إكسبو ميلانو 2015 .. فنون وثقافات العالم

21/06/2015 - 10:42:10

مدخل الجناح المصرى بإكسو ميلانو 2015 أثنلء زيارة وزير الصناعة حاملا أحد الاجهزة اللوحية و أحد العاملين بالجناح يرتدى زيا فرعونيا وعليه شارة لاحد المطاعم مدخل الجناح المصرى بإكسو ميلانو 2015 أثنلء زيارة وزير الصناعة حاملا أحد الاجهزة اللوحية و أحد العاملين بالجناح يرتدى زيا فرعونيا وعليه شارة لاحد المطاعم

شذى يحيى - كاتبة مصرية

    تستضيف مدينة ميلانو الإيطالية في الفترة من 1 مايو إلى 30 أكتوبر 2015 الدورة الجديدة من الحدث الأهم في دنيا المعارض الدولية، وهو معرض عالمي يقام مرة كل خمسة أعوام، وذلك بمشاركة أكثر من مئة وستين دولة. وتحمل هذه الدورة شعار "إطعام العالم ـ طاقة للحياة" في محاولة من العارضين والمنظمين لإلقاء الضوء على 870 مليون جائع، وإيجاد حلول أيضا لمشكلة 2.8 مليون إنسان يموتون سنويا بسبب أمراض البدانة، وهي مشكلات لخصها رئيس الوزراء الإيطالي ماتيو ريزي بقوله: "هناك مليار إنسان في العالم يعانون الجوع في مقابل مليار آخرين يعانون التخمة ولا بد من إيجاد نوع من التوازن بين هاتين الحالتين". وصرح البابا فرانسيس بابا الفاتيكان أيضا بأنه: "لا بد من مد جسور التفاهم بين الشعوب لإيجاد نوع من التكافؤ والاكتفاء بين البشر".


    الهدف الأساسي لهذا المعرض هو احتضان التكنولوجيا والاختراعات والأفكار الحديثة، وكذلك الثقافات والتقاليد والإبداعات المتنوعة، لمد جسر للتواصل يسمح بإيجاد حلول لمشكلتي الغذاء والطاقة.


    هذه هي المرة الثانية التي تنظم فيها مدينة ميلانو هذا المعرض، حيث سبق لها تنظيمه عام 1906. وقد مر هذا المعرض العريق الذي أقيمت دورته الأولى في لندن عام 1851 تحت اسم "المعرض العظيم لصناعات كل الأمم" بثلاث مراحل رئيسية تغيرت فيها أهدافه وفقا للظروف العالمية:


    الأولى: مرحلة التصنيع مواكبة للثورة الصناعية (1851 ـ 1938).


    الثانية: مرحلة التعريف الثقافي والتبادل المعرفي (1939 ـ 1987).


    الثالثة: مرحلة التأكيد على هوية الشعوب والأمم في إطار العالم الواحد، واستمرت منذ عام 1987 حتى الدورة الحالية التي ركزت على أن التنوع الثقافي والعرقي لا يعوق محاولات خلق مستقبل أفضل للبشرية، وأن احترام قيم التنوع والاختلاف لا يقف حائلا أمام سد الفجوة بين الأغنياء والفقراء، وحل مشكلات مثل الجوع والرعاية الصحية واللاجئين.


    ولمصر تاريخ طويل مع المعرض الدولي بدأ في باريس عام 1867، حيث كان لمصر جناح ضخم على مساحة ستة آلاف متر مربع صممه ديرفيه وشميتز، واحتوى على مجسم لقصر ضم سلاملك لاستقبال الضيوف، ومقر إقامة للخديو إسماعيل الذي حضر المعرض، ومجسم لوكالة تجارية ضم نماذج من الحرف والمصنوعات ومظاهر الحياة المختلفة في القاهرة بالإضافة لأشكال من الفنون والراقصات، ومجسمات نحتية من الطين ومجسمات لمقامات المشايخ وقصر ضم مجسما كاملا لخريطة مصر، وأعمال الإنشاءات الكاملة التي كانت تجري في مشروع قناة السويس، ومعبد فرعوني عبارة عن مجسم لمعبد فيلة ضم متحفا للآثار المعارة من متحف بولاق وآخر للتاريخ الطبيعي. هذا الجناح كان من القوة والعظمة لدرجة أن الصحف الفرنسية وصفته آنذاك بأنه الأكثر بنائية واكتمالا وتعبيرا عن فكرة المعرض الدولي، ووصف أيضا بأنه إنجاز عبقري مذهل ورائع أعاد للأذهان مدى عظمة مصر وثرائها في الوقت الحاضر، كما وصف " مؤرخ الحدث" تشارلز إدموند المعبد الفرعوني والطريق المحفوف بتماثيل أبو الهول المؤدي إليه بأنه "أعاد إلى الحياة أقدم أشكال الحضارة البشرية بفنها وعمارتها وديانتها كأن أبطال التاريخ القديم يمشون أمام الزوار".


    ثم توالت مشاركات مصر ونجاحاتها أيضا في المعرض، ففي فيينا عام 1873 شاركت بمجسم لجامع وضريح السلطان قايتباي، وضم المجسم في داخله كل صناعات وفنون مصر في تلك الفترة. وفي عام 1878 في باريس شاركت مصر بمجسم كامل لمعبد أبيدوس الذي كان قد اكتشف حديثا ووضع به أيضا أصحاب الصناعات والعارضين، وكان ميرييت بك مكتشف المعبد هو قوميسير المعرض. وفي باريس1889 عادت مصر بمجسم كامل لشوارع وحواري القاهرة القديمة، صممه مهندس فرنسي وبناه الحرفيون والفنانون المصريون، وأذهلت مشربياته وإضاءتها الداخلية الزوار الفرنسيين والأجانب وضم الكثير من الفنون والصناعات ووسائل الترفيه، ووصف بأنه كان الجناح الأكثر تشويقا وإمتاعا في المعرض.


    أما في شيكاغو عام 1893 فقد شاركت مصر بجناح أذهل الأمريكان، وصنع بالكامل في مصر وتم شحنه للولايات المتحدة، واحتوى على مسرح ومجسم لشوارع القاهرة ومجسم لمعبد آمون واستخدمت الأضواء الكهربائية في إضاءة أعمدة المعبد الزجاجية، وكان هذا اختراعا حديثا في تلك الفترة وتم نقل أكثر من مئتي راقص وراقصة وحمير وجمال أعادت تمثيل خروج المحمل للحج وصناع سجاد وفنانين حتى سمي الجناح "القاهرة المصغرة" ونال أكبر عدد من الزيارات.


    ثم كان معرض عام 1900 في باريس، وأصر المنظم الفرنسي على إدراج مصر في رواق المستعمرات، وكانت المرة الأولى التي تمثيل مصر لا كدولة مستقلة بل مستعمرة بريطانية، وهو ما جعل المساحة المتاحة لها تصغر والإمكانات تقل، ومع ذلك فقد بنت مصر المعبد والسوق والمسرح إضافة إلى مجسم كامل لخان الخليلي في ثلاثة أماكن مختلفة وليس في جناح واحد.


    وعادت مصر لتمثل كدولة مستقلة عام 1937 بعد عام واحد من توقيع معاهدة 1936، حيث شهد هذا المعرض تغيرا جذريا فأسند تصميم وتنظيم المعرض للفنان التشكيلي المصري نحميا سعد ومعه كل من الفنانين: محمد ناجي ومحمد لبيب ومارجو فيون. وجاء الجناح المصري رائعا مذهلا ومشرفا، ورغم قوة العارضين ووجود أسماء في العرض مثل بيكاسو ودوفي وسبيرز إلا أن العرض حاز إقبالا جماهيريا قويا واحترام الزوار والعارضين، كما عرضت مارجريت نخلة لوحات فنية في معرض فنون أقيم على هامش الحدث الرسمي ومصاحبا له.


    هذه لمحة من تاريخ مصر مع المعرض الدولي، نعود بعدها لإكسبو 2015 الذي يشهد تمثيلا مصريا ضعيفا ومخيبا للآمال لا يليق بعراقة مصر واسمها، فالمعرض الذي شهد تمثيلا قويا وأجنحة ضخمة معبرة عن ثقافات وفنون وتاريخ دول مثل الكويت والإمارات، شهد مشروعا مصريا ضئيلا تحت عنوان "إيزيس بذرة الخصوبة.. حكاية لا تنتهي" وتعبر عنه جدارية تفتقر لأدنى أسس العمل الفني، تصلح في أفضل الأحوال لحائط في مقهى شعبي متواضع، وشاشتان إحداهما تفاعلية يرى فيها الزائر نفسه يرتدي ثيابا فرعونية والأخرى تعرض فيديو فقير المستوى للمعالم السياحية والآثار وزراعة القمح، كل ذلك موضوع على خلفية زرقاء، يصاحبه بازار لعرض التحف والسلع المقلدة إلى جانب أطعمة شعبية قام بتقديمها مطعم مصري يقدم الطعام الإيطالي "بمدينة نصر" بالقاهرة، ووضع شعار المطعم على الجناح وعلى المطبوعات والملصقات الإعلانية الخاصة به وعلى ملابس العاملين، مع اسم مصر.


    هذا هو تمثيل مصر في معرض لتكنولوجيا وثقافة الغذاء والإنسان، هذا كل ما مثل حضارة الضاربة في عمق التاريخ في المعرض الدولي إكسبو ميلانو 2015 على المستوى الرسمي، أما الثقافة والفن المصريان فتمثيلهما الوحيد جاء عن طريق دعوة شخصية للفنانين "جمال مليكة"، و"سماء يحيى" ـ وجهتهما منظمة "فن بلا حدود" وهي شريك رسمي لمنظمو الإكسبو Expo منذ عام 2001 ـ للمشاركة في معرضها الرسمي في الفترة من 19 أبريل حتى 28 يونيو 2015، والمقام ضمن أنشطة الإكسبو بتمويل من الاتحاد الأوروبي تحت عنوان "الفن غذاء الروح"، بمشاركة مئة وعشرين فنانا ونحاتا وشاعرا في عرض يهدف إلى جمع هؤلاء الفنانين من كافة أنحاء العالم لتوفير مساحة من المعرفة الجمالية والمقارنة بين الثقافات والتقاليد والإبداعات والمواهب، من خلال هذا الخليط من أشكال التعبير عن الأرواح البشرية السامية، بهدف إعطاء قيمة مضافة لحدث يسعى إلى مد الجسور بين الأمم، وتحطيم الفوارق، ولهذا نظمت المؤسسة أيضا زيارات للمعرض وأنشطة أدائية للجمهور العادي ولطلبة المدارس والجامعات أيضا.


    وشارك الفنان جمال مليكة في عرضين أداءيين خلال المؤتمر الصحفي الذي أقيم لإعلان العد التنازلي والاحتفالية الرسمية لافتتاح إكسبو 2015، رسم فيهما لوحتين لأبو الهول أمام الجمهور، وحاز استحسانا وإعجابا من المشاهدين. وقد وفق جمال مليكة وسماء يحيى، المشاركان في المعرض الرسمي، في التعبير عن تيمة العرض بهوية وطنية خالصة؛ فعرضت سماء يحيى لوحتين.. الأولى لامرأة جالسة تبدو بعينيها المغمضتين كأنها تحلم، امرأة خصبة تعكس خصوبة الأرض وازدهار النباتات وحالة النماء والإنساني على خلفية بألوان مشرقة، حالة من الصفاء الكوني أظهرتها ليونة الخطوط ونعومتها في مشهد تحتفل فيه بالأمل والصفاء والسلام. واللوحة الثانية لمراكب الصيد، تلك المراكب التي دائما ما حملت ومازالت تحمل المؤن والخير والرزق في الموروث الشعبي المصري. في حين عرض مليكة لوحة لأبو الهول بألوان السماء شامخا قويا ليذكر المشاهدين بأننا نحن المصريين أول من زرع وصنع وبنى حضارة إنسانية منذ فجر التاريخ، ولوحة أخرى تمثل مجموعة من البشر في حالة من النقاش وسط جلبة من الخطوط والألوان، ويبدو للرائي وكأنهم يتصارعون أو ربما يتحاورون في صخب كبير في تعبير عن الحالة في مصر بل في العالم الآن، وهذه الجلبة هي صرخة لكي نهدأ ونعرف أننا جميعا معا معلقون بمصير واحد.


    هذه اللوحات الأربع فخر بالماضي وتصوير للحاضر وأمل في المستقبل بروح مصر الجميلة، ومازالت هذه اللوحات تلفت الأنظار وتحوز إعجاب زوار المعرض.


    هذه هي أهمية الإكسبو، المعرض الدولي، كحدث. وهذا هو ما حصل فيه هذه الدورة (ميلانو 2015)، فهل يا ترى ستستيقظ الدولة المصرية في إكسبو (دبي 2020)، وتقدم عرضا يليق بمصر وتاريخها؟!