السرد النسوي العراقي .. آلام المنافي ووجع الاغتراب

21/06/2015 - 10:40:52

صورة ارشيفية صورة ارشيفية

فاتن شوقي علي - ناقدة مصرية

    من يتتبع حركة السرد النسوي في العراق في أدب المنفى يقع في حيرة ودهشة، أما الحيرة فتكمن في أسئلة أهمها: هل تكتب الأديبة من واقع تجربتها الشخصية النابعة من ظروف المنفى، بما يسمى "بتذويت الكتابة" كقول محمد برادة إن الروايات الجديدة تتسم بخاصية تذويت الكتابة، أي حرص الروائي على إضفاء سمات ذاتية على كتاباته من خلال ربط النص بالحياة والتجربة الشخصيتين.(1)، فالوطن حاضر في روح الكاتبات العراقيات اللواتي أرغمتهن ظروف العراق على الهجرة أو المنفى.


    تعترف الكاتبة والروائية العراقية "إنعام كجه جي" بسكون العراق بمفرداته ولهجته الطازجة في كتاباتها، رغم عملها ووجودها في باريس لسنوات، وقد اختارت لروايتها اسما عراقيا أصيلا هو "طشاري" كصرخة سردية عراقية وأحداث حقيقية، لتُطلع العالم كله على مأساة العراق بعين المغتربة، وهذا ما جعلها تقول: "عشت خارج وطني سنوات تفوق تلك التي عشتها فيه، وهو ما جعلني أتأكد أنه لن يغادرني وأنني سأبقى محكومة بنفض الغبار عن ذكرياته وتلميع صورته واتخاذها أيقونة لكتاباتي"(2).


    في السرد النسوي العراقي تتجلى ظاهرة "كاتبات المنفى"، فنجد تداخلا رهيبا بين ذات الكاتبة وموضوعيتها، وتعتمد إنعام كجه جي في كتابة روايتها "الحفيدة الأمريكية"، على كمية من الوثائق والأخبار والتحقيقات من خلال عملها صحفية في باريس: "نعم،  جمعت وأصغيتُ للكثير من الوقائع والحكايات عن المترجمين العراقيين والعرب العاملين مع القوات الأمريكية ساعدتني في الكتابة "(3)، وهكذا استطاعت نقل روح العراق من خلال "زينة بهنام" الشابة العراقية المسيحية الأمريكية بطلة "الحفيدة الأمريكية" التي ولدت في العراق من أسرة مسيحية كلدانية، وهاجرت مع أسرتها إلى أمريكا في "ديترويت" لتعود إليه مجندة ببزة عسكرية، حيث تعمل مترجمة في المنطقة الخضراء مع قوات الاحتلال الأمريكي، لتتلون كل ذكرياتها بمسحات متناقضة، وتعيش صراعا مريرا بين حياتين، فهي العراقية الأصل الأمريكية المعيشة، وعند عودتها إلى العراق تصطدم بالجدة "رحمة جرجس الساعور" التي تمثل العراق بنخيله وأهواره وترتيلات القديسين، ولا تصدق أبدا أن حفيدتها عادت بهذا الشكل على دبابة أمريكية.


    وتقع "زينة" تحت رحمة الجدة "رحمة" التي تسرد لها ذكريات جدها الضابط العراقي، وروعة أهل الموصل، وتحاول أن تشد انتماءها لجذور الوطن، لكن زينة تُلاطمها أمواج الحياة العسكرية والدخول إلى عش الدبابير قصور صدام حسين ومداهمة بيوت العراقيين بحثا عن المقاومين، وما تربت عليه "أمريكياً"، من أنهم جاءوا لإسقاط نظام مستبد وتحقيق الديمقراطية، حتى يتمزق تاريخها بين قوميتها العراقية وواجبها الوطني كمجندة أمريكية، وتظل "الجدة رحمة" كابوسا يُنغص عليها حياتها، لأنها ترفض كل ما تفعله "زينة"، حتى قصة الحب الغربية التي تقع، تكون بين "زينة" وأخيها في الرضاعة والذي ينتمي إلى جيش المهدى في دلالة على أن كل شيء مباح.


    الرواية تخرج من حيز صراع الثقافات الضيق لفضاء أكبر، فلا نستطيع أن نعدها مثل رواية "عصفور من الشرق" لتوفيق الحكيم أو "موسم الهجرة إلى الشمال" للطيب الصالح"، لأنها لا تصطدم بحضارت مختلفة فقط، بل هو صراع هوية، صراع أن تكون عراقية أم تنتمي لأمريكا تحت ضغط مغريات الواقع الأمريكي الساحر، هذا النوع من الروايات يجعلنا نتساءل: هل البطلة هي راوية الحدث، أي هل زينة هي إنعام كجه جي؟


    من العدل أن نُقر بذلك ولو بقدر كبير، حين نلمس الوصف الدقيق للمناطق والمدن العراقية والبيت وعبقه، والاستعانة دائما باللهجة العراقية الدارجة طازجة كما هي في بعض الجمل، كنوع من الانتماء الوطني، بل خصت الرواية باللهجة الموصلية كالشتيمة التي لا يفهمها إلا أهل الموصل "شتيمة الجدة لحفيدتها، وأسْحَتها والله، هل الجمّاقة بنت الزقاقات"! وفى سردها لوقائع الاجتياح الأمريكي وصفت ببراعة دخولهم للقصور وافتراشهم الأسرة ساعة النوم، ككتيبة عسكرية وعلاقاتها بالأصدقاء، وتصويرها كيف يستقبلهم العراقيون وهم أعلى السيارات معتقدين أنهم النجدة لهم من النظام المستبد،  لذلك تبدأ "زينة.. إنعام " الرواية بالشجن الذي تستعذبه لأنه نوع من التبرير لما تشعره به تجاه وطنها الآخر أمريكا، وتنتهي به، لكن الشجن والجدة هما وسيلتا التربية اللتان تريدان إعادة تربية زينة مرة أخرى.


    وتلعب إنعام كجه جى دور الراوي العادل، فهي دائمة التأنيب لضمير زينة الذي يظهر واضحا في مشهد أمها التي لا تستجيب لنداء القسم، ويكون "النشاز" وسط المحتفلين في مدينة ديترويت ابتهاجاً بالحصول على الجنسية الأمريكية وتبكي حزناً، متذكرة أباها المتوفى العقيد الركن المتقاعد يوسف الساعور: "يابا سامحني"، وجدّتها الوحيدة الباقية من أفراد الأسرة في بغداد، تُخرج بدلته العسكرية، وتُلّمع نجومها سنوياً يوم تأسيس الجيش العراقي في "6 يناير". وعندما تتوقع زينة بهنام أن تسقط شظية في "المنطقة الخضراء" ببغداد تتساءل: "هل أعيش لأُكمل هذه الحكاية التي لا تخصني بقدر ما تخصها هي، جدّتي، عدوتي، حبيبتي وصورة شيخوختي؟


    وتلخص الرواية كل حديث الانتماء والوطنية في مشهد درامي فني، وهو مشهد اللقاء الأخير بين الحفيدة والجدة المريضة التي "تموت ولا تدع عسكرياً أمريكياً يكشف عليها"!.. غامرت الحفيدة بحياتها في الخروج من المنطقة الخضراء متخفية لزيارتها. و"ظلت جدّتي هامدة في سريرها، فخلعتُ معطفي وحذائي واندسستُ تحت غطائها. احتضنتُها. حاوَلَتْ أن تخلّص نفسها منّي لكن عافيتها خذلتها" وهكذا نجد "الحفيدة الأمريكية" رواية فنية صنعتها من مادة التقارير الصحفية مراسلة صحفية محترفة تكدّ منذ سنوات طويلة في باريس. فالصدق الفني هو محرك روايات أدب المنافي لكون الكاتب يرى الحدث بمصداقية أكبر ومن على بعد، ولعل هذا السبب هو أساس اختيار هذه الرواية ضمن القائمة القصيرة لجائزة البوكر (2009)، ومثلما بدأتها الكاتبة  بالشجن تنهيها به فتقول: "شلت يميني إذا نسيتك يا بغداد".


    ومن المنطلق نفسه تكتب المؤلفة رواية "طشاري" التي بلغت أيضا القائمة القصيرة للبوكر (2014)، لتؤكد تفردها الفني رغم بُعدها عن الوطن، فمفردة "طشاري" عراقية صميمة، قصدتها كحبلٍ سري لغوي يربطها دائما بمشيمة العراق، والتي قالت عنها: "إن  اختيار مفردة “طشّاري” كان مجازفة محسوبة وهو العنوان الذي لم أجد ما هو أفضل منه للتعبير عما أريد". والرواية تحكي عن "وردية" طبيبة أمراض النساء في مستشفى الديوانية التي تضطر للهجرة إلى باريس لتستعيد بذكرياتها "العراق" حيث هاجر منه أبناؤها، وتفرقوا في بلاد المنافي، ليتناثروا كطلقة الرصاص التي تخرج وتتشظى في كافة الاتجاهات كحال كل مهاجر، ويستمر السرد واصفا معاناتهم للحصول على الجنسية والمعيشة حتى تُقرر أن تستعيدهم لحُضنها "العراق"، وعندما تدعوها ابنتها لتعيش معها، تصادق وردية أفكار حفيدها "إسكندر" الذي يتعرف تاريخ عائلته وتطوف معه في تجربة غريبة وفق تكنولوجيا العصر، وتراها منقذا لهم، وهي إنشاء مقبرة إلكترونية تجمع فيها وردية رفات كل عراقي يريد أن تكون له مقبرة ووطن افتراضي بدلا من وطنه الحقيقي المغتصب، فتتحمس وردية للفكرة وتتابعها بنهمٍ وتطلب من حفيدها أن يخصص لها مكانا للمقبرة، ويزينه بالورود والأشجار ويزداد عدد النشطاء الإلكترونيين حبا للفكرة، وعندما تصطدم بمآسي الغربة، ويهلكها الحرمان من الوطن، تعود لذكرياتها التي تسردها لابنتها دائما عن بداياتها وكفاحها هي وزوجها في العراق، وعلاقاتهم بالمسلمين بلا أية طائفية، ثم تُعلنها مدوية وترفض المقبرة الافتراضية لتتمسك بأرض الوطن حين تقول «أموت وأندفن هنا ولا أتحول» (ص 40).


    ومثلها تفعل "كلثوم"، الفتاة التونسية صديقة إسكندر مصمّم المقبرة، حين تطلب منه حذف قبرها قائلة: «أحب تربة جندوبة، لصق أبي» (ص 245). إذن: هو التعلّق بالوطن "ولو كان قبرا" تمارسه شخصيات الرواية، فكرة خيالية لكنها تُعلي من معنى الولاء للوطن، الرواية تعالج قضايا الغربة والاغتراب ومعاناة العراقي، والصراع الدائم للوجود في دول المهجر متمثلا في "ياسمين" ابنة وردية التي تعمل طبيبة في كندا وتعاني القمع والقهر. وتنفتح الرواية على عوالم شتى بمعاناة مختلفة تصب كلها في نهر البحث عن الهوية، وما هو الوطن؟ أهو أرض المنشأ والأصل أم هو الذي يصنعه الإنسان وينتمي إليه قصرا بالهجرة أو بالمنفى؟ عبر لغة ساحرة وتقنية فنية عالية تعتمد بشكل أساسي على استرجاع الذكريات الأصيلة التي تصطدم بالحاضر المتغير، وتتشعب خلال ذلك حكايات متوالية تُظهرعادات وتقاليد العراق الأصيل وتُنبذ الطائفية المصطنعة.


 ...........................................................


1 ـ د. محمد برادة: الرواية العربية ورهان التجديد (2011).


2 ـ      من حوار أجرته معها دينا الهواري (جريدة حبر الإلكترونية 5 فبراير 2014).


3 ـ  من حوار مع الكاتبة أجرته غالية قباني (جريدة الاتحاد 30 أكتوبر 2008).