دم الأخوين

21/06/2015 - 10:17:48

صورة ارشيفية صورة ارشيفية

همدان زيد دماج

باحث زائر في تقنية الكمبيوتر بجامعة ساوث بانك في لندن، أكاديمي، روائي، شاعر، وكاتب صحفي. صدر له أكثر من مجموعة قصصية وديوان شعر عنوانه "لا أحد كان غيري"، وفازت روايته "جوهرة التعكر" بجائزة الشارقة للإبداع العربي 2015.


تُعرف شجرة "دم التنين" باسم "دم الأخوين"، في إشارة إلى الأسطورة التي تقول إن الشجرة نبتت بعد أن سالت الدماء بين الأخوين: قابيل، وهابيل. اليمنيون يفخرون كثيراً بهذه الشجرة، حتى أنهم جعلوها رمزاً وطنياً معاصراً، ويقال إنهم عادة ما يتقاتلون فيما بينهم لكي ينبت المزيد منها.


***


    ها قد تسنى لي أن أقابل معظم الكائنات التي كان معلمنا الرمادي يحكي لنا عنها قبل أيام من السماح لنا بالطيران منفصلين عن القطيع. لَكَم كانت حزمة المعلومات التي نسخها من رأسه الكبير ولقح بها رءوسنا الصغيرة مذهلة! ما زلت أتذكر الخدر اللذيذ الذي أصابني لأيام تحت تأثير تلك الحزمة، وأنا أعيش بزخم هائل عالماً افتراضياً مليئاً بكل ما اكتظت به حياة المعلم من صور وأحداث وروائح وذوائق مختلفة. ولَكَم أنا متشوق لأنْ أنسخ حزمة معلوماتي للأجيال القادمة يوماً ما! لكنني أود أن تكون أكثر إمتاعاً وفائدة من تلك التي حصلتُ عليها من معلمي الرمادي... هل هذا ممكن يا ترى؟! أم أنه طموح مبالغ به؟! "لا يمكن لأي جيل من أجيال الذباب القادمة أن ينافس عظمة أسلافنا؛ إن جيناتنا تضعف كل يوم، وفي طريقها للانقراض". هذا ما كان يقوله المعلم الرمادي دائما.


    كنتُ أفكر في هذا الأمر في صباح يومٍ مشمس جرى لي فيه أمر يستحق أن يروى. كنتُ أحلِّق في الفضاء دون أن أعرف إلى أين، أحاول أن أسابق ظلي العنيد في الممر الضيق بين بيوت القرية. كانت سحلية برصية قد توارت عن الأنظار بعد أن حشرت جسدها الملون في فتحة صغيرة بين صخرتين مرميتين تحت جدار مهمل. لا بد أنها كانت قد شعرت بوقع أقدام بشري بدأ ظله يظهر في طرف الممر زاحفاً بسرعة ومصطدماً بلا اكتراث بظلي الذي مات واختفى لوهلات... طرت بمحاذاته، واقتربت من رقبته التي جذبتني رائحة عرقها الممزوج بأوساخ غير مرئية. كان يرتدي دروعاً قماشية ذات ألوان جافة، غاضباً، يغذ السير نحو ساحة القرية وقد امتلأت أنفاسه بروائح نوايا سيئة ووقائع جسيمة محتملة استطاعت بعض أليافي العصبية التنبؤ بها. عرفتُ أنه بحالته هذه لن يحس بي إذا ما التصقتُ بجلد رقبته؛ لكنني ترددت قليلاً؛ إذ من الصعب التكهن بما يمكن أن يفعله هذا الكائن الهائج المعقد. قررت أن أستقر على حافة القماش الذي يغطي به رأسه، قبل أن أتسلل بقفزتين رشيقتين إلى رقبته، بجانب جدول عرق صغير نَبَعَ من مكانٍ ما من جمجمته المتوهجة وامتد حتى أسفل ظهره. شفطات متأنية من ذلك العرق أشعرتني بسعادة غامرة ودغدغت مساماتي البخارية. عدت بقفزة بهلوانية إلى موقعي على حافة القماش. نظفت نفسي قليلاً، ثم مشيت صاعداً حتى حافتها الأمامية.


    كنا قد وصلنا ساحة القرية، وبسرعة اقتربنا من كائن بشري آخر يلبس دروعاً قماشية ذات ألوان زاهية. كان جالساً القرفصاء بجانب صحن كبير بداخله صحن آخر مليء بما تبقى من حقين، وكوب شاي فارغ، وبعض قطع مختلفة الأحجام من الخبز. يا لها من غنيمة غير متوقعة! طرتُ بسرعة هابطاً نحو ذلك الصحن، وحومّتُ قليلاً قبل أن أقف باعتزاز على حافة الكوب، وقد تمرغت أقدامي جميعها بلزوجة السكر. "رائع!... من أين أبدأ؟" احترت قليلاً، وهذا أمرٌ أقلقني بالطبع، فالحيرة مرض خطير، وقد أكون مريضاً. لكن ما إن هممت بالطيران إلى حافة الصحن حتى كان ظل الشخص الذي كنت أمتطيه قد اقترب من ظل ذلك الجالس، الذي ما لبث ـ بدوره ـ أن نهض من مكانه هلعاً، وبدأ هدير شجار يرتفع في المكان. ليتهما يسكتان! ربما كان باستطاعتي ـ إذن ـ أن أتذكر قراري الذي اتخذته قبل قليل. وبينما كنتُ أعيد خطوات اتخاذ القرار، رأيت ظل مسدس يرتسم على التراب، قبل أن تنطلق منه عاصفة صوتية رهيبة اهتز لها كوب الشاي، وجرفتني في الفضاء قليلاً، مشوش الفكر، فاقداً التوازن.


    استعدت توازني. حلقت مرتفعاً، بعد أن امتلأ المكان برائحة البارود السام. كان ذلك البشري، بدروعه القماشية ذات الألوان الزاهية، قد تمدد، وسالت الدماء من تحت رقبته، وامتزجت بتراب الساحة. كنتُ لا أزال أنظر إلى جثته الهامدة تماماً، حين رفع البشري الآخر المسدس نحو رأسه لتنطلق منه عاصفة صوتية أخرى جرفتني في الفضاء لكن أقل من المرة السابقة. وما إن استعدت توازني حتى كان جسده قد تمدد بجوار الجسد الآخر، واختلطت الدماء بعضها ببعض. طرت فوق الجثتين. كانت رائحة الدماء الممزوجة بالتراب طرية، وعما قليل ستتخثر وستنعش الحواس الشمية لعدد غير قليل من الحشرات التي ستملأ المشهد بصخب كرنفالي رائع. احترت الآن أكثر! هل أعود إلى حافة كوب الشاي المليء ببقايا السكر؟! أم أنتظر قليلاً كي أكون من أوائل من سيتمرغ في ذلك العفن الدموي اللذيذ؟! قال لنا المعلم الرمادي إن حيرة الذباب مرضٌ خطير، ودليل على ضعف في البصيرة، وعادة ما تكون نتيجته غير محمودة العواقب. لكنني احترت فعلاً، وتتكرر حيرتي أكثر كلما استرجعت ذكرى ذلك اليوم المشمس الذي كنت أحلق في فضائه دون أن أعرف إلى أين.