ثلاث قصص قصيرة

21/06/2015 - 10:31:01

صورة ارشيفية صورة ارشيفية

الحسن بنمونة - قاص من المغرب

إلى روح الكاتب المصري الصديق قاسم مسعد عليوة   


1ـ النملة والصرار


بادرتني النملة قائلة:


ـ  لم أنت كئيب؟


قلت في أسى:


ـ عاهدت أبنائي أن أقف على القمر، وبما أنني لم أصل إليه بعد، فهذا يحزنني كثيرا.


ـ ولم تشغل بالك بالقمر وهو بعيد؟ أتريد أن تعيش هكذا منتظرا أملا لن يتحقق. وأبناؤك من يطعمهم؟


ـ كنت أقول في نفسي إذا وقفت على سطح القمر نصبت نفسي سلطانا عليه.


ـ هذا لن يسكت جوعهم. هم يريدون أكلا وشرابا، فهيا معي.


    تبعتها وأنا أزحف على أربع. تسرع فأسرع، وقد تدور حول نفسها ثم تحشر رأسها في ثقب بالأرض، فأفعل مثلها. الحق أن هذا أتعبني. لم نعثر على أي طعام، وقد أرجعت هذا الفشل إلى أن الناس صاروا يأكلون حتى مخلفات طعامهم. ولهذا عزمت أن أترك صحبتها، وأهرع إلى فراشي آملا أن أنال قسطا من الراحة على سطح القمر.


ولمحت الحيرة في عيون أبنائي. لم يكونوا راضين عما أنجزه من أعمال سخيفة. فأن أرافق نملة في حلها وترحالها، وأن أحلم بالصعود إلى القمر، كلها أعمال وأحلام  لا تقدر بثمن، ولكن من يجرؤ على تصديق هذا الصرار  المجنون؟


2 ـ ضوء القمر يشبه ضوء الشمس


أنا الآن على سطح القمر.


أنظر إلى تحت، فألمح بيتي وأبنائي الذين اعتلوا سطحه يتطلعون إلى السماء، إلي ويشيرون بأصابعهم: إنه هو. إنه هو. أبي. أبي. لقد وصل. حقق حلمه وحلمنا. حتى النملة تجشمت عناء الوقوف على قائمتيها الخلفيتين، وأمالت رأسها إلى خلف فكاد عنقها (وهو رقيق جدا) ينكسر. ولو انكسر لسمعت صوته. كنت قريبا منهم جميعا، رغم أنني على سطح القمر، قريبا من الحافة التي استقرت الأرض تحتها مباشرة. وكنت أسمع توسل النملة إلي أن امدد يدك أو أدل حبلا حتى أتسلقه فأصل إليك، وأجيبها بصوت مرتفع: أعلمت الآن لم كنت كئيبا؟


ملأت حقيبتين بضوء القمر، واحدة لأبنائي وأخرى للنملة البئيسة. طوحت بهما في الهواء ثم ألقيت بهما إلى الأرض.


 وها هو صوت أبنائي يصلني واضحا:


ـ أبي، أبي.. ابحث عن الذهب.


ـ وضوء القمر، أليس ذهبا؟


ـ إنه مثل ضوء الشمس، وهو عندنا بغير حساب.


ـ واحسرتاه على تعبي، ضوء القمر هو عينه ضوء الشمس.. واحسر تاه!


ونزلت أدراج السلم الذي يصل مداه حتى حافة سطح بيتنا.


3 ـ سطح الماء.. سطح الأرض


ـ وجدتها.. وجدتها.


صاح ابني:


ـ أجننت؟ ماذا وجدت؟


ـ هذه صيحة أطلقها قبل الميلاد فيلسوف يوناني.


ـ فماذا وجد؟


ـ كان يستحم في حمام.. ينظف بدنه مما علق به من أوساخ.. فراعه أن الأشياء تطفو على سطح الماء.. كان أمامه سطل فيه ماء وقد وضع عليه لوحا لم ينزل إلى أسفل.


ـ وأي عجب في هذا؟


ـ حصل هذا والإنسان في طور تعلم التفكير.


ـ الأشياء التي تطفو على سطح الماء كانت كذلك من قبل ومن بعد.. فأي عجب في هذا؟


ـ هذا صحيح. لم يكن المرء يدرك أن له عقلا يستطيع به أن يفعل الأعاجيب.. كان غبيا.


ـ أتراه اليوم ذكيا؟


ـ كلا. لأنه اليوم يفعل الأعاجيب، ولكن لا أحد يصدقه.. وهذه مشكلة تطفو على سطح الأرض وتنتظر من يكتشفها