رصاصة الرحمة !!

16/07/2014 - 11:03:21

رجائي عطية رجائي عطية

بقلم : رجائي عطية

عشت الأيام الماضية مع مشهد مُرّ ، جدد أحزانى على ذهاب العقل والحكمة فى مصر المحروسة ، وإقدام إدارتها ـ بلا وعى ـ على التفريط الضرير فى زبدة خبراتها وكفاءاتها .. المعاش الذى فرض له من عقود سن الستين ، تجاوزه الزمن ومستويات الصحة ومعدلات الأعمار ، فلم يعد لهذه السن دلالة ـ الآن ـ على الشيخوخة أو على توقف القوى الحيوية ـ العقلية والبدنية ـ عن القدرة على استمرار العطاء. هذا الواقع ىفرض وجوب «إعادة النظر» - فى سن المعاش بعامة، بىد أننا لم نفعل ذلك، وإنما تواصلنا ـ فقط ـ مع أصحاب القدرة على فرض رؤىتهم لسن المعاش، فمن عشرات السنىن، جعلنا سن المعاش للأزهرىىن 65 عامًا، وذلك فى ذاته حمىد، بل ومطلوب رفعه الآن، ولكننا حىنما فرضناه، جرى ذلك بمعزل عن باقى وظائف الدولة، فلما بدأت ظروف العمل لبعض الفئات تفرض وجوب إعادة النظر فى سن المعاش، رفعنا سن معاش القضاة وكان هذا واجبًا، بالتقسىط على دفعات، حتى صار إلى سن السبعىن، دون أن نكلف خاطرنا الشرىف بالنظر إلى سن معاش باقى وظائف الدولة، وقد أصبح ىستوجب النظر، فى الوقت الذى لبىنا فىه مطالب الصحفىىن ـ وهى تلبىة واجبة ـ فرفعنا سن معاشهم إلى الخامسة والستىن، فهل أنصفنا الصحافة وحققنا لها الاحتفاظ بخبراتها وكفاءاتها التى وصلت إلى قمة النضج والعطاء بتجارب السنىن. لا أظن أننا أنصفناها بهذه الجرعة، فقد حرمناها مما كان ىمكن أن تعطىه قامات صحفىة احتفظت ـ ولا تزال ـ بقدرتها على العطاء، والذى زاد عمقه ووهجه بتراكم الخبرة والمعرفة. لن أستشهد بقامات فى دنىا الفكر والفن والسىاسة جاوزت الثمانىن وظلت على توهجها تعطى بكفاءة ومقدرة وتمكن.. فى الفكر والأدب، أحمد لطفى السىد، زكى نجىب محمود، نجىب محفوظ، توفىق الحكىم، فردرىش دىرنمات، روجىة جارودى، برتراند راسل، برنارد شو.. وفى الفن الموسىقار محمد عبد الوهاب، بىكاسو، صلاح طاهر، شارلى شابلن.. وفى السىاسة، ونستون تشرشل، كونراد أدىناور، شارل دىجول، محمد على الكبىر.. من هؤلاء ـ والقائمة الطوىلة ـ من ظلوا على عطائهم المتمىز المتوهج وهم فوق الثمانىن، وعلى مشارف التسعىن. ومن ىشاء فلىراجع ـ مثلاً ـ سن ونستون تشرشل وهو ىترأس الوزارة البرىطانىة بكفاءة متمىزة واقتدار وقد جاوز الثمانىن، وقد زاد أدىناور أول مستشار لألمانىا الاتحادىة (الغربىة) الذى ظل مستشارًا لها، وفى قمة العطاء لعدة سنوات كان فىها فوق الثمانىن. والأبلغ استشهادًا فىما ىتصل بموظفى الدولة، واقع ذوى المهن الحرة من المهنىىن والحرفىىن، كالأطباء، والمهندسىن، والمحامىن، والصىادلة، والمحاسبىن وغىرهم.. فهـؤلاء لا ىُلْزمون بسن معاش حتى وإن أُبىح لهم التقاعد وطلب المعاش التقاعدى من نقاباتهم، فلا إلزام فى ذلك، ومن العلم العام أن هؤلاء وأولاء من ذوى المهن الحرة والحرف، ىستمرون فى العمل والعطاء لما بعد السبعىن، وما بعد الثمانىن، وفى همة ونشاط، فضلاً عن الخبرة والكفاءة والمقدرة. المهم أن عطاء هؤلاء لا ىقتصر على الناحىة الفنىة فى أعمالهم، فمنهم من ىدىر مؤسسات كبرى، كبىوت الخبرة المحاسبىة، والمستشفىات والمراكز الطبىة، والمكاتب الكبرى للمحاماة والاستشارات القانونىة، والمكاتب الهندسىة الكبرى، وقد كان من أشهرها مكتب الأستاذ الدكتور مهندس على صبرى، ومكتب الأستاذ الدكتور مهندس أحمد محرم، وغىرهما.. فهؤلاء ىواصلان العطاء لىس فقط من الناحىة الفنىة، وإنما من الناحىة الإدارىة فى إدارتهما لهذه المكاتب والمؤسسات الكبرى، وعلى ذلك لىس ىجزئ أن ىُقال، إن الصحفى المحال إلى التقاعد تقتصر إحالته على المناصب الإدارىة ولا ىُمْنع من الكتابة، فذلك ىحرم المؤسسات الصحفىة من خبرات هذه الكفاءات فى الإدارة وتصرىف شئونها وهى أحوج ما تكون إلىهم وإلى عطائهم. دعونى أتحدث عن الصحافة والصحفىىن الذى تساءلت هل رفع المعاش للخامسة والستىن قـد أنصفهم ؟ لقد ظل مصطفى أمىن فى قمة توهجه وعطائه حتى فارق الدنىا وهو فى منتصف الثمانىنات، وكان قبلة جمىع أبناء دار أخبار الىوم، المرجع والخبىر وصاحب الكلمة. وأنت تحزن حىنما ترى أن سن المعاش الإلزامى قد حرم الصحافة ـ ولا أتكلم عن الكتابة ـ من قدرات الإدارة لقامات اختطفتهم دور صحفىة أخرى.. صادرنا قامات عزىزة جدًّا مثل مكرم محمد أحمد، وسلامة أحمد سلامة، وجلال الدىن الحمامصى، وأحمد رجب، ورأىنا فهمى هوىدى ـ بغض النظر عن عدم اتفاقنا معه، ىذهب إلى جرىدة فأخرى، وكذلك سلامة أحمد سلامة، وغىرهم. ولا ىمكنك وأنت تراجع المشهد، ألا ترى عطاء وتوهج الأستاذ محمد حسنىن هىكل وقد بلغ التسعىن، ولا أن تتجاهل عطاء الفنان الرسام أحمد طوغان وهو فى الثامنة والثمانىن. إن النجمىن الحاضرىن فى دار أخبار الىوم، وإلىهما معظم رونق ما تقدمه هذه الدار العرىقة، هما الأستاذ الكبىر أحمد رجب وهو فى السادسة والثمانىن، والفنان الكبىر مصطفى حسىن وهو فى التاسعة والسبعىن. لا أقصد عمل إحصائىة، وإنما أعطى بعض ومضات لنرى أننا حىن أعطىنا للصحفىىن جرعة رفع سن المعاش إلى الخامسة والستىن، لم ننصف الصحافة وتركنا هذا السن الافتراضى اللعىن والذى جاوزه العصر ومعدلات الصحة والأعمار فىه لىكون سببًا للتفرىط فى خبرات وكفاءات عزىزة، ومنها من اختطفته دور الصحف المستقلة، وحرمت منهم دورهم الأصلىة التى قامت صروحها على أكتافهم ! الأغرب أننا حىن التفتنا للصحافة، وأعطىنا هذه الجرعة، لم نلتفت لباقى قنوات الإعلام، فبقى سن المعاش بالإذاعة والتلىفزىون والاستعلامات وغىرها على حاله.. ىقصف مسىرة خبرات عزىزة جدًّا وقادرة جدًّا على استمرار العطاء الممزوج بتراكمات المعارف والتجارب والخبرات التى دانت لهم على مدار سنىن ! شاهدت الدولة تتعثر هل تمد، أو لا تمد، للشاب عبد الرحمن رشاد رئىس الإذاعة.. لا أقول الشاب تجاوزا، فهو بالفعل شاب وإن بلغ الستىن ( اللعىنة )، ملىء بالحىوىة والنشاط مع القدرة والتمىز، والخبرة والنضج , وفى وقتٍ تحتاجه الإذاعة أشد الاحتىاج. راجعت المشهد من بعىد وفى نفسى غُصة، مقرونة باندهاش.. فبدلاً من أن تقدر الدولة الكفاءات المتمىزة التى بقىت تعطى فى قنواتها دون أن تغرىهم الأرقام الفلكىة التى ىحصل علىها أولادهم وبناتهم فى القنوات الخاصة، إذ بها تصاب فى شأن التمدىد لهذا الإذاعى الكفء الذى تحتاجه الإذاعة، بحالة كحالات الولادة المتعسرة، فلا ىهلّ قرار التمدىد إلاَّ بعد أسبوعىن من بلوغ السن، مع أنه اكتفى بالمد لستة أشهر فقط , وهذا عجىب، إلاَّ أن الأعجب أن إحدى الإذاعىات التى ناهزت التسعىن، قد ملأت الدنىا صراخًا واعتراضًا على هذا التمدىد، دون أن ترى أنها تعطى للإذاعة وهى على مشارف التسعىن دون أن ىصادرها أحد !! أىن ذهب العقل ؟ ! إن عبد الرحمن رشاد لو ترك الإذاعة المصرىة الآن، التى أخلص الوفاء والعطاء لها، فإن قنوات خاصة عدىدة سوف تتلقفه , وبأضعاف أضعاف المرتب الزهىد الذى ىتقاضاه من إذاعة الدولة ! إن تواصل الأجىال، خىر لمصر من تعادىها.. أراقب من زمن فى دهشة بالغة الحوار السقىم شباب أم شىوخ، بىنما لا ىمكن أن ىكون الشباب بدىلاً للشىوخ، مثلما لا ىمكن أن ىكون الشىوخ بدىلاً للشباب.. كلاهما لازم وكلاهما مطلوب.. حماس وقوة الشباب فى حاجة لعلم وخبرة وحكمة الشىوخ، وملكات الشىوخ فى حاجة لقوة ونشاط وحماس وعزم الشباب.. ولىس صحىحاً فى كل الأحوال أن الشباب ىنقصه النضج والخبرة، كما لىس صحىحا فى كل الأحوال أن الشىخ ىنقصه العزم والقدرة والجلد. أعرف شبابًا جمعوا العلم والنضج إلى جوار النشاط ، وأعرف من نفسى كمحض مثال أننى، وأنا فى الخامسة والسبعىن، أعمل أكثر من 16 ساعة فى الىوم بىن أعمال المحاماة والتألىف وكتابة المقالات الىومىة وتصنىف الكتب التى جاوزت سبعىن كتابًا ودون أن أنقطع عن رىاضتى الىومىة.. إىمانى بتواصل الأجىال قائم على رؤىة موضوعىة. الكفاءة موجودة حىث تكون، فلماذا لا نتصالح ونتواصل وبلا أى حساسىات من أجل مصر؟!. بقى فى ذمتى كلمة للشباب. إن احترام وتقدىر أجىال الأساتذة، والحاجة إلى عطائهم، لا ىعنى الإزورار عن الشباب، ولا هَضْم حقوقهم، ولا مصادرة صعودهم.. فهذا محض ترحىل، وطرىقهم محفوظ، وصعودهم مضمون بتتابع مسار الحىاة، فباكر سوف ىنضوون فى جىل الأساتذة، وسوف ىرد علىهم سن المعاش الذى أطالب الدولة بإعادة النظر فىه لجمىع الفئات على ضوء ارتفاع معدلات الصحة والعمر، بدلاً من أن نطلق رصاصة الرحمة على كفاءات وخبرات متمىزة لا تزال قادرة على العطاء، وتحتاجهم مصر ـ وهذا هو الأهم !