الشعراء لا يتبعهم الغاوون حين مدحوا رمضان ومازحوه

21/06/2015 - 10:45:53

صورة ارشيفية صورة ارشيفية

إبراهيم حمزة - ناقد مصري

    يظل رمضان شهرا كريما طيبا مهما تغيرت الأزمان، وتبدلت الأحوال، وقد عاشه الشعراء وعشقوه وأنشدوا فيه حتى تضخم ديوان الشعر العربى بحب رمضان وتمجيده، ولكن هناك من تحمله على عنت وضيق، وهناك من مازحه، ومن وصل بشعوره الرمضانى إلى الضيق والعسر، وهكذا الشعر وهكذا الشعراء.


   الصوم فى القبر:


    هذا هو ما رآه شبيل بن ورقاء، والذى يقول عنه ابن قتيبة فى "الشعر والشعراء" إنه أدرك الإسلام، وأسلم إسلام سوء، وكان لا يصوم شهر رمضان، فقالت له بنته، ألا تصوم؟ فقال:


تَأْمُرُنى بالصَّوْمِ لا دَرَّ دَرُّها


وفى القَبْرِ صَوْمٌ لا أَباكِ طَوِيلُ


    وستستمتع بمحاورات طويلة حول النية، وحول رمضان كاسم علم، وهل يجوز أن نقول رمضان بلا شهر، وستجد خلافا طريفا بلا شك بين اللغويين، وسنجدهم يسترشدون برؤبة بن العجاج الذى قال فى أرجوزته الشهيرة:


أتى في رمضان الماضي


جاريةٌ في درعها الفضفاض


    ويأتى البغدادى فى "خزانة الأدب" ليذكر ما قاله ابن هشام اللخمي في شرح البيت السابق، مستشهدا بجواز ورود كلمة رمضان بدون شهر. وورد عن الكسائي، قال: كان الرؤاسي يكره أن يجمع رمضان، ويقول: بلغني أنه اسمٌ من أسماء الله تعالى.


    ويبدو اهتمام الشعراء بمديح رمضان بالغا، لكن العجيب أن ما اشتهر من ذكر شهر رمضان كان مزاح رمضان وأحيانا ذمه، وأحيانا اللعب على التحلل من قيوده الشرعية، وقد أكثر الشعراء من العشق فى هذا الشهر، وحين كان يجابه من المحبوبة بذكر رمضان كان يبحث عن تبرير فنى شرعي فكاهى للميل عن خشية الحبيبة من الحرام، وكأن الحرام فى رمضان لا فى غيره، وفى كتاب "قرى الضيف" لابن أبى الدنيا عبد الله بن محمد بن عبيد بن سفيان بن قيس يقول عن الصاحب:


 راسلت من أهواه أطلب زورة


فأجابني أو لست في رمضان؟


فأجبته والقلب يخفق صبوة


 أتصوم عن بر وعن إحسان؟


صم إن أردت تحرجا وتعففا


عن أن تكد الصب بالهجران


أو لا فزرني والظلام مجلل


واحسبه يوما مر في شعبان.


    ويبدو ظرف الشاعر فى تخريجه الشرعى، حيث العشق واللقاء يراه نوعا من "البر والإحسان"، ولذلك فالصوم لدى شاعرنا هو صوم عن إرهاق المحبوب وإعناته، وهو مفهوم لطيف حقا.


الحرب على رمضان:


    يقول ابن قتيبة في عيون الأخيار فيقول: "قدم أعرابي على ابن عم له بالحضر، فأدركه شهر رمضان، فقيل له: يا أبا عمرو، لقد أتاك شهر رمضان! قال: وما شهر رمضان؟ قالوا: الإمساك عن الطعام! قال: أبِالليل أم بالنهار؟ قالوا: بل بالنهار؛ قال: أفيرضون بدلاً من الشهر؟ قالوا: لا، قال: فإن لم أصمْ؟ قالوا: تُضرب وتُحبس... فصام أياماً فلم يصبر، فارتحل عنهم إلى غيرهم وجعل ينشد:


يقول بنو عمي وقد زرتُ مصرَهم


تهيّأ أبا عمرو لشهرِ صيامِ


فقلتُ لهم هاتوا جرابي ومزودي


سلامٌ عليكم فاذهبوا بسلامِ


فبادرْتُ أرضاً ليس فيها مسيطرٌ


عليّ ولا مناعُ أكلِ طعامِ


    وقد لاحظت عدم تحديد ابن قتيبة زمنا لهذا الحدث، إنما أورده فى حديثه عن آداب الطعام، ذاكرا قبله وبعده طرائف الصائمين، كهذا الذى رد على زوجته التى عزلته فى الصوم فقال لها:


أتأمرني بالصّوم لا درّ درّها


وفي القبر صومٌ يا أميم طويل


    وهو البيت ذاته الذى ذكره ابن قتيبة أيضا منسوبا لشبيل بن ورقاء فى "الشعر والشعراء"، وأظن أن الفرزدق (المولود سنة 14 هجرية) سباق فى ذكر رمضان، وجاء فى "ديوان المعانى" لأبى هلال العسكرى استملاح المؤلف لمعنى أبيات الفرزدق التى يقول فيها:


إذا ما مضى عشرونَ يوماً تحركت


أراجيفُ بالشهرِ الذي أنا صائمه


وطارتْ رقاعٌ بالمواعيدِ بيننا


 لكيْ يلتقي مظلومُ قوم وظالمهْ


    ويعلق قائلا "ومعاني هذه الأبيات كلها مبتكرة لم يسبق إليها الفرزدق".


أخبار الأكلة:


    وقد ثار بعض الشعراء على رمضان، ووصفوه فى جرأة بالثقل، والطول، وتمنى بعضهم لو صار رمضان كله ليلا، بلا نهار، حتى لا يمتنعوا عما يشتهونه، وإلى جانب ذلك فاضت أشعار الشعراء بالترحيب والتقديس والتبريكات بقدوم الشهر، ومديح الممدوحين بتشبيههم به كرما وفضلا، غير أن الطبيعة البشرية تتوقف عند الخارج عن الأطر دوما، فينتظرون هذا الخروج، وكأنه يمثل شيئا شعروا به ولو شعورا عابرا، ويبدو أن الجوع والخمر والنساء – بهذا الترتيب – أسباب ضيق الشعراء بالصوم، خاصة وقد رأينا عجبا فى عشق بعض مشاهير العرب للطعام، وفى "نهاية الأرب" يذكر النويرى طرفا من مشاهير الأكلة حيث، يذكر أن معاوية بن أبي سفيان أتى بعجل مشوي، فأكل معه دستا من الخبز السميد، وأربع فراني، وجدياً حاراً، وجدياً باردا، سوى الألوان، ووضع بين يديه مائة رطل من الباقلاء الرطب، فأتى عليه.


    ومنهم الحجاج بن يوسف، قال سالم بن قتيبة: كنت في دار الحجاج مع ولده، وأنا غلام، فقالوا جاء الأمير، فدخل الحجاج وأمر بتنور، فنصب... ودعا بسمك، فأكل حتى أتى على ثمانين جاما من السمك بثمانين رغيفا من خبز الماء.


    ومنهم سليمان بن عبد الملك، روي أنه شوى له أربعة وثمانون خروفا، فمد يده إلى كل واحد منها فأكل شحم إليته ونصف بطنه، مع أربعة وثمانين رغيفا، ثم أذن للناس، وقدم الطعام، فأكل معهم أكل من لم يذق شيئا. ولذلك استقبل البعض من الشعراء شهر رمضان بالفرح، لما يمثله لهم من قطائف وكنافة وغيره. ويذكر العماد الأصبهانى فى "خريدة القصر وجريدة العصر" أبياتا لابن سيبويه الكاتب، وكان حاضراً عند القاضي الفاضل: وقال فى القطائف المقلوة:


أَهلاً بشهرٍ غدا فيه لنا خَلَفٌ


أكلُ القطائف عن شربِ ابنةِ العنب


من كل ملفوفةٍ بيضٍ إلى أُخَرٍ


حُمْرٍ من القَلْي تَشْفِي جِنَّة السَّغَب


وافى الصيامُ فوافتنا قطائفُهُ


كما تَسَنَّمتِ الكُثْبانُ من كَثَبِ


    ولا أظنك صادفت جرأة فى البوح بالمنكرات، مثل ما تقرأه فى ديوان المعانى "لأبى هلال" فى ليلة الشك، وكيف استقبل الشاعر المجهول رمضان:


أقول لصاحبيَّ وقد بدا لي


هلالُ الفطرِ من تحتِ الغمام


سنسكرُ سكرةً شنعاءَ جهراً


وننعرُ في قفا شهر الصيام


    ومن يطالع كتاب "حلية الكميت" لشمس الدين النواجى والذى طبعته سلسلة الذخائر (هيئة قصور الثقافة بالقاهرة)، سيجد كثيرا من دلائل عشق العرب للخمر بصورة لا تكاد تصدق. وربما لم يستقبل شاعر شهر رمضان أسوأ من ابن الرومى، ومن طالع ديوانه سيجد ذما فى رمضان، ورغم ذلك يجرؤ على تهنئة الخلفاء والسادة بقدومه، ولذا وجدنا "الراغب الأصفهانى" فى "محاضرات الأدباء" يذكر ابن الرومى بعد ذكره لهذه الواقعة: "أسلم مجوسي فأطل عليه شهر رمضان فعجز عن الصوم فقيل له: كيف ترى في الإسلام؟ قال:


وجدنا دينكم سهلاً علينا


شرائعه سوى شهر الصيام


    ويقول ابن الرومي:


شهر الصيام وإن عظمت حرمته


شهر ثقيل ٌ بطيء السير والحركة


يا صدق من قال: أيام مباركة


إن كان يكنى عن اسم الطول بالبركة!


  ويجب ألا ننسى ما نسب لأبى العتاهية، وأحيانا للمحاربى، حدث بعض الرواة قال: دخل المؤمل بن أميل المحاربي مسجد الكوفة في يوم جمعة، وقد نمى إلى الناس خبر وفاة المهدي، وهم يتوقعون قراءة الكتاب عليهم بذلك، فقال رافعاً صوته:


    "مات الخليفة أيها الثقلان" فقال جماعة من الأدباء: هذا أشعر الناس، نعى الخليفة إلى الجن والإنس في نصف بيت، وأمده الناس أبصارهم وأسماعهم متوقعين لما يتم به البيت فقال: "فكأنني أفطرت في رمضان"


    قال: فضحك الناس به، وصار شهرة.


   وجاء فى العمدة فى محاسن الشعر ونقده، وفى حديث ابن رشيق، عن غريب الرثاء وعن اللفظ الردىء مع جودة المعنى.


    وأخيرا رحم الله أمير الشعراء أحمد شوقى، وقد زرع رايات فرحه حين ذهب رمضان، وعاد إلى معشوقته:


رمضان ولى هاتها يا ساقى


مشتاقة تسعى إلى مشتاق.