الشيخ محمد رفعت .. سيد قراء الزمان

21/06/2015 - 10:44:29

صورة ارشيفية صورة ارشيفية

نصير شمّة - موسيقي عراقي

عفة النفس، الزهد، النقاء، الشفافية، الاتصال الروحي مع السماء وخالقها، الخشوع، جمال الصوت، قوة النفاذ والتأثير. هذه سمات شخصية واحدة نذرت نفسها للقرآن الكريم معنى وجمالاً وتلاوة وتصديقاً لما جاء فيه، فكانت النتيجة أعظم قارئ قرآن عرفته الأذن، وصوتاً منسجماً وحركة الكون، بل يأخذ تأثيره من انسجام الأجرام السماوية وعلاقتها ببعضها. وجود صوت كهذا بلا أدنى شك هو أحد آيات الله للإنسان، خصوصاً اختصارها على بعض الناس، وهذه هبة وتكليف رباني للمرء من أجل أن يزرع الجمال بين بني آدم وكل ما على الأرض من كائنات حيةّ.


الشيخ محمد رفعت القاهري ابن الدرب الأحمر مثال لقوة نبتة صالحة وسط عالم متناقض وبيئة فيها الصالح والطالح، ولد داخلها وترعرع وكبر ومات من دون أن يجرفه السائد داخل بيئته بل على العكس من ذلك فقد كان بيته منتدى ثقافياً لأساطين الفكر والثقافة والطرب، وبهذا أضاف قيمة واحتراماً لبيئته، بل أثر بمن حوله تأثيراً بالغاً، أما صوته، وهذا سر وجوده، فهو مزيج لتكنيك شيوخ الطرب ومغني الأوبرا وقراء القرآن. سلامة نطق ووضوح نغم وفتح رباني لعقله وقلبه وصوته.


ولد وتوفي في اليوم نفسه 9 من أيار - مايو وامتد عمره من 1882م حتى 1950م وهذا لا أظنه مصادفة، ثم ولد سليم النظر طفلاً معافى جميلاً يمشي بصحبة أبيه في الحي الشعبي لتصادفه امرأة وهو ابن العامين وتقول لأبيه إن هذا الطفل ابن ملوك وهذا مكتوب في عينيه، ثم يشاء القدر في الليلة ذاتها أن يفقد شيخنا نظره تماماً بعد صيحات عالية، وهنا أعرف أمثلة عديدة لأناس ابتلاهم الله بنظرهم تحديدا، ووهبهم تشريفاً عظيماً يفوق ملايين المبصرين.


صوت بمساحة حنجرة الشيخ محمد رفعت ظلّ نادر الحصول حتى يومنا هذا، وامتلاك القدرة للتحكم وتلوين الأداء وتنغيمه وتفخيمه، هي علم وموهبة ودراسة وقبل كل ذلك فتح من الله. حالة الرفعة التي أجدني فيها وأنا أنصت لآيات القرآن الكريم عبر صوته، هي رفعة نادرة، وإن معدن هذا الصوت ليس له معادل، وسره الخاص أن كيانه ملائكي وعلاقته بذاته منسجمة الطباع ومطمئنة وهادئة، وكل هذا يعكسه صوته الصافي والنافذ للروح عبر السمع، ثم يأتي تفرده بالتلاوة والتجويد بما لا يشبه أقرانه معاصريه وسابقيه، أو على الأقل من عرفنا منهم، ومن جاء بعده ظلّ يطمح لأن ينال ما ناله محمد رفعت كونه سيد قراء هذا الزمن، وهذا لم يكن مدحاً بل تكليفاً من الله ومن العامة الذين أحبوا الشيخ وزاد إيمانهم بما حمل صوته من الخشوع وجمال المعاني وزرعها بأرواحنا ونحن ننصت للقرآن الكريم عبر حنجرة تعدّ من آيات الجمال بيننا.


زمن الكبار الذي أوجد حركة فكرية وفلسفية وإبداعية كان يحتاج الشيخ محمد رفعت ليكمل هذه الحلقة من الإبداع وكأن العصر الذي برز فيه المفكرون والمغنون ورجال الدين المنفتحون والشعراء كان بحاجة لمن هو بقامة وأهمية الشيخ محمد رفعت. واليوم وبعد مرور عدة عقود منذ لحظة توقف حنجرته عن التلاوة  مازال شيخنا يمنحنا طاقة كبيرة ونحن ننصت لصوته ومازال يحيّر العارفين في شؤون المقامات والانتقالات النغمية والموسيقى من أين كان يأتي بكل هذا العمق والجمال والخلود عبر الزمن.


شيخ العارفين ابن عربي يقول: "من ثمارهم تعرفونهم" وثمرة الشيخ محمد رفعت هي حياته التي نذرها من أجل أن نسمع أجمل صوت وأجمل تلاوة وكذلك الأصدق. اليوم وأنا أستمع مجدداً لسورة مريم تساءلت إذا كان فعلاً توقفت حنجرة الشيخ محمد رفعت أم أن روحه هي تلك التي تحلّق بنا في عالم أجمل بكثير من عالمنا وأقدس.


هنيئاً لك شيخنا بما وهبك الله، وهنيئاً لنا بما منحتنا، وهنيئاً لمن يسمعك الآن في الجنة.