الليلة المصطفاة منوعة، تناول قصاص في عدد من إبداعاتهم بعض ما تصوروه فيها، والأقاصيص الكاملة التي عرضت لليلة القدر قليلة جداً، ولكن في بعض القصص والروايات نجد وقفات وإشارات إلى الليلة المفضلة، والقاص يتخيل شخصاً يعاني مرضاً مضيضاً، ويدعو بارئ الخلق في ليلة القدر، فيقدر سبحانه شفاءه، أو إفلاساً مالياً فيرزقه، أو خشونة في المعيشة فينتهي دعاؤه إلى لين ورقة، وإن كان يقلقه هول فيمن علىه الله بالأمن... وما إلى ذلك، فإن الإنسان غالباً ما يشكو من شيء هو علة شقائه، ويطلب من الله أن يهيئ له ما يعطل ما يشكو منه.


زواج العانس


ومن القصص القصيرة التي يكون ختامها الفرج بعد الضيق، قصة «ليلة القدر» للدكتور حسين مؤنس (المصور 22/7/1949) ويعالج فيها مشكلة فتاة اسمها فتحية، انقضى ربيع عمرها، وذهب معه العرسان والخطّاب والآمال، ولم يبق لها إلا أن تنتظر خريف العمر الشاحب وشتاءه البارد، وراحت تفكر في اليانصيب الذي يسمي الزواج، وكان خاطب قليل الشأن تقدم لخطبتها في زمن سابق، ورفضه أبوها.


وكان يسكن في الشقة العلىا بالمنزل الذي تقيم به، عبدالجليل أفندي، وهو أرمل رحلت زوجته في الليلة التي أنجبت له فيها ابنه أنور، وكانت فتحية كلما سمعت صراخ الطفل استأذنت أخته وحملته لتسكته، وفي ليلة القدر، وكان الجو حاراً، صعدت إلى السطح، ورفعت عينيها إلى السماء، ولأنها يائسة ظنت أن باب السماء مغلق، فلم تطلب شيئاً، وبعد ثلاثة أيام ذهبت إلى مقام السيدة سكينة كعادتها كل عام، والتقت حارس المقام الذي كان يعرفها وتعرفه، وأخبرها أنه دعا لابنته في ليلة القدر أن ترزق بزوج كريم فاستجاب الله وتزوجت بعد ليلة القدر بثلاثة أيام، وأذن لها أن تكنس المقام الشريف، وحين كنست قالت أمام المقام مخاطبة السيدة «أنا خدامتك»، والقول والفعل يأتيان بمنزلة الدعاء بالزواج في الليلة المقدسة التي فاتها أن تدعو فيها ليلة السابع والعشرين، ولم يتفق العلماء على وقت ليلة القدر، فهناك من قال إنها تأتي في أول رمضان، ومن قال في آخره، ومن قال في العشر الأخيرة، ومن قال في السنة كلها وغير هذا، وتركت فتحية المقام وذهبت إلى البيت لتجد والدها يخبرها بأن عبدالجليل أفندي الذي يبلغ خمسة وأربعين عاماً طلب الزواج منها، ورفض طلبه، فقالت له: لم لم توافق، فقاومها، ولكنها طلبت منه أن يصعد إلىه ويعلن له القبول، وتمت الزيجة على وجه السرعة.


والمعنى المجتنى من القصة أن السماء حققت أمنيتها، وتوجت حياتها بإكليل الزواج، وجعلت نفسها قريرة تمر بأحوال جديدة سعيدة، هذا من الناحية الدينية، أما من الناحية القصصية الفنية، فإن القاص لم يفاجئنا بهذا الزواج، وإنما جعل له مقدمات منها أن عبدالجليل ماتت زوجته، وابنه الصغير لا يكفكف من دموعه وعويله إلا مع فتحية التي تحبه وتعطف علىه وكأنه ابنها، فيأتي الزواج بعد هذه المعطيات وكأنه تطور طبيعي في المواقف، ذلك أن الحوادث في القصة تتدرج وتتواشج ويوطئ فيها حدث لحدث وينبئ به، وتتضمن القصة نقداً اجتماعياً لوالد فتحية الذي أعرض عن خاطب لابنته من قبل لأنه ليس كفؤاً لها، وهذه الحالة تتكرر كثيراً في العائلات، وكأن القاص يحث الآباء على أن يكونوا أوفى عقلاً، ويظهر حسين مؤنس في قصته ما يحتمل في نفوس البنات اللاتي تقدم بهن العمر، وخبا نورهن دون زواج، وما تلاقيه العانس من قلق وضجر، ويأس وسأم.


ومبدع القصة د. حسين مؤنس (1911-1996) مؤرخ كبير وله كتب في تاريخ المغرب والأندلس والتاريخ الإسلامي في المشرق، ولعل أهم أعماله «أطلس تاريخ الإسلام» وكان رئيساً لتحرير مجلة الهلال فترة من الزمن، وله حوالي ثمانين أقصوصة نشرها في مجلة المصور في الفترة من 1946 إلى 1956، ولم يجمعها في كتب.


الغيب والواقع


وترتدي بعض الأدعية في ليلة القدر رداء دينياً مثل طلب التوبة والمغفرة، والاستقامة المستدامة، ويلبس بعضها الآخر لباساً دنيوياً تتبدى فيه المطامع والمنافع، والحصول في الدنيا على أكثر الغنائم، وأهمها المال والجاه لتحقيق المآرب، وما ترغب فيه النوازع.


وقصة «ليلة القدر» التي وضعها الدكتور محمد عوض محمد (مجلة الهلال- فبراير 1956) من النوع الثاني، وتحكي عن الشيخ إمام صاحب كتّاب في القرية يعلم الصبيان القراءة والكتابة والقرآن، ويعظ الكبار، ويرزقه الله من هذين العملين رزقاً حسناً يكفل به زوجه وأولاده الأربعة، ولكن زوجته المولهة بالدنيا، المولعة بزينتها، تبرمت من الحياة التي يحياها زوجها، وألحت علىه ليستبدل بالكتّاب مزرعة لتعيش عيشة رافهة، وتأثر الزوج بحديثها وتمنى لو فتحت له السماء أبوابها ليطلب من الله الثروة، وكان يعرف أن ليلة القدر تأتي مرة كل عام وأن الدعاء فيها مستجاب، فراح يدعو الله كل ليلة ليحقق أمانيه، وذات ليلة سار في الغيطان وبعد أن دعا شعر بملاك يقترب منه ويخبره أنه ستجاب له ثلاث دعوات وناوله كرات ثلاثاً، وإذا أراد شيئاً علىه أن يلقي بكرة في الفضاء ويطلب، وعاد الشيخ إلى داره وأيقظ زوجه وقص علىها ما جرى، وقال لها: اطلبي ما تشائين، ونظرت المرأة وجهها في المرآة فألفته شائهاً مجعداً، وطلبت من زوجها أن يطلق الكرة الأولى ويطلب أن تكون زوجته أجمل نساء العالمين، ففعل واستجاب القدر وصارت الزوجة ذات وسامة وقسامة، ثم ذهبت إلى المدينة ومعها مال مدخر، وابتاعت ثوباً أحمر وأقراطاً ذهبية ولم تعد تدبر شئون منزلها وطلبت من زوجها أن يوظف خادماً للبيت، لأن جسدها الناعم المفتان خلق للمقاعد الوثيرة، وتطاولت على زوجها ورأت أنه دميم ذميم، فدخل الهم الشيخ إمام وفشل في إصلاحها وملأه الغيظ، ورأى أن يقضي على زهوها ويطفئ بريقها فألقى الكرة الثانية في الفضاء، ودعا أن تستحيل امرأته إلى خنزيرة ذليلة، وفي الصباح وجدها قد مسخت وداخل تقاطيع وجهها ملامح خنزير فبهته منظرها، أما هي فولولت وقبلت قدمي زوجها وهدر دمعها، ولما استلهى أطفالها شكلها الغضوب، التمسوا أن تعود أمهم إلى أصلها القديم، ووافقت هي على هذا المطلب، وحينئذ ألقى الشيخ الكرة الثالثة والأخيرة وطلب أن تعود زوجته على بدء، وعادت المرأة إلى ما كانت علىه، ورضيت بعيشتها دون تقريع وتأنيب، أما الشيخ فقد أحضر لوحة وعلقها في صدر البيت وكتب علىها «لو اطلع أحدكم على الغيب لاختار الواقع».


وهذه القصة قد تكون رمزية، وترمز إلى سوء استخدام الفرص المتاحة، أو تشتمل على عنصر أسطوري، فتحول ملامح الإنسان إلى ملامح حيوان ثم العودة مرة أخرى إلى الحالة الأولى أقرب إلى الأساطير، وتحول الإنسان إلى حيوان ليظل حياً خالداً كان من معتقدات الديانة «التاوية» قديماً، وعند المصريين الفراعين تجسد أوزوريس فيما سمى بعجل أبيس، أما هنا فإن التحول كان للموعظة والعبرة أو أن القاص أراد أن يضع حكمة فصاغها في شكل حكاية تبين امرأة استغلت ليلة القدر لأغراض ذاتية دنيوية لتزهو وتتكبر وصار سعيها فارغ المعنى والله علىم بما في الصدور.


كذلك يمكن أن تكون قصتنا فلكلورية، والفارق بين الحكاية الأسطورية والفلكلورية ضئيل، وتتسرب في بعضها معتقدات دينية، وبخاصة تلك المعتقدات المتعلقة بالآلهة الأسطورية القديمة.


وقد وفق المؤلف عندما جعل زوجة الشيخ تزري بالمال، وتطلب الجمال لأنه أنسب لطبيعتها، والأنثى ترى أن ثراءها في حسنها، والجمال في نظرها لا يعدله شيء، فبواسطته تصل إلى المال والرجال وتحقيق مبتغاها في الحياة، وامرأة غير جميلة مثل إنسان بغير ثروة وسلطة، لذلك حضت المرأة زوجها على طلب الجمال لها في ليلة القدر إذ هو عنوان أنوثتها.


والدكتور محمد عوض محمد (1895-1972) من كبار المثقفين المصريين وكان متخصصاً في علم الجغرافية، وله كتب عن نهر النيل والسودان وهو وثيق الصلة بالحركة الأدبية وله كتاب فن المقالة الأدبية، وترجم «هاملت» عن شكسبير، و«فاوست» لجوته، وقصته «ليلة القدر» التي عرضنا لها ربما تكون القصة الفريدة التي وضعها، فهو ليس من كتّاب القصص والروايات.


هداية النفس


والعطايا في الليلة الكبيرة متنوعة ووفيرة، فقد تنفرج فيها مضايق الحياة، وتتسع أرزاق، وتطول آجال، وتتنزل الملائكة فيها بالتقى والهدى، وبالهدى تشف النفس، ويبطل الباطل، ويمضي الشك والظن، ويحل الصفاء والأمن، ويقبل المهتدي في رضاء ما قضى به رب العالمين، حتى لو كان ما تحقق ليس هو المراد، وهذا ما تختتم به قصة «ليلة البدر» التي قصها علىنا الكاتب السوري نزار مؤيد العظم، ونشرتها مجلة «قافلة الزيت» السعودية في عدد سبتمبر/ أكتوبر 1973.


والأستاذ العظم يخبرنا أن قصته جرت أحداثها في بلاد المغرب والظاهر أنه عاش زمناً في هذا القطر، لأنه يذكر معالم أماكن لا يعرفها إلا من أقام فيها أو بالقرب منها، علاوة على أن القصة تتضمن عبارات مغربية دارجة.


والقاص يحكي لنا عن الخادمة أماليكا التي تترك عملها بعد أدائه، ويدها تلامس بطنها المنتفخ المتدلي، بينما سيدتها نعيمة تدعو لها بأن يعطيها الله ولداً في ليلة القدر، وأماليكا زوجة رجل شرير أمضى فترات من عمره في السجون، وكان هذا الزوج واسمه الطيب، قد هدد زوجته حين علم أنها حامل بالقتل إن هي أنجبت بنتاً ولم تعطه ولداً، ويؤكد تهديده بإخراج مدية ويقربها من رقبة أماليكا، وكانت هذه التهديدات راجفة لها كلما تذكرتها.


وفي الليلة المباركة وضعت أماليكا مولوداً بنتاً، وكانت بجانبها امرأة عجوز (ربما تكون القابلة أو الداية)، وكان الطيب الزوج واقفاً أمام زوجته وشخص إلى البنت المولودة، ونبذ المدية من يده، وفاض فمه بكلام عذب، وأخذ البنت بين يديه، وطبع على جبينها قبلة ردت روح الأم، وكأن إنجاب بنت هو رجاؤه، وهز المرأة العجوز «التبدل الذي طرأ على الطيب، وأمات فيه الطيب الشرير، وابتعث فيه الطيب الطيب..» ثم قالت له بعد أن ربتت على كتفه وهي تبتسم «...سلام هي حتى مطلع الفجر» هكذا لم يرزق الولد في الليلة المباركة، ولكنه شعر بنعمة الإنجاب، وأقر سروره بآلاء ربه، واهتدت نفسه، والله يهدي من يشاء.