مذياع من قلب القاهرة يضيء ليالينا في فلسطين

21/06/2015 - 10:52:43

جامع الازهر الشريف جامع الازهر الشريف

بشرى أبو شرار- كاتبة فلسطينية

    في فلسطين يتجلى رمضان في أبهى حضور له، يتسلل وقت اقترابه عبر حجرات القلب والروح، وكأن الكون يلملم جراحه ضمادات على غروب شمس وشروق لها في أيام رمضانية. وأنا من هنا حيث بلاد المنافي البعيدة، في كل رمضان يأتي إليّ يضج السؤال من روح الوجع "هل غادرني رمضان من يوم رحيلي عن أرض الوطن.. فلسطين؟


    تثور تداعيات لحكايات قديمة.. أمي تركن إلى مطبخها من عصر كل يوم رمضاني، ونحن نجمع حاجيات تطلبها منا، الكل لاه بما هو مطلوب منه، صينية القطائف كنت أحملها إلى فرن حيث آخر شارع فلسطين في غزة، قطائف أجمع حشوها وأمي وأخواتي من لوز وجوز، نكسرها في قالب خشبي، نضمخها بجوز الهند ومسحوق القرفة، ترصها أمي في صينية كبيرة، تمسح على وجهها بالسمن، تجهزها لي، أحث الخطى بها إلى آخر شارعنا الطويل، تسكن رأسي صينية قطائف، وكف يدي تقبض على حوافها، ونسمات الريح تلثم وجهي الذي سكنته ابتسامة فرح وبهجة، أنتظر دورا ليأخذ الفران صينيتي، أجلس القرفصاء، أرسم على الأرض مربعات من وهج الحكاية، أقيم طولي، أتقافز عليها وفي قلبي فرحة لأن أعود أدراجي ووعاء من شراب معقود ستغرق فيه حبات قطائف أحملها معي.


    أدخل على أمي، تقابلني بابتسامة معروقة، تتلقف صينية القطائف، وتبدأ حباتها تغرق في شراب يحيلها لامعة لتسكن صحافا تنتظر أيدي إخوتي، يدخل علينا أبي يحمل قطوف العنب لتغتسل في حوض الماء، طاولة ممتدة، وصحاف ساكنة، الكل آخذ مكانه، صوت المذياع يأتينا من "القدس"، كان أبي يحرص لأن نستمع لأذان المغرب من المسجد الأقصى في "القدس" نهم بمد أيدينا الصغيرة، ينهرنا قائلا: "هنا فارق التوقيت يا أبنائي ما بين "غزة" والقدس دقائق قليلة"، إلى أن يعلن الغروب عن موعده ونسمع أذان المغرب في مدينتنا. لم كان أبي يحرص على سماع أذان قدسي في غروب شمس رمضاني؟ ما أجملك أيها الرمضان الراحل عني من عقود بعيدة. كان أبي وطقوسه الرمضانية في قلب ذاكرة لن تسقط أوراقها. في صمت يتجه لقراءة القرآن، وحين يداهمنا وقت السحور يلف على حجرات نومنا لنتبعه إلى مائدة السحور، والتزام دقيق بالوقت في الإمساك عن الطعام.


    من رحلات المساء الرمضانية ينضم إلينا رفاق شارعنا "فلسطين" يحملون فوانيس نحاسية، تتأرجح في فضاء مدينتنا، يزيحون بها مساحات العتمة، وأهازيج على ترنيمات لا تغير من حروفها. ندق الأبواب، تخرج الخالات والعمات بصحاف الحلوى، ينثرونها علينا، نقبض عليها براحاتنا، نكمل مشوارنا في فرح، من شارع لمنحنى، لتلة رمال من رمالنا الشقراء، ننشد لرمضان الذي لا يخلف موعده معنا كل عام.


    رمضان في مدينتي التي هناك. كان يسافر إليها عبر الأثير صوت "القاهرة" حكايات تورق براعم حب في وجداننا وعقولنا. في المساء نتحلق حول حكايات "ألف ليلة وليلة" جيراننا يلصقون آذانهم على فتحات المذياع الصغيرة، يخافون أن تهرب من أسماعهم حكاياتها، وأنا أركن لحجرة جدتي ومذياع وحيد وقلوب وحيدة تسترق مؤانستها من حكايات تتركنا كل ليلة على ساعة الوقت، تبقى أحداثها غذاء للروح والخيال. مذياع من قلب "القاهرة" كان يضيء ليالينا في فلسطين. حين يأخذني الطريق لمدينة والدي "الخليل" يبدأ الهمس ما بيننا على موعدنا وألف ليلة. ما إن نلم صحافنا حتى نتحلق حول مذياع ينقل إلينا البهجة والدهشة الممزوجة بالحيرة. مذياع يفك الحصار ويطيرنا بعيدا حيث قلب "القاهرة" التي منها يولد الصوت وبهجة الوقت.


    وحين يقترب الوقت من الوقت ليعلن رمضان عن رحيله من بوابة ليلة القدر، يتهيأ أبي وكل فلسطيني لإحيائها في ساحات المسجد الأقصى. لأبي معطف صوفي وطاقية صوفية تشبه ما يلبسه أهل القوقاز، تقيه بردا جبليا. أبي يستعد بنور وجهه المسالم الطيب، لبرد وثلج يسكن ساحات مسجد لا يستطيع إلا أن يستجيب له. يقضي ليلته في باحة المسجد الأقصى في ليلة القدر، يلتقي بكل فلسطيني يقيم بعيدا أو قريبا أو ما حوله وكأنه عرس سماوي. يعود إلينا وقد أخذ زاد سنة لحين عودة رمضان من جديد.


    القدس نبع لجماليات رمضانية. ملاذ كل فلسطيني. رمضان وأبي ونحن وكل محب لأرضنا المقدسة.