القصة الومضة عند أسمهان الفالح

21/06/2015 - 10:39:18

صورة ارشيفية صورة ارشيفية

حاتم عبدالهادى السيد - كاتب مصري

تزهو القصة التونسية المعاصرة بكتّاب جدد أولئك الذين جابوا بحار الجمال، ليزرعوا صحراء النرجس في تونس الخضراء، الحب، والشوق، والتوق، والنور والنار، فغدت فضاءات: «قصة الومضة» الجديدة لديهم هي البذور الخضراء التي تميز وجه تونس المشرق الجميل.


إنها القاصة اسمهان الفالح، أو تونس الخضراء، التى تسبح فى سماوات القصة الحديثة، كأنها القيثارة الخارجية من سرة الأبدية الممتدة.


إنه الإيقاع المتناغم، ممزوجاً بسرد القص، والأحداث المختارة بعناية فائقة، كالسحر والنور والنار، فنراها من كوة الومض تغزل من عسجد الأبدية صوف المفردات الخارج من بؤبؤ الوجدان، حيث تسقى الشعر بماء الوضاءة النازح من بين زفراتها المرتعشة، والحالمة بغد أفضل، حيث تزهو برشاقة اللغة لتتوشح رداء الشوق، والحب، واللوعة والحنين، فترتجف الحروف على قصرها الشاهق، وتزغرد عصافير المحبة لحروفها المضيئة، وهناك ينحنى النخيل لحروفها الناعسة هى أسمهان الفالح قاصة وشاعرة تطلع علينا من سماء تونس فنقدمها للعالم على إيقاع الحروف المموسقة وترانا نسبح مع خيالاتها الدافقة، ونسافر عبر مركبة الإبداع لديها، فنشاهد زمردة التوق وهى تغزو العقل بزبرجد الروح، وتدبق النور فى مزهريات الجمال المتلألأ مع موج بحرها الرقراق، تكتب قصة الومضة لتنير لنا مساحة ممتدة تسع غلالة الروح وتكسوها «بسوليفان» النور والنار، لتسير عربة الإبداع بحمولة أقمار الجمال الكونى الأثير لقصص الومضة، التى تشبه البرق فى شكلها والرعد فى سرعة تنامى أحداثها، والشمس التى تدبق الروح، وتنير السماء بعسل فراتها الأشهى، ليسيل الجمال لؤلؤا على قطيفة حرير جزيرة التوق لديها، ولدى القارئ الذى يتابع أنفاسه الحرى بشغف، وهى تتنقل كفراشة بين زهور الومضات لينهمر عسلها التخييلى ورداً يتلألأ فى حديقة: «عالم القصة الومضة الحديث» ذلك العالم الذى يختزل الجمال فى مشهد صغير، يحمل بين مرادفاته الكون والعالم والحياة، والإنسانية جمعاء.


إن القارئ لقصص أ/ أسمهان الفالح سيشاهد معى جماليات الشعر فى تونس الخضراء، حيث ومضاتها التى تهمس فى الروح فتخرج أنثى الجمال بوميضها وغوانيها الساحرات، وفتياتها اللاتى ينشدن مع الصباح الباكر نشيد السرد الكونى الملغز والمثير والمدهش والأثير أيضاً.


ولعلى لا أكون منحازاً إذا قلت: إنها تجدد فى الثوب القصصى، حيث تمثل الومضة حياة بكامل تفاصيلها وأحداثها، فنراها عبر بلاغة الحذف والتكثيف واستخدام اقتصاديات اللغة المائزة، تنتج لنا قصصاً أو كبسولات أو ومضات سردية، غاية فى التأنق، كأنها تتجمل وهى تضع مكياج الجمال على خد الورود الناعمة، تكتب فى انتظار فارس النور الذى سيجىء عبر بساط الريح ليأخذها إلى جنة الحب والخيال، والسعادة الأبدية تلك التى تنتظر ومض برقها، مع الريح التى تعصف بقوة من بين علاقات التواشج والمفارقات الدلالية التى تمثل عصب السرد، أو العتبة السيموطيقية التى تحيلنا إلى الدوال والمدلولالت وغائيات وجوهر الموضوع الذى تريد أن يصل إلى القارئ، ليتواصل معها عبر عزفها، أو نشيجها الزاعق فى برية العالم المتسع الأرجاء.


وبعد: لقد آثرت أن أدخل إلى عالم/ أسمهان الفالح الإبداعى من خلال ذلك المدخل الجمالى، لأدفع بالقارئ العزيز إلى تأمل جماليات الومضة حثيثاً، تلك القصص المكثفة التى تستخدم اللغة التجريدية التكثيفية الشديدة الخصوصية لتحيلنا إلى جوهر موضوع القص، ثم تجىء النهاية المفارقة، لتدلل مع العنوان، إلى جوهر قصدية الساردة أو القاصة، أو كاتبة قصص الومضة التى تسير فى مضمار هذا الشكل الجديد، لنؤطر معها، ولها ولكل كتّاب الومضة إطاراً استشرافياً نقدياً، لهذا الشكل القصصى الأجناسى الجديد.


ولعلنا لن نرهق القارئ فى تفصيلات نظرية ولكننا سنختار أحد التعريفات التى وسمت بها هذا الشكل القصصى- لقصة الومضة الحديثة على الذائقة الأدبية التى اعتادت الوصف المسهب، والإطناب الممتد، وتشابك الأحداث وتصارعها، ولكن الومضة تركز على حدث بعينه وتختار عنوانها بمهارة، لتنتج لنا ومضة تشبه البرق الخاطف، أو الالتماعة التى تحكى موضوعاً، فى إيجاز مكثف، أو: «رشفة من فنجان قهوة، تكفى بديلاً عن شرب عشرة فناجين قد لا تعيد للرأس اعتدالاً فى المزاج» على حد تعبير العامة ..


لقد قلت سلفاً- إنه لا يجوز للناقد أن يتعامل مع الومضات، أو قصص الومضة، بالمنهجيات والنظريات التى نتعامل بها مع قصيدة التفعيلة، أو قصيدة النثر، أو غير ذلك لأننا لو فعلنا ذلك فسنظلم الناقد والكاتب، والقارئ أيضاً وإنما نطلق عليها: إطلالات شذرية إرشادية نقدية، تضع القارئ فى جوهر عملية الإبداع واقتصادياته المائزة المقصودة وتحيله إلى آليات الكتابة، أو تعليقات تحليلية، أو توقيعات ذات طرائق مخصوصة، دون الدخول فى جدل نقدى، أو شروحات قد تفتح أطراً لجدال لا طائل منه الآن ونحن نقدم لهذا الشكل القصصى الجديد.