أربعة أسباب لتراجع مدارس التلاوة المصرية لصالح الخليج

21/06/2015 - 10:51:38

عبد الباسط عبد الصمد عبد الباسط عبد الصمد

د. ياسمين فراج - كاتبة مصرية أستاذة النقد بأكاديمية الفنون

    التلاوة هي فن القراءة بجميع أشكالها، والاصطلاح الشائع في قراءة القرآن الكريم هو "التجويد" والذي يعني التلحين المختص بالقرآن وحليات التلاوة. والمقصود بتجويد القرآن هو إعطاء كل حرف من حروف الآيات حقه من شدة وضعف، ترقيق وتفخيم، الطبقة الصوتية اللازمة لمعاني الكلمات أو مضمون الآيات، ورد كل حرف إلى أصله من غير تكلف.


    وفي شهر رمضان يكثر الاستماع إلى القرآن الكريم بتلاوات متنوعة، وأصوات مختلفة، وقد لوحظ خلال الثلاثين عاما الماضية تراجع مدرسة التلاوة المصرية أمام مدارس التلاوة الخليجية، فما الأسباب التي أدت إلى هذا التراجع؟ هذا ما سنحاول الإجابة عنه.


المدارس الفكرية في تلاوة القرآن


    قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم ): "ليس منا من لم يتغن بالقرآن"، "زينوا القرآن بأصواتكم" [i]. وقال عليه الصلاة السلام "ما أذن الله لشيء ما أذن للنبي أن يتغنى بالقرآن" [ii]. وهناك مدرستان فكريتان لتلاوة القرآن، المدرسة الأولى وهي التي تبيح التطريب بالقرآن وتحسين الصوت عند قراءته ومن روادها أبو حنيفة وأصحابه، والإمام الشافعي وأصحابه، استنادا إلى حديث: "زينوا القرآن بأصواتكم"، وفي رواية أخرى "حسنوا القرآن بأصواتكم فإن الصوت الحسن يزيد القرآن حسنا". وأغلب المشايخ المصريين ينتمون إلى هذه المدرسة الرحبة فكريا أمثال الشيوخ: مصطفى إسماعيل، محمد رفعت، على محمود، عبد الباسط عبد الصمد، محمود خليل الحصري، عبد الفتاح الشعشاعي، أبو العينين شعيشع، الطبلاوي.


    أما المدرسة الفكرية الثانية فهي الأكثر تشددا وتقول إن تحسين الصوت بالقراءة إنما يُستحب ويُمدح إذا كان في نطاق الحدود المرسومة في علم التجويد، أما إذا خرج التحسين بالتلاوة إلى حد التمطيط والغناء الموسيقي فهو مذموم محرم شرعاً.[iii] وقد ذهب فريق من الأئمة إلى كراهة التغني بالقرآن وإنكاره ومنهم: مالك بن أنس، وأحمد بن حنبل. وأغلب من ينتمون إلى هذه المدرسة من مشايخ منطقة الخليج العربي.


بين مدرسة التلاوة المصرية والخليجية:


    خرج نجوم مدرسة التلاوة القرآنية المصرية من الكتاتيب الإسلامية ومدارس الأزهر الشريف التي ظهرت في العصر الأموي وانتشرت بعد ذلك في قرى ونجوع مصر. والكثير من مشايخ الكتاتيب ومدارس الأزهر الشريف كانوا من نجوم الموسيقى والطرب ومنهم عبده الحامولي، الشيخ عبد الرحيم المسلوب، الشيخ سلامة حجازي، الشيخ زكريا أحمد، فتحية أحمد، أم كلثوم.


    ولم تختلف طبيعة مشايخ تلاوة القرآن الكريم الخارجين من مدرسة التلاوة المصرية عن هؤلاء الذين اتجهوا إلى التلحين والغناء، فكلاهما كان محبا للموسيقى وممارسا لها، ومن عمالقة التلاوة القرآنية في مصر: الشيخ محمد رفعت أحد عظماء التلاوة في مصر والعالم العربي، وكان الشيخ رفعت في أغلب تلاواته للقرآن يبدأ من نغمات مقام بياتي، وهو من المقامات الشعبية المصرية، ثم يتبعه بنغمات مقام حجاز الذي غالبا ما يستخدم في المملكة العربية السعودية في الأذان، ثم نغمات مقام نهاوند الذي تحمل نغماته شجنا نسبيا، ثم يعود مرة ثانية إلى نغمات مقامين شعبيين مصريين آخرين وهما راست وسيكا، وفي أحيان أخرى نغمات مقامي رمل وجهاركاه. والجدير بالذكر أن الشيخ محمد رفعت درس قواعد الموسيقى العربية وحفظ عددا من الأدوار والقصائد والتواشيح، وتعلم العزف على آلة العود، إلى جانب أنه كان مستمعا للكثير من الموسيقى الكلاسيكية مثل مؤلفات باخ، موتسارت، بيتهوفن، باجانيني.


    أما الشيخ مصطفى إسماعيل فهو أحد الأصوات البديعة المبدعة في تلاوة القرآن، وكان بارعا في تصوير معاني الآيات القرآنية بالنغمات الموسيقية، فعلى سبيل المثال كان يكسب الآيات التي تحمل معنى العذاب والألم والمرض نغمات مقام يحمل الحزن أو الشجن كمقام الصبا أو الكرد، ويكسب الآيات المبشرة المبهجة نغمات مقامات تتسم بالشعبية المصرية مثل السيكاه والراست أو العجم. والجدير بالذكر أن الشيخ مصطفى إسماعيل كان يجيد العزف على آلة البيانو.


    وعن تقنيات الأداء عند رموز مدرسة التلاوة في مصر توصلت إحدى الدراسات إلى أن بداية التلاوة غالبا تكون في نغمات مقام بياتي، وفي المرتبة الثانية في نغمات مقام راست أو سيكاه، على أن ينهي القارئ وصلته في نغمات المقام نفسه الذي بدأ فيه.[iv]


    وبالنظر إلى مدارس التلاوة الخليجية نجد أبرز الأسماء التي لمعت في العقود الثلاثة الماضية: السعودي عبد الرحمن السديس، إمام الحرم المكي الشريف، حاصل على شهادة في الشريعة وإجازة من جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، وهو ممن يبتعدون عن التلوين النغمي أثناء ترتيل القرآن واشتهر ببكائه أثناء القراءة.


    الشيخ ياسر الدوسري، وهو سعودي تخرج في كلية الشريعة بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، وصنفته مجلة جمعية إنسان ضمن أكثر الشخصيات تأثيرا في المجتمع. وله صوت أخن، وتتسم قراءته للقرآن الكريم بالتنوع المقامي ومنها نغمات المقامات العربية.


    الشيخ ناصر القطامي، سعودي حاصل على بكالوريوس الدراسات الإسلامية، وهو ممن يعتمدون على استخدام نغمات مقام يناسب مضمون الآية، فينتقل بين نغمات عدة ومقامات عربية.


    وهناك مجموعة كبيرة من مشايخ الخليج العربي تعتمد في ترتيل القرآن على نغمات المقام الواحد أو المقامين على الأكثر، ومن أبرز مشايخ هذه المدرسة: الشيخ مشاري راشد العفاسي، إمام المسجد الكبير بالكويت، ويمتلك أول قناة فضائية إسلامية في الكويت، وهو قارئ للقرآن الكريم ومنشد ديني، تخرج في الجامعة الإسلامية بالسعودية. ويتسم صوته بالصفاء والقوة معا، وغالبا مايقرأ أو ينشد في مقامي الكرد والنهاوند، وهما من المقامات التي تحمل شجنا نسبيا يلمس القلوب.


    ومن مشايخ هذه المدرسة التي ترتل القرآن الكريم في مقام واحد أو مقامين على الأكثر: السعودي سعد الغامدي، وأبو بكر الشاطري (يمني عاش وتعلم في السعودية)، الشيخ سعيد الصائغ (آريتري الميلاد وعاش ودرس في السعودية).


لهذه الأسباب تراجع دور مدرسة التلاوة المصرية


    إن مدارس التلاوة جزء لا يتجزأ من منظومة القوة الناعمة في مصر، وقد كان لمصر الصدارة في هذا المجال عندما كانت الأغنية والفيلم والمسرحية والكتاب المصري في صدارة الثقافات العربية، ولكن ما أسباب تراجع دور مدرسة التلاوة المصرية أمام مدارس التلاوة الخليجية؟


    أولا: الهجرة المؤقتة إلى دول الخليج وبخاصة السعودية التي تنتشر فيها مدارس الفكر الديني المتشددة، والتي زادت بشكل مخيف بعد هزيمة 1967، وآخر الإحصائيات تسجل أن عدد المصريين الذين يعملون في السعودية فقط زاد على ثلاثة ملايين ونصف المليون، ويتعلم أبناؤهم في مدارسهم ويمارسون عاداتهم وتقاليدهم، ومن ثم تصبح مصريتهم مجرد حبر على أوراقهم الرسمية أما هويتهم فأصبحت لدول أخرى. وعندما تعود هذه الأسر المغتربة إلى أرض مصر فإنها تعود محملة بثقافات دخيلة على الشعب المصري، تؤثر بها على مجموعة من المواطنين المصريين، بشكل مباشر أو غير مباشر، ومن هذه الثقافات تكون ثقافة تلاوة القرآن.


    وقد شهدت مصر مع بداية تسعينيات القرن العشرين مجموعة من السيدات والرجال العائدين من دول الخليج حاملين مجموعات من شرائط الكاسيت والأسطوانات المضغوطة لتلاوات للقرآن الكريم مغايرة لتلك التي عرفها الشعب المصري خلال تاريخه الحديث، وجميعها لشيوخ من السعودية، القليل منهم ذو صوت حسن، منهم من يجهش بالبكاء أثناء تلاوته، ومنهم من يتلو القرآن بتنغيم بسيط جدا في دلالة على التشدد الفكري. وذلك بغرض نشرها في الأندية الاجتماعية، والمساجد، وغيرها من التجمعات المصرية، إما بدافع شخصي لاقتناعهم بأن هذا النوع من تلاوة القرآن هو الشرعي، أو بدافع تنظيمي، حيث ينتمي هؤلاء الأشخاص إلى جماعات سياسية ذات طابع ديني. في الحالتين كان الهدف من وراء ذلك هو ضرب جزء مهم من القوة الناعمة المصرية متمثلا في مدارس تلاوة القرآن المصرية.


    ثانيا: تراجع القوة الاقتصادية لمصر أفقدها هيمنتها الثقافية التي منها التلاوة القرآنية المصرية. الدول القوية اقتصاديا هي القادرة على فرض نمطها الثقافي أيا كان تاريخها ومساحتها، وفقدان مصر قوتها الاقتصادية أدى إلى تراجع هيمنة فنونها وإعلامها ومثقفيها وقرائها ومنشديها. وقد مهد تدهور الاقتصاد المصري التربة لاحتلال ثقافات أخرى بديلة ليست من نسيج الواقع المصري، منها ظهور مدارس تلاوة القرآن ذات الفكر السلفي المتشدد البعيدة كل البعد عن الأصوات القوية القادرة على التنقل بين المقامات العربية باقتدار وحرفية.


    ثالثا: مما سبق نجد أن أغلب مشاهير تلاوة القرآن في المنطقة العربية يحملون الجنسية السعودية، أو من الدارسين في الجامعات الإسلامية في السعودية، وهذا يؤكد تراجع دور الأزهر الشريف في المنطقة العربية، وهو الذي كان رمانة الميزان في نشر ثقافة الإسلام المتسامح التي لا تعارض التطريب بالقرآن وتحسين الصوت عند قراءته، وهذا ما يترجم أدائيا بالتنوع في استخدام المقامات الموسيقية، والمناطق الصوتية المختلفة في صوت القارئ.


    رابعا: أسهمت وسائل الإعلام التي يمتلكها بعض مشاهير تلاوة القرآن، والقنوات الفضائية التي يمتلكها مجموعة من رجال الأعمال العرب، بشكل فعال في شهرة مشايخ بأعينهم وإقصاء آخرين من المشهد الإعلامي المعاصر، بهدف هيمنة بلاد عربية بعينها على الحركة الثقافية العربية، وتقدمها على مصر التي كان لها هذه الصدارة في فترات سابقة، ومن ثم فرض فكر وثقافة هذه الدولة على دول أخرى في محيطها العربي.


---------------------


أخرجه النسائي – الجزء الثاني – باب تزيين القرآن بالصوت ص 179.


أخرجه البخاري – الجزء الثالث – باب فضائل القرآن ص 231.


حسنين محمد مخلوف – القرآن الكريم فضله العظيم وآداب تلاوته وسماعه – ص 61.


عمرو مصطفى ناجي – تقنيات الآداء عند الشيوخ القراء في جمهورية مصر العربية – رسالة ماجستير غير منشورة- المعهد العالي للموسيقى العربية.






أخرجه النسائي – الجزء الثاني – باب تزيين القرآن بالصوت ص 179.




أخرجه البخاري – الجزء الثالث – باب فضائل القرآن ص 231.




حسنين محمد مخلوف – القرآن الكريم فضله العظيم وآداب تلاوته وسماعه – ص 61.




عمرو مصطفى ناجي – تقنيات الآداء عند الشيوخ القراء في جمهورية مصر العربية – رسالة ماجستير غير منشورة- المعهد العالي للموسيقى العربية.