لست سويسريا .. في الذكرى الخمسين لرحيل الدكتور محمد مندور

21/06/2015 - 10:26:35

مندور واولاده مندور واولاده

د. طارق مندور - طبيب وكاتب مصري

    لست حاصلا علي الجنسية السويسرية، فلم أولد بسويسرا، بل ولدت في مصر وما كنت لأولد في مصر لو وقعت معاهدة "صدقي – بيفن"


    وقد يسأل القارئ وما العلاقة بين هذا وذاك؟ فأوضح وأذكر أن والدي الدكتور محمد مندور- المعروف بشيخ النقاد أو رائد النقد الأدبي الحديث -  رُشح ليكون سفيرا لمصر في سويسرا عام 1946، وكان إسماعيل صدقي باشا وزيراً للداخلية ورئيسا للوزراء عائداً من لندن ومعه مشروعه المسمي (صدقي – بيفن)، أما لماذا رُشح والدي لهذا المنصب، فالإجابة ببساطة، أنه رشح لهذا المنصب كرشوة حتي يتوقف عن فضح مساوئ مشروع صدقي- بيفن في جريدته (البعث) وجريدة (الوفد المصري) التي كان يرأس تحريرها.


   بعث إسماعيل صدقي وزير ماليته عبد الرحمن البيلي إلى الدكتور مندور في في حي الروضة، وقال له إن معاهدة (صدقي – بيفن) ستوقع سواء رفض أو أراد، وإنه رُشح ليكون سفيرا لمصر بسويسرا، في بداية يوليو 1946، ولكن مندور رفض هذا العرض بل اعتبره إهانه، وقام بطرد الوزير بعد أن بلغه أنه لن يبيع وطنه ومبادئه، وخرج عبد الرحمن البيلي، ليأتي البوليس السياسي ويقبض علي مندور، ضمن حملة صدقي باشا على الوطنيين الشرفاء المتصدين لمشروع المعاهدة، ويغلق 13 جريدة ويقبض على حوالي مئتين من المثقفين الوطنيين فيما سمي بقضية "الشيوعية الكبري".


    وهكذا ولد إخوتي الكبار بمصر قبل 1946، وولد أخي خالد مندور عام 1948 بمصر، وولدت عام 1949 بمصر أيضا، ولم نولد بسويسرا ونفخر جميعاً بمصريتنا وبأبينا محمد مندور.


    أحب أن أؤكد المؤكد والمعلوم أن معاهدة 1936 غير معاهدة صدقي – بيفن، لأني للأسف رأيت كاتبا صحفيا كبيرا يخلط بينهما.


    وكان مصطفى النحاس بعد فوز حزبه الساحق في انتخابات أول يناير 1930 قد بدأ مفاوضات مع هندرسون وزير الخارجية البريطانية، ولكنها لم تسفر عن اتفاقية لعدم الاتفاق علي مسألة السودان، واستقالت حكومة النحاس في يونيو 1930، وعهد الملك فؤاد إلى إسماعيل صدقي بتأليف الوزارة، فألغى دستور 1923 واستبدل به دستور 1930، وأجرى انتخابات قاطعها حزبا الوفد والأحرار الدستوريين احتجاجا وإصرارا على دستور 1923 الذي ارتضاه الشعب. واندلعت المظاهرات عام 1935، ونادت بتأليف جبهة وطنية والتي تألفت في ديسمبر 1935، وطالبت بإعادة دستور 1923، وبالفعل اضطر الملك لإعادة الدستور، وعهد  إلى علي ماهر بتأليف وزارة محايدة لإجراء الانتخابات، وأسفرت الانتخابات عن أغلبية وفدية وتولى النحاس رئاسة الوزارة في 10 مايو 1936، وتم توقيع معاهدة 1936، يوم 26 أغسطس 1936، وسميت "معاهدة تحالف بين مصر وبريطانيا العظمى" وكانت مدتها عشرين عاما، أما مشروع (صدقي – بيفن) فيجعل التحالف - أي الإستعمار- أبديا ببسط الحماية على الشرق العربي، وتكوين مجلس دفاع مشترك، أي سيطرة كاملة على الجيش المصري، والمشروع يغلق باب المفاوضة ويسلم بمعاهدة 1899 الخاصة بالسودان وبمعاهدة 1936، ولكن القوى الوطنية ألغت هاتين المعاهدتين عام 1951 في ظل حكومة الوفد الأخيرة، وأعلنت المقاومة المسلحة للإنجليز في منطقة القناة.


    وهكذا انتصر الشعب ومثقفوه على مشروع (صدقي – بيفن).


    وقد كتب الدكتور مندور عقب خروجه من الحبس في هذه القضية مقالا نشر بجريدة "صوت الأمة" يوم 30 سبتمبر 1946، يقول فيه:


    "عندما اعتقلنا صدقي باشا في 10 يوليو الماضي كان يظن أنه على وشك توقيع المعاهدة، ولم يكن يدور بخلده أنه لايزال في البلاد رجال من المستقلين وغير المستقلين يقدرون أنهم يقومون اليوم بدور تاريخي في تقرير مصير بلادهم، وأن أحفادهم سيذكرون يوما ما أنهم لم يفرطوا في حقوق وطنهم، ولا قبلوا له العبودية، ومن منهم لا يتصور أطفال المدارس بعد خمسين أو مائة عام وهم يطالعون في صحف الماضي أن هذا السياسي الوطني أو ذاك قد ذاد عن وطنه، عندما أريد تكبيله بأطواق الذل والاستعمار، ومن منهم لا تهتز نفسه عندما يتصور هؤلاء الأطفال، وهم يستمطرون عليه الرحمة، يود كل منهم أن لو استطاع أن يؤدي لوطنه خدمة مماثلة تخلد ذكراه بين أنوار الماضي المشرقة".


    وأخيرا أحمد الله أنني لم أولد بسويسرا، بل ولدت ببلدي وبلد أجدادي مصر الحبيبة، وأحمد الله أن معاهدة (صدقي- ييفن) لم توقع.