الصيام في ضوء العلم

21/06/2015 - 10:50:09

صورة ارشيفية صورة ارشيفية

د. محمد فتحي فرج - كاتب مصري

 أحد العقلاء من المفكرين يرى الصيام فريضة لو لم تأمر بها الشرائع السماوية بحكم الفوائد المشاهدة فى عالم الواقع؛ إذ تصوم بعض النساء طلبا لجمال القوام وحسن الهندام، كما يصوم أبطال الرياضة نشدانا للقوة والرشاقة، وقد يلجأ إليه الكثيرون لأنه أصح للبدن وأقوم للمزاج.


     ومن وجهة نظر العلم الحديث فإن فوائد الصيام تنعكس بشكل واضح على صحة الأنفس والأبدان، حتى إن أحد الحكماء من غير المسلمين قد أثر عنه قوله: إن لنبيكم كلمة ينبغى أن تكتب بماء الذهب: "المعدة بيت الداء، والحمْية رأس الدواء".


    وإذا كان هذا هو مجمل الفهم ـ مما ورثناه عن حكمة الأقدمين ـ لفوائد الصيام ومنافعه الكثيرة على المستوى النفسى والبدنى فما قول الطب الحديث؟ الواقع أن الطب الحديث لا يختلف عن هذا الفهم، بل يؤكده، ويزيده توضيحا، ويكشف عن بعض أسراره التى لم تكن واضحة فى أذهان القدماء.


    وقبل أن نتعرض لدور الصيام فى صحة الأنفس والأبدان نتعرض لوظائف ومهام الغذاء أولا، ومنها: يمكن الحصول من طعامنا على ثلاثة أنواع من السكريات البسيطة وهى: الجلوكوز والفركتوز والجالاكتوز، من خلال هضم السكريات الثنائية والكربوهيدرات المعقدة، وتمتص هذه السكريات من القناة الهضمية ثم تمر إلى الكبد  الذى يحول السكريات البسيطة الأخرى إلى سكر الجلوكوز، ثم يخزنها كلها على هيئة جليكوجين سواء فى خلايا عضلات الجسم أو خلايا كبده. ويتحول جليكوجين الكبد بين الوجبات الغذائية إلى جلوكوز حيث يكون تركيز الجلوكوز فى الدم والخارج من الكبد أعلى من ذلك الذى يدخل الكبد. وبهذه الطريقة فإن الكبد يحفظ تركيز جلوكوز الدم عند معدل ثابت نسبيا خلال اليوم وذلك تحت الظروف الطبيعية. 


   ولأن الجلوكوز هو المصدر الرئيسى للطاقة بالنسبة لجميع الخلايا، فإن تركيزه فى الدم لا بد أن يظل فوق المستوى الأدنى وهو حوالى 60 ملليجراما لكل 100 ملليلتر من الدم.


    ويمكن لخلايا العضلات أن تحوِّل الجلوكوز إلى جليكوجين أيضا لتخزينه لحين الحاجة إليه، ولكن جليكوجين العضلات  يعمل فقط كمخزن محلى فيها، ويظل متاحا لِشُغلِها العضلى فقط، حيث لا يخدم فى تنظيم مستوى جلوكوز الدم مثل جليكوجين الكبد.


   وبالإضافة إلى أن الجلوكوز يمكن تخزينه على هيئة جليكوجين أو أكسدته للحصول على الطاقة، فإنه أيضا يمكن تحويله إلى دهون لتخزينه فى أماكن تخزين الدهون. ففى الأوقات التى يزيد فيها تركيز الجلوكوز على الحاجات العاجلة فإن الكبد يحوله إلى دهون لكى تُسْتَغَل بعد ذلك (أى وقت الحاجة) للحصول على الطاقة.


   أما بالنسبة للدهون فيختزنها الحيوان والإنسان، فتحتوى كل خلية على نسب معينة من الأنواع المختلفة من الأحماض الدهنية. فعندما نتناول مثلا كمية من الدهن البقرى أو من زيت ما فإنه لا بد وأن تتحول فى الكبد إلى نوع من الدهون المُمَيِّزَة للإنسان. والدهون المخزنة فى الأنسجة الدهنية بجانب كونها متاحة كمصدر من مصادر الطاقة عند الحاجة إليها، فإنها تعمل كوسائد مدعِّمة لبعض الأعضاء الداخلية، كما تعمل أيضا كطبقة عازلة تحت الجلد لتمنع تسرب الحرارة من الجسم وبذا تساعد فى بقاء حرارة الجسم ثابتة.


  أما بالنسبة لمرضى السكر، فلهم تمثيل غذائى دهنى عالٍ؛ ذلك لأن المواد الكربوهيدراتية لا تستغل بشكل طبيعى فى هذه الظروف المرضية كمصدر للطاقة؛ ومن ثم تتراكم نواتج ضارة فى دماء هؤلاء المرضى ويتم إخراجها عن طريق البول بشكل أساسى، وتظهر فى هواء الزفير من جهة أخرى بصورة تبين هذه الحالة المَرَضيَّة.


   وللدهون والبروتينات أهمية تركيبية كبرى، كمكونات للأغشية النووية والغشاء البلازمى الخلوى وأرضية الخلايا التى تتألف من البلازما الخلوية.


    أما بالنسبة للبروتينات، فمعظم الأحماض الأمينية المشتقة منها تدخل أولا الكبد عن طريق الوريد البابى الكبدى ليحصل منها على ما يشاء، ثم تعود إلى الدم لتصل إلى الخلايا الأخرى لكى تدخل فى صنع بروتينات جديدة، تدخل فى النمو فى مرحلة الطفولة، أو فى إعادة بناء ما تهدم من الجسم طيلة حياته.


   وفى حالة وجود أحماض أمينية زائدة فى الغذاء عن المطلوب لتصنيع بروتينات الخلايا فإن إنزيمات الكبد تنزع المجاميع الأمينية من خلال عملية تعرف بنزع الأمين، وثمة إنزيمات أخرى تعمل على اتحاد المجموعات الأمينية بثانى أكسيد الكربون فى دورة تعرف كيميائيا بتكوين البولينا التى يحملها تيار الدم إلى الكليتين ليتم التخلص منها فى البول.


   أما أجزاء الأحماض الأمينية المتبقية من هذه العملية، أى بعد نزع مجموعات الأمين، فهى أحماض كيتونية عضوية بسيطة، ويمكن أن تتحول إلى جلوكوز أو جليكوجين، ويمكن أن ينتج عنها أجسام كيتونية.


فوائد الصيام الصحية:


   وتتضح بعد الشرح السابق الفوائد العظيمة للصيام؛ إذ إن فحوى الصيام وجوهره ـ من الناحية الغذائية ـ يتضمن تقليل ما يحصل عليه الشخص الصائم من طعام إلى الثلثين تقريبا؛ ذلك أنه يستعيض بوجبتين عوضا عن ثلاث. وبهذه الطريقة يخرج من رمضان بعد صيام متواصل لمدة ثلاثين يوما بجسم خفيف رشيق، ليس به من فضول الدهون ما يرهق به أجهزته الحيوية من تنفسية ودورية وهيكلية، وغيرها. أما بالنسبة للأشخاص من ذوى الاستعداد لمرض السكر فإن الصيام يعتبر أفضل وقاية لهم. وفى حالة مرضى السمنة فالصيام أفضل علاج ناجع إذا لم يكونوا يعانون من أمراض أخرى، كما أن الكبد الذى يتم إرهاق خلاياه فى التخلص من المجاميع الأمينية للبروتينات يمنحه الصيام فرصة ليستريح من عناء هذه التفاعلات المُنْهِكة. أما الكُلى فهى الأخرى تستريح من المجهودات التى تبذلها فى ترشيح الدم وتنقيته، وطرد نفايات التمثيل الغذائى لمواد الطعام المختلفة لاسيما البروتينات أثناء فترة الصيام. وللتخفف من أثقال الطعام ـ كما بينها العلماء غير المسلمين ـ وقت الصيام فوائد طبية كثيرة؛ إذ إن الإسراف المتواصل فى تناول الطعام يؤدى إلى حدوث الأورام الخبيثة بالجسم لاسيما الإسراف فى الأطعمة الغنية بالدهون الحيوانية والبروتينات المعقدة، والتى شاعت كثيرا فى الفترة الأخيرة، ويرجع هذا إلى أن تناول الدهون الحيوانية بكثرة قد يسبب خللا فى التوازن الهرمونى، وهذا من شأنه أن يؤثر سلبيا على العمليات الحيوية بخلايا الجسم مما يؤدى إلى حدوث تلك الأورام.    


من فوائد الصيام الوقائية:


    "صوموا تصحوا".. مقولة أطلقها نبى الإسلام منذ أربعة عشر قرنا، وهذا ما توصل إليه علماء هذا العصر، بما أوضحوه من بعض فوائده الوقائية والعلاجية؛ إذ يتمثل هذا فى مساعدته فى هدم الخلايا والأنسجة الضعيفة وقتَ الجوع، ثم إعادة بنائها أو ترميمها من جديد بعد تناول الطعام؛ وهذا هو السببُ الذى دعا بعضَ العلماء للقول بأن للصوم تأثيراً مُفيداً فى تجديد حيوية وشباب الجسم، وفائدة الجوع فى العلاج قد تفوقُ بمراتٍ استخدامَ الأدوية، والمعالِجات الكيميائية.


    يقع فى الدم شكلان من المواد الدهنية البروتينية (الليبوبروتينات) الحاملة للكولِستيرول، أحدهما عالى الكثافة، والثانى منخفض الكثافة، وتقدير نسبتهما أمر ضرورى فى تقدير حالة المريض بأمراض القلب الوعائية؛ إذ تبين أن الليبوبروتينات منخفضة الكثافة تزيد من فرص حدوث تصلب الشرايين وارتفاع ضغط الدم، ومِن ثمَّ تزيد من حدوث النوبات القلبية المؤلمة والمهلكة. وقد تبين أيضا أن حالة الجوع التى يشعر بها الإنسان الصائم تؤدى إلى تقليل هذا النوع من الليبوبروتينات، وبهذا يؤدى الصيام إلى تقليل فرص الوقوع فريسة لهذا المرض، كما أنه يساعد مرضاه ـ بجانب العلاجات الأخرى ـ على الاستشفاء منه أيضا.


من الفوائد النفسية:


    للصيام فوائد معنوية ونفسية من شأنها أن ترفع من كفاءة الجهاز المناعى، فيساعد هذا فى تحسين حالة الجسم الصحية أيضا، وبيان هذا على النحو الآتى: إن ما يشعر به الصائمُ ـ حقا "إيمانا واحتسابا" ـ من قرب لخالقه، وإحساسه بطاعته فيما أمَرَ، وعلى الوجه الذى يرضيه سبحانه، يرفعُ من معنوياته، ويجعله يسبح فى حالة من السكينة والهدوء، والرضى النفسى الذى يُترجم كيميائيا فى الجسم بزيادة إطلاقه لأفيوناته الطبيعية "الإندورفينات"، وهذه بدورها تؤدى إلى تحسين الأداء البدنى، وتخفف من الشعور بالإعياء والإجهاد، وتزيد من قوة التحمل، مع تقليل الإحساس بالآلام والمُنغصات، وكل هذا يسير فى مصلحة الجسم وصحته الحيوية، ويعيدنا هذا ـ مرة أخرى ـ إلى مقولة الرسول صلى الله عليه وسلم الصادقة: "صوموا تصحوا".