أحزاب الله في العالم العربي … شيطنة الآخر

21/06/2015 - 10:21:51

كتائب حزب الله اللبنانى كتائب حزب الله اللبنانى

عبد الجليل معالي - كاتب تونسي

حزب الله، في نسخته اللبنانية، حلقة في سجلّ الأحزاب السياسية الدينية المتكئة على شبكة كثيفة من مفاهيم دينية وفقهية تبرر بها وجودها، ولكن الخصوصية الأولى في حزب الله اللبناني (بمعناه العام) هو الاسم ذاته.


    فأن يتخذ حزب ما، اسم الله في اسمه فهو يبني حاجزا مزدوجا يفصله عن الآخرين؛ فاتخاذ اسم الله يعني أن يكتسب علوية وأفضلية عن الآخرين، واسم الله يعني أيضا أن الآخر غير المنتمي له والخارج عن حياضه ينتمي، ضمنيا، إلى حزب الشيطان. ويرى المؤرخ العراقي رشيد الخيون أن "ما هو أكثر إيغالا في التَّوظيف هو إطلاق اسم الجلالة على حزب بكامله، ليكون اسمه الرّسمي (حزب الله)، وأن يؤتى بالآية شعارا "فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ"! مع أن ليس مِن حق أحد مِن عباده، ولا مختلف الأديان والمذاهب، أن يحتكر هذا الاسم لحزبه، إلا إذا أراد أن يُقابل حزبه بما أشارت إليه الآية "اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلا إِنّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ"(المجادلة، الآية، 19).


    حزب الله اللبناني، لم يكن أول حزب اتخذ لنفسه اسم الجلالة وولج به عالم السياسة بما تعنيه من مواقف ومقتضيات وفن للممكن، إذ تتفق أغلب المصادر على أن "الحزب الإلهي" الأول كان حزب الله في اليمن الذي أنشأه القاضي محمد محمود الزبيري عام 1963، وتأسس في ظرفية تاريخية وسياسية موسومة بالصراع الملكي الجمهوري بعد ثورة 26 سبتمبر. كان للزبيري موقف من ذلك الصراع، وكان يناهض الملكيين كما الجمهوريين، رغم أنه حاول إصلاح ذات البين في البداية بين الفريقين، إلا أن المضمر كان أبعد من ذلك، حيث إن الزبيري عُيّن وزيرا للمعارف بعد ثورة 26 سبتمبر 1962 التي أطاحت الحكم الإمامي وكان الثوار يبحثون عن شرعية دينية قد يوفرها الزبيري في مواجهة خصومهم الملكيين، ومع ذلك عارض الزبيري الاصطفاف المتصل بالصراع (حظي الجمهوريون بدعم مصري والملكيون بدعم سعودي) وأشاح بوجهه عن الفريقين وحلم بإنشاء دولة اليمن الإسلامية وتطبيق الشريعة.


    المفارقة أن حزب الله اليمني كان سني الهوى قريبا من تصورات زيدية اليمن القريبة من الإخوان المسلمين، والتي لا تؤمن بالعصمة للأئمة خلافا لحزب الله اللبناني الشيعي الذي يعتقد بولاية الفقيه المطلقة. استمر حزب الله في اليمن ناشطا في شمال اليمن حتى اغتيال محمود الزبيري يوم 1 إبريل 1965.


    كان الزبيري زيدي المذهب، متأثرا بجماعة الإخوان المسلمين إثر دراسته في القاهرة حيث التقى حسن البنا مؤسس الإخوان. كان البنا يرى في اليمن البلد الأنسب آنذاك، لإقامة الحكم الإسلامي، في هذا الصدد يقول البرلماني اليمني المنتمي لحزب الإصلاح عن تلك الفترة: "أول تجمع لنا كان ونحن في القاهرة عندما كنا ندرس في الأزهر، وبدأنا الاتصال بالإخوان المسلمين ومنهم الشيخ حسن البنا الذي كان يرى أن اليمن أنسب البلاد لإقامة الحكم الإسلامي الصحيح، وأن المناخ مناسب للإخوان المسلمين... فكان يهتم بنا اهتماما خاصا، ويولي عنايته بشكل أخص لكل من الزبيري والمسمري اللذين كان يعتبرهما شخصيتين متميزتين. ومن هنا بدأت الحركة الوطنية بين الطلاب اليمنيين".


    تجربة حزب الله في اليمن لم تكن يتيمة، ولم يكن الحزب الوحيد الذي اعتمد اسم الجلالة عنوانا عاما يقود به نشاطه السياسي، لكن الفرق هو أن أغلب الأحزاب التي ستليه ستكون شيعية، وحدد ذلك التأثر بنجاح حزب الله اللبناني كما سخاء الدعم الإيراني.


    حزب الله اللبناني أعلن وجوده الرسمي من خلال بيان شهير صدر في 16 فبراير 1985 وتضمن "الهوية السياسية والأيديولوجية" للحزب وجاء فيه أن "الحزب ملتزم بأوامر قيادة حكيمة وعادلة تتجسد في ولاية الفقيه، وتتجسد في روح الله آية الله الموسوي الخميني، مفجر ثورة المسلمين وباعث نهضتهم المجيدة". لكن الوجود التنظيمي الفعلي للحزب كان عام 1982 على خلفية الاجتياح الإسرائيلي لبيروت. كان لحسين فضل الله الدور الرئيس في مد خيط الوصل بين الثورة الإيرانية ومبدأ ولاية الفقيه، والبيئة اللبنانية خاصة في الجنوب حيث كان لفضل الله نشاط علمي وافر. تداول على الأمانة العامة للحزب كل من صبحي الطفيلي (1989 – 1991) ثم عباس الموسوي (1991 – 1992) وبعد اغتيال الأخير من قبل قوات إسرائيلية خلفه حسن نصر الله. نلاحظ ألا وجود لمعلومات عن إدارة الحزب قبل 1989، لكن قراءات عديدة تتفق على أن القيادة خلال تلك الحقبة كانت جماعية حتى انتخاب صبحي الطفيلي (درس في النجف وأعلن ولاءه للثورة الإيرانية منذ قيامها عام 1979 وساعد الحرس الثوري الإيراني على العبور إلى لبنان وتدريب فرق ومجموعات لمقاومة الاجتياح الإسرائيلي).


    حزب الله اللبناني الذي توصل إلى أن يصبح إحدى الأوراق المهمة في الساحة السياسية اللبنانية بفضل بنيته التنظيمية الصارمة، وبفضل الدعم الإيراني المتواصل منذ نشأته، يتخذ شعارا مركزيا يستحضر الآية القرآنية "فإن حزب الله هم الغالبون"، وتحته هوية سياسية فرعية هي "المقاومة الإسلامية في لبنان"، مع خلفية صفراء تحتوي كتابة باللون الأخضر تقدم اسم الحزب وبندقية تشع على العالم.


    مثلما أدى الصراع بين الملكيين والجمهوريين إلى نشأة حزب الله في اليمن، بحلف زيدي إخواني، ومثلما أنتج الاجتياح الإسرائيلي لبيروت حزب الله في لبنان (بمنطلقات المقاومة الإسلامية وبدعم إيراني) فإن الاحتلال الأمريكي للعراق عام 2003، أفرز ظهور النسخة العراقية من أحزاب الله. المنعرجات السياسية الكبرى وحرج اللحظات التاريخية الخطيرة تتيح لرواد خلط الدين بالسياسة أن يستخدموا اسم الجلالة عناوين لأحزابهم.


    الاحتلال الأمريكي للعراق، وسقوط نظام صدام حسين أفرزا تغيرا عميقا في المشهد السياسي العراقي، والعربي برمته، وكان من إفرازاته تصاعد منسوب الطائفية و"ازدهار" الأحزاب الدينية. في هذا المناخ تأسست كتائب حزب الله في العراق التي تعرف أيضا بعصائب أهل الحق، وبرز الاسم بعد حرب تموز 2006، لكن التشكيل العسكري تأسس قبل ذلك وكان تأسيسه على خلفية الاحتلال الأمريكي، إذ جاء في بيان صادر عن تنظيم "كتائب حزب الله في العراق" نشر في موقعه الرسمي أنه "قبل دخول الاحتلال العراق بأربعة أشهر بدأ التفكير الجدي في مرحلة ما بعد الاحتلال، إذ أن أمريكا ستدخل العراق لما تقتضيه الحاجة الإستراتيجية الأمريكية إلى العراق وثرواته من جهة، والاطمئنان على أمن إسرائيل من جهة أخرى. توهم الأمريكيون في ردود أفعال العراقيين تجاه الاحتلال، إذ اعتقدوا خطأ، أن الشعب العراقي سيأخذهم بالأحضان، وبدأ بالفعل جنودهم بعد الدخول يجوبون شوارع العراق بآلياتهم دون خوف أو تردد. وحينها كانت مجموعة من الشباب المؤمن المجاهد ينظرون إلى الأمور من الناحية الشرعية والوطنية والأخلاقية".


    وفي وثيقة أخرى من موقع "كتائب حزب الله العراق" ورد أيضا أن هدف التأسيس هو "إخراج المحتل من العراق والدفاع عن المقدسات" (المقدسات هنا شيعية بالضرورة) وانطلقت الكتائب تحت اسم كتائب أبي الفضل العباس ونفذت أولى عملياتها يوم 23 أكتوبر 2003، في منطقة البلديات واستهدفت عربة "هامر" أمريكية متوقفة خلف فندق القناة. وكانت الكتائب متشكلة من اندماج عدد من الكتائب الشيعية المقاتلة وهي كتائب أبي الفضل العباس، كربلاء، زيد بن علي، علي الأكبر، السجاد، وكانت كل كتيبة تعمل بصورة مستقلة عن الأخرى ثم أعلنت اندماجها تحت اسم واحد هو "كتائب حزب الله" من خلال بيان صدر يوم 21 أغسطس 2007.


    الملاحظ أن أسماء الكتائب المشكلة لحزب الله تحفل بالخلفيات التاريخية الشيعية (أبي الفضل وكربلاء وزيد بن علي..) وهو ما يعني أن كل تلك الكتائب كانت تتحرك من خلفية أيديولوجية شيعية تطورت وتوحدت لتفرز نزوعا أكبر نحو الغلوّ باتخاذها اسم الجلالة هوية سياسية، وهو ما يعني تفوقا مكتسبا من الاسم وتأثيما وشيطنة للآخر المختلف.


تتخذ كتائب حزب الله في العراق هوية بصرية مشابهة لحزب الله اللبناني، مع الآية القرآنية "فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ" (التوبة 12) مع قبة ترمز للمقدسات الشيعية، وتضم خريطة العالم ومنها تخرج قبضة يد تحمل بندقية.


    لا ترى كتائب حزب الله العراق ضيرا في إعلان تأييدها وانتمائها إلى مرجعية الولي الفقيه، حيث نشر حزب الله العراقي بيانا بتاريخ 23 يونيو 2009 ورد فيه "في الوقت الذي نعلن فيه وقوفنا إلى جانب نظام الجمهورية الإسلامية متمثلا بالولي الفقيه السيد الخامنئي (دام ظله)، فإننا نحذر قوات الاحتلال الأمريكي البريطاني من أن أعمالكم الخبيثة تلك في الجمهورية الإسلامية ستنقلب عليكم عقابا شديدا من أبناء كتائب حزب الله يجعلكم تندمون على أفعالكم..".


    لا حاجة اليوم إلى سرد الأعمال التي ترتكبها هذه الكتائب التي تتخذ من اسم الجلالة هوية سياسية، لكن النزوع الطائفي المذهبي ظل غالبا ومهيمنا، ومن الضروري الإشارة إلى وجود عشرات التنظيمات العراقية التي تتخذ اسم حزب الله، ولو أن كتائب حزب الله نفت أية صلة لها بها، (كتائب حزب الله الجند المكين، كتائب حزب الله – الثائرون، كتائب حزب الله الغالبون، كتائب حزب الله المتين، كتائب حزب الله المختار، كتائب حزب الله النبأ العظيم،  كتائب حزب الله الفتح المبين وغيرها).


    لا تقتصر ظاهرة أحزاب الله في العالم على التجارب التي أشرنا إليها (اليمن ولبنان والعراق) إذ ظهر حزب الله في تركيا وعرف بمحاربته لحزب العمال الكردستاني، وبرز حزب الله الباكستاني، الذي تأسس عام 2014 وقال أمينه العام، هادي نقوي، عن دواعي التأسيس "قررنا تشكيل هذا الحزب بسبب المعاناة الكبيرة التي نتحملها جراء هجمات التكفيريين". واللافت هنا أن حزب الله الباكستاني ينطلق من مقدمة أنه يحارب الفكر التكفيري ويعني ضمنيا أنه يصنف نفسه في عداد القوى المعتدلة، وهذه مفارقة تحتاج لوحدها لقراءة خاصة، على ضعفها وسهولة دحضها بالوقائع.


    "أحزاب الله" أي الأحزاب التي تتخذ من اسم الله هوية سياسية، تحمل أولا إشكال الاسم الذي يحمل إدانة للآخر، إذ يعتبره ضمنيا، منتميا لحزب الشيطان. والملاحظة الثانية أن كل أحزاب الله (باستثناء باكورة تجارب أحزاب الله في اليمن) تنهل من المعين الشيعي القائم على مبدأ ولاية الفقيه وتتمتع بدعم إيراني سخي. الملاحظة الأخرى أن كل نسخ حزب الله تتخذ آيات قرآنية منطلقا وديدنا، وكلها تتخذ آيات حاثة على القتال والغلبة.


    إذا كان خوض السياسة بمنطلقات دينية فعلا ممجوجا ويتضمن "تفوقا" أوليا قائما على استخدام الدين والانطلاق منه، فإن اتخاذ اسم الجلالة هوية سياسية أكثر غلوا وتطرفا تبعا لما يعنيه من إقصاء للآخر المختلف الذي يصبح في عرف أحزاب الله منتميا لحزب الشيطان.