حكايتى مع أشبال العولمة الأمريكية

21/06/2015 - 10:28:54

صورة ارشيفية صورة ارشيفية

خالد إسماعيل - روائى مصرى

.. كانت «الحكايات» هي المدخل إلى «القصة» و«الرواية»، و«الحكايات» كان مصدرها والدي المواطن «الأمّي» العامل في مصلحة الطرق والكباري، وهو في الوقت ذاته يحمل «وعي فلاح» له إرث عربي -أو على وجه الدّقة بدويّ- وهذا ظهر في محادثة قصيرة دارت بينه وبين «مهندس» طلب منه أن يمسح له زجاج سيارته، فقال له أبي «.. دي تشوف إلها واحد فلاح..» أي أنه رفض القيام بمهمة تنظيف السيارة الخاصة بالمهندس، ويومها -حسب روايته لي- قرر أن يعلم «عياله» مهما كلفه الأمر حتى يكونوا أحسن من «الباشمهندس»، وقد أوفى بعهده، وعلمنا أنا وإخوتي مستفيداً بمجانية التعلىم التي قررها «جمال عبدالناصر»، وانعتقنا من مصائر كانت تنتظرنا، فلو لم نكن قد التحقنا بالمدارس كنا التحقنا بأعمال «العتالة» أو «الفلاحة» أو أية أعمال أخرى يعملها الفقراء في الصعيد.


ومن أبي اكتشفت سحر «الكلام»، وسحر «الأصوات»، وهو الذي كان موهوباً في حفظ حكايات شعبية انتقلت إلىه من أبيه -جدّي- وجدّي نقلها عن جاره القبطي المسن المتعلم «عطية شنودة» الذي شهد لحظة وصول فروع من قبائل «أولاد على» إلى بلدنا «كوم العرب» في ظروف لن تخرج عن معارك ثأر أو قحط أصاب المناطق التي كانوا فيها أو قرار سياسي خاص بتوطين «البدو» وتحويلهم إلى نقاط حراسة «العرب المدركون» -من الدّرك- وتمت هذه العملية الزراعية الشاسعة حتى يستطيع «محمد على» أو حكام الدولة العثمانية في عهدها الأخيرالاستفادة بقدرات «البدو» وعلاقاتهم في حماية المحاصيل المزروعة من غارات عصابات «البدو» التي اعتادت «الإغارة» في مواسم الحصاد على القرى، وقد ظلت رواسب هذا السلوك قائمة في «كوم العرب» وغيرها من القرى المحيطة إلى أربعينيات القرن الماضي، ولم تكن «السرقة» جريمة في هذه القرى بل دليل شجاعة وقوة، وكانوا يسمون هؤلاء اللصوص «أولاد الليل»!


.. والقصة الأولى في حياتي كان اسمها «الحربة» ولم أنشرها، لكن أول قصة نشرتها كان اسمها «خمس بيضات»، نشرت في «الكشكول» وهو عبارة عن صفحات داخل جريدة «الأهالي» كان يشرف علىها الشاعر الراحل «حلمي سالم» في عهد الكاتب الكبير «عبدالعال الباقوري» الذي تولى رئاسة تحرير «الأهالي» لعدة سنوات، وتوالت القصص إلى أن اكتملت لدىّ مجموعة «درب النصارى» والفضل يرجع للشاعر الصديق «يوسف وهيب» الذي حملها إلى سلسلة «إبداعات» في هيئة قصور الثقافة، ونشرت بعد مرور عام ونصف العام ولما صدرت تحولت إلى سؤال ظل يطاردني لفترة غير قصيرة «هوّه انت خالد إسماعيل بتاع درب النصارى؟»، وأرد بالإيجاب لأنني لم أكن قد نشرت سوى قصتين «خمس بيضات، الذي لا ينسى أبداً» على صفحات «الأهالي» ولم أكن قد نشرت قصة على صفحات «أخبار الأدب» رغم مرور ست سنوات على صدورها ورغم انتظامي قارئاً لها لكنني لم أكن أعرف أحداً من هيئة تحريرها فلم أمتلك القدرة على تقديم قصة للمسئول عن «ساحة الإبداع» في هذه الجريدة التي كانت محل ثقة المبدعين في مصر وخارجها، وفيما بعد نشرت لي فصولاً من روايات وقصصاً و«مقابلات» صحفية وأخباراً تتعلق بندوات ومناقشات خاصة بأعمالي.


.. كل هذا ولم أكن عضواً في أندية وزارة الثقافة، ولا من المقربين من «جابر عصفور» أو «فاروق حسني» أو رجالها في مقاهي ومشارب القاهرة ينقلون إلىهما «دبة النملة» والشتائم التي ينطق بها خصومهما، وكنت أقف على الجانب الآخر من النهر سعيداً بموقفي، وبعد نشر مجموعتي الأولى «درب النصارى» ضمن سلسلة «إبداعات» الحكومية لم أجرؤ على التقدم إلى هذه السلسلة أو غيرها من السلاسل لأني عرفت أن هناك «ضوابط» أخلاقية و«رقابة» على القصص والروايات وهذه المراقبة يقوم بها مبدعون بيننا ويأكلون طعامنا ويقترضون «فلوسنا» كل يوم!.


.. الرواية الأولى «عُقد الحزُّون» كانت معركة بكل ما تحوي الكلمة من معان، فقد عانيت لنشرها سلوكيات الناشر وكان صاحب الدار أستاذاً جامعياً، طلب مني مبلغاً من المال «ألف جنيه» فاضطررت إلى اقتراضه من صديق يعمل في مجال المقاولات «عصام فرغلي صديق طفولتي»، ولكي أسدد المبلغ للصديق، اضطررت إلى عمل قرض من بنك فيصل الإسلامي بضمان راتبي «أعمل صحفياًَ في مجلة الإذاعة والتليفزيون» وصدرت الرواية واستقبلها الكاتب الكبير «عبدالوهاب الأسواني» بترحاب شديد وحفاوة بالغة، وكتب عنها مقالة نشرتها جريدة «العربي» التي كانت تصدر -يومية- عن الحزب الناصري وفيما بعد كتب عنها في ذات الصحيفة الكاتب «عبدالحميد حيدر» بروح طيبة، ولم يحدث أن كتب عنها «مدرس جامعي» من الذين يعملون في أقسام اللغة العربية بالجامعات، ولكن بعد صدور مجموعتي القصصية «غرب النيل» كتب الشاعر الكبير «عبدالرحمن الأبنودي» عنها في «يوميات الأخبار» وقال كلاماًَ طيباً أدّى إلى انتباه الناقد الراحل «فاروق عبدالقادر»، فكتب عنها وعن روايتي «كحل حجر» ومجموعتي «درب النصارى» بالإضافة إلى «غرب النيل» سطوراً أسعدتني ضمن مقالة له عن الكُتّاب الجدد على صفحات مجلة «الكتب.. وجهات نظر» التي كانت تصدر عن «دار الشروق»، وكانت سطور «فاروق عبدالقادر» طلقة أولى في حرب أعلنها ضدي كل أعداء الرجل في الوسط الثقافي، وما أكثر أعدائه -رحمه الله- ووجدتني وحيداً في مواجهة «عصابات» الصحف الثقافية ومدرسي الجامعات من «أشبال» و«عيال» جابر عصفور، وكان قرارهم هو «تجاهل» ما أكتب لا يعلقون علىه لا بالخير ولا بالشر، وكانوا قد سيطروا من خلال علاقات «أستاذهم» على لجان الجوائز الحكومية والخاصة في الداخل والخارج!.


ومما حدث، أنني تقدمت لعدة جوائز هي: التشجيعية، وساويرس، وجائزة مجلة الصدى الإماراتية، وجائزة هيئة قصور الثقافة، ولم أفز بإحداها، ثم بعد سنوات تقدمت إلى «البوكر» العربية، ولقيت نفس المصير فأدركت أن «أشبال» جابر عصفور هم «كلمة السر» وهم «مفتاح اللغز» فهم أعضاء في جميع لجان هذه «الجوائز»، وأنا عدوهم الأول وما أكتبه لا يتفق مع أهوائهم «العولمية» فأنا كاتب يستخدم آليات «الحكاية الشعبية» ويدافع عن «الفقراء» ويؤمن بأن الكاتب صاحب «رسالة» وهذا كله لا يتفق مع آراء وأفكار هؤلاء «الأشبال» المعولمين الذين يعملون ضمن برنامج العولمة الثقافية الأمريكية الذي يديره قسم النشر بالجامعة الأمريكية بالقاهرة، والمجلس الأعلى للثقافة الذي هو ذاته «حظيرة» تضم المثقفين المدجنين تحت قيادة الدكتور «جابر عصفور» الساحر الأكبر!.


وتوالت الأعمال فأصدرت إلى الآن ثماني «روايات» ومجموعتين قصصيتين، ولكن من أحب الأعمال إلى قلبي رواية «زهرة البستان» التي كرستها لفضح المثقف الممول الذي يعمل مع المراكز الثقافية الأجنبية ويبيع «عرقه» مقابل المال وهذا النوع من المثقفين ازدهر عقب سقوط الاتحاد السوفييتي وهو الأمر الذي أفقد الأحزاب الشيوعية بريقها ومصادر تمويلها، فاضطر هؤلاء «المثقفون» -الرفاق!- إلى افتتاح المراكز الحقوقية «الممولة» من الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، أو اللحاق بحظيرة «فاروق حسني» وهي «الحظيرة» التي تضمن لأعضائها الأسفار والجوائز والطيبات من الموائد العامرة باللحوم و«الويسكي» وهو الأمر الذي يبحث عنه غالبية المثقفين القادمين من أوساط هدها الحرمان وأعياها الجوع!!.


ولايمكن أن أنسى مواقف الدكتور «يسري عبدالله» ودعمه لي، فقد كتب عن روايتي «أوراق الجارح» وكتب عن «زهرة البستان» و«أرض النبي» على صفحات جريدة الحياة اللندنية ولا يمكن أن أنسى الدعم الذي قدمه لي الكُتّاب إبراهيم عبدالمجيد وحلمي النمنم وعبدالوهاب الأسواني وعبدالحكيم حيدر فكل واحد من هؤلاء شجعني ودعمني بطريقته والواجب يقتضي أن نعترف لهم بالجميل..


ومازلت في معركتي مع من يسمون بـ«جيل التسعينات» الأدبي، وهم مجموعة من «الدمي» تحركهم المراكز الثقافية ولجان الجوائز بهدف تقديم صورة مزيفة عن الحركة الأدبية، وبكل صدق أقول إن هذه «الدمي» تزحف على بطونها، هدفها الأول والأخير الحصول على المال في صورة جوائز، وهم عبارة عن نسخ شائهة من كُتّاب يعملون لصالح «واشنطن»، وحتى لا يتهمني أحد بأنني أتبع نظرية «المؤامرة» فإنني أطالب المشككين بالرجوع إلى كتاب «من يدفع للزمّار» الذي ترجمه المترجم المصري «طلعت الشايب» وصدر عن المجلس الأعلى للثقافة وفيه توضيح للعلاقة بين «المخابرات المركزية الأمريكية» وعالم الأدب والفنون وكيف يتم توظيف «المبدعين» لنشر أفكار ومقولات تخدم المصالح الأمريكية.


وأخيراً.. إن معركتي ضد «جيل التسعينات» ومدرسي الجامعات من تلاميذ جابر عصفور، محورها «الكتابة» ولا شيء غيرها فأنا أريد إنجاز كتابة «مصرية» الهوى، وهم يريدون كتاباً يعملون في وظيفة «ترزي أدبي» يفصل ويخيط على مقاس وعلى هوى «المركز» الأوروبي والأمريكي.. هذه هي «المعركة» الأصلية التي يهربون منها فهم ذائبون في «العولمة الأمريكية» وأنا رافض هذا «الذوبان» لأنني أسعى إلى أن أكون وفياً لأهلي في «كوم العرب» وهم قوم فقراء علموني كيف «أحكي»، ولن أحكي غير حكايتهم، حكاية كفاحهم في هذه الحياة القاسية.