المسحراتي .. شخصيته وسماته الفنية

21/06/2015 - 10:54:07

صورة ارشيفية صورة ارشيفية

عرفة عبده على - كاتب مصري

    ثبوت رؤية هلال رمضان هو الإعلان الرسمى لبدء شهر الخير والرحمة، فتستعد الشعوب الإسلامية لبدء صيام الشهر الكريم، ولكي يتغلبوا على مشاقه فقد كان السحور وسيلتهم لذلك، وقد لقيت عملية التسحير عناية من المسلمين وأفردت لها الأشعار، حتى غدا شعر ونثر السحور أدباً يستحق أن يدرس من باحثى الأدب العربى، وكان السند الشرعى الذى سوغ لهم السحور، قوله -صلى الله عليه وسلم- "تسحروا فإن فى السحور بركة"، ولكن كيف كان يدعى إليه، وكيف يحدد وقته؟ تلك مسائل تناولتها كتب التراث عرضاً، ومن الشذرات المتناثرة يمكننا القول بأن المسلمين فى عهد الرسول -صلى الله عليه وسلم- عرفوا جواز الأكل بأذان بلال، وعرفوا قطعه بأذان ابن مكتوم، فما بين السحور والإمساك أذانان يمكن تمييز الصوت فيهما.


    والسحور كما هو معلوم، دعوة لإيقاظ النيام ليتزودوا بالطعام والماء استعدادا لمواجهة مشاق اليوم التالى، ومن يتولى هذه المهمة يسمى "المسحراتى"، وقد ذهب المسلمون مذاهب شتى فى كيفية الإيقاظ، فقد يكون بترديد بعض العبارات النثرية، وبقراءة آيات من القرآن الكريم، فينبه المسحراتى بقوله "تسحروا، كلوا، واشربوا"، ويقرأ الآية القرآنية "يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام".


    ويؤثر عن "عنبسة بن إسحق" والى مصر سنة 283 هجرية أنه كان يذهب إلى جامع عمرو بن العاص، ماشياً من مدينة العسكر، وكان ينادى فى طريقة بالسحور. وفى مكة كان المؤذن الزمزمى – كما أشار رحالة الإسلام ابن بطوطة – يتولى التسحير فى الصومعة التى فى الركن الشرقى من المسجد، فيقوم فى وقت السحور داعياً ومذكراً ومحرضاً على السحور، ومعه أخوان صغيران، وفى الوقت نفسه كان فى أعلى الصومعة خشبة طويلة فى رأس عمود وفى طرفه بكرتان صغيرتان ويرفع عليهما قنديلان من الزجاج كبيران، لا يزالان يوقدان عند التسحير، فإذا اقترب ميعاد الإمساك علا المؤذنون من كل ناحية بالأذان، فمن لم يسمع نداء التسحير من أهل مكة يبصر القنديلين يوقدان أعلى الصومعة، فإذا لم يبصرهما علم أن الوقت قد انقطع.


    أما إنشاد الشعر عند التسحير، فقد بدأ فى بغداد حيث بدأها "ابن نقطة المزكلش" المتوفى سنة 597 هجرية، 1200 ملادية، وكان موكولاً إليه إيقاظ الخليفة الناصر للسحور، ويسمى هذا النوع من الشعر "القوما"، ولعله مأخوذ من قول بعضهم: قوما نسحر قوما نياما.. أو قوما للسحور قوما


    ويكون فى أربعة أدوار، ومن مثاله:


ايها النوام قوموا للفلاح


واذكروا الله الذى أجرى الرياح


إن جيش الليل قد ولى وراح


وتدانى عسكر الصبح ولاح


معشر الصوام يا بشراكموا


ربكم بالصوم قد هناكموا


وجوار البيت قد أعطاكموا


فافعلوا أفعال أرباب الصلاح


واشربوا عجلى فقد جاء الصباح


    وحيث أنكر ابن الحاج "محمد بن محمد أبو عبد الله العبدرى" المتوفى عام 737 هجرية "بدعة" ما أحدثه المؤذنون فى شهر رمضان من التسحير، وطالب بضرورة العودة إلى السنة النبوية فى ذلك، إلا انه عقد فصلاً لعوائد المسلمين فى التسحير فى مختلف أقطار الدولة الإسلامية، ففى القاهرة والفسطاط مثلاً يسحرون بالطبلة، يطوف بها أصحاب الأرباع وغيرهم على البيوت ويضربون عليها، وأهل الاسكندرية واليمن وبعض أهل المغرب يسحرون بدق الأبواب على أصحاب البيوت وينادون على أصحابهم.. أما أهل الشام فإنهم يسحرون بدق الطار وضرب الشبابة والغناء والرقص "هذا شنيع جداً من أهل الشام" على حد قوله.


    كما يفعل بعض أهل المغرب فعل أهل الشام حيث يضربون بالنفير على المنار ويكررونه سبع مرات ثم يضربون بالأبواق سبعاً أو خمساً، فإذا قطعوا حرم الأكل!


   الملامح الفنية.


    كان المسحراتى فى العصور الإسلامية المتعاقبة يتفنن فى الأداء، ويستخلص المعانى لحث الناس على الصيام والقيام وطلب المغفرة، وينشد قصص المعجزات، ويبدع فى توزيع "التحايا". وقد لا يملك عذوبة الصوت، ولكنه بالتأكيد كان شخصية فنية، يتمتع صوته بالشجن ويفيض بالبهجة، ويبرع فى نظم معان جميلة فى ألفاظ بسيطة، يحيى بها أهل كل بيت، كلمات تلقائية نابعة من الوجدان الشعبى، صادرة على سجيتها من القلب، منها على سبيل المثال:


يا سى رضـوان بك


يا ابن الكرم والوجود


يا للى يمر عليك رمضان.. بالفرح ويعود


وريحتك الحلوة فايحة زى الورد والعود


    وكان يطوف بالبيوت ومعه غلام، يحمل له فانوساً لينير له الطريق، ويمسك المسحراتى بيده اليسرى طبلة تسمى "بازة" وبيده اليمنى جلدة يضرب بها على البازة، مردداً بالإنشاد الجميل والتحايا لأصحاب الدور والأطفال ولا يذكر مطلقاً أسماء النساء، ويسمح له بالنداء على البنات الصغيرات، فيقول:


عبلة ست العرايس ما انساش اسمها


يا للى مشجر.. والحرير لبسها


   ومنها هذه التحايا:


يا سى أحمد يا رب خليك لنا


والسنة الجاية تكون على منى


   ومنها:


يا سى عز الدين الله يزيدك كرم


وتشاهد الكعبة وباب الحرم


وينصرك ربى على من ظلم


    وكان من المشاهد المألوفة فى ذلك العصر، أن تلقى السيدات على المسحراتى من المشربية بقطعة معدنية ملفوفة فى ورقة، بعد أن يشعلن النار فى طرفها حتى يتمكن المسحراتى أن يرى موضع وقوعها، فينشد لهن من مديح النبى، أو شئ من قصص المعجزات: قصة الجمل، قصة الثعبان، قصة ميمونة واليهودى، أو بعض سير الأولياء.


فى كتابات الرحالة الأجانب:


    خلال رحيلهم المغامر، رصد الرحالة الأوروبيون مظاهر الاحتفال بشهر رمضان وتميزه بالخصوصية فى حياة المسلمين. فأفاد الرحالة المستشرق البريطانى الأشهر إدوارد لين "بأن لكل حي في القاهرة مسحر خاص، يطوف حاملاً "بازا" أو طبلة يضرب عليها بعصا صغيرة أو جلدة، وبرفقته صبي يحمل قنديلاً أو فانوساً من أعواد النخيل، وينشد بعضاً من المدائح النبوية ويذكر أصحاب الدور وأطفالهم، ولا يذكر بالطبع أسماء النساء، قائلا: "أسعد الله لياليك يا فلان"، "إصح يا غفلان وحد الرحمن".


    أما الإيطالى "فيلكس فابرى" الذى زار مصر عام 1483 فأعرب عن دهشته ليلة دخوله القاهرة لكثرة ما رأى بشوارعها من الأنوار والمشاعل والفوانيس المختلف ألوانها وأشكالها، يحملها الكبار والصغار، ولما استفسر عن ذلك الصخب، قيل له إنه شهر رمضان وإن المسلمين يحتفون به على هذا النحو الخاص. وشاهد المسحراتى ـ الذى أعتقد أنه أحد رجال الدين! ـ حيث كان يمر ثلاث مرات فى الشوارع ليلا ومعه طبلة يدق عليها مناديا الناس بأسمائهم.


    وفى الادب المصرى المعاصر، خلد الاديب عبد الرحمن الشرقاوى صورة المسحراتى "الذى كان من أبرز الصور الرمضانية فى ذلك الزمان".. وكتب عنه: "هو رجل من أهل الحى، يطوف الحى بعد منتصف الليل إلى ما قبل الفجر، لقد اختفى المسحراتى من أكثر الأحياء، وحل مكانه فى الإذاعة أو التليفزيون من يؤدى دور المسحراتى!.. ويا الله.. كم كانت جميلة مثيرة للوحشة تلك الكلمات التى تعود أن يلقيها المسحراتى فى إيقاع حزين وهو يودع الشهر الكريم فى الليالى العشر الأواخر.. مازلت أذكر من ذلك الماضى الجميل كلمات المسحراتى وهو يودع رمضان فى إيقاع موحش "لا أوحش الله منك يا شهر الصيام"!


مسحراتى الوطن فى زمن الراديو!


    كانت السهرات الرمضانية تختتم في كل ليلة على دقات المسحراتي علي طبلته.. وتكاد صورة المسحراتي تختفي من حياتنا، مثل أشياء كثيرة جميلة اختفت، ومن منا لا يذكر في أواخر شهر رمضان، عندما كان المسحراتي يتغنى وفي صوته مسحة من الحزن بـ "التواحيش" لقرب فراق الشهر الكريم ووداعه. وأشهر مسحراتي في زمن الراديو، كان الشيخ "سيد مكاوي" الذي تغنى بإبداعات الشاعر العبقري الجميل "فؤاد حداد" مخترع الشخصية الفنية للمسحراتي، وقد صاغ ملامحها من صوت الضمير وصوت التاريخ ومن عشقه لوطنه، حتى ملأت كلماته وطبلته أرجاء مصر أنغاما ندية مفرحة.


    وإذا كانت وظيفة المسحراتى هى إيقاظ الناس لكى يتناولوا السحور، فإن المسحراتى "فؤاد حداد" تخطى المضمون الظاهر إلى الدعوة إلى الاستيقاظ من الغفلة، وقدم صور التحديات التى تواجهها الأمة، ومختلف قضايا الإنسان المصرى، من خلال حس مرهف بالتاريخ ورؤية أدبية متفردة تحولت إلى إبداع ومتعة فنية ننتظرها فى ليالى رمضان. من منا لا يذكر كلماته الشهيرة على طبلة بإيقاع شجيّ:


اصحى يا نايم.. اصحى وحد الدايم


وقول نويـت بـكـرة، ان حيـيـت


الشـهر صـايــم، والفـجر قايــم


اصحى يا نايم وحد الرزاق.. رمضان كريم


المشى طاب لـى... والدق على طبلى


ناس قبلى... قالوا ف الموال


الـرجـل تـدب مـطرح ما تحب


وانــا صنعتى مــسحراتـى ف البلد.. جوال


    وتعتمد الشخصية الفنية للمسحراتى عند الشاعر العظيم فؤاد حداد على مفردات وظواهر رمضانية: الطبلة، السحور، الإفطار، الأاذان، المدفع، الفانوس، معبراً عن خصوصية مصرية فى علاقتها بالحياة والأشياء، ويخلص إلى جوهر الروح المصرية، باحثاً عن الحقيقة المصرية، موقظاً لها ولضمائر أبنائها، فهو:


فاتح مدارس ساعة السحور


وطبلتى طبلة الحضور


خدت الثقافة على أساس


إن الثقافة كـــتب ونــاس


   وقد أجاد فؤاد حداد توظيف إيقاعات المسحراتى فى حكاياته عن الشخصية المصرية التى تعشق الحياة والبناء والزرع والفنون.. عن أهل البلد والحارة المصرية والناس وأحياء القاهرة العتيقة، عن النجارين والحدادين والمراكبية، والمدارس والكتب وطلاب البعثات، عن الصعايدة والفلاحين وليالى القمر.. وتقمص شخصيات مصرية متنوعة تحدث بلسانها من التاريخ ومن واقع الحياة: رفاعة الطهطاوي وأحمد عرابى وعبد المنعم رياض.. ونجار دواليب زمان الذى هو درويش وأسطى يتفنن فى عمله بأصالته وضميره، مشغول بقضية الحضارة فى الأساس، وما أروع هذه الصورة التى أبدعها مسحراتى الوطن عندما أنشد:


الأرض فلاحة شقاه طيب وصبره جميل


الأرض شاعر يفتح زهر المووايل


الأرض عامل يهادى والأيادى سبيل


الأرض إنسان..


الأرض جندى وكل حدودنا طعم النيل


    رحم الله فؤاد حداد، ورحم ذلك الزمان الذي كانت فيه ليالي رمضان آيات من الفن والنور!