القصة القصيرة اليمنية : تجاوز الزمن وثراء الأسلوب

21/06/2015 - 10:15:10

صورة ارشيفية صورة ارشيفية

د. نادية الكوكباني

كاتبة يمنية وأستاذة جامعية في الهندسة المعمارية. لها خمس مجاميع قصصية، وثلاث روايات، فازت في مجال القصة القصيرة بجائزتي "سعاد الصباح" 2000 و"رئيس الجمهورية" 2001- اليمن". شاركت في كثير من الأنشطة الأدبية والعلمية داخل اليمن وخارجه. ترجمت قصصها للإنجليزية والفرنسية والايطالية والألمانية.


قبل البدء:


    لم أشأ أن أفوت فرصة وجود ملف عن القصة القصيرة اليمنية في أعرق مجلة عربية "الهلال" دون أن أسلط الضوء على فن القصة القصيرة بنوع من التفصيل، لسبب رئيس: أن الأدب اليمني لم يجد فرصته للظهور للعالم، ولم يجد من يتبناه لا كابن صالح ولا كابن عاق في الداخل والخارج، فقرر أن يكون أدبا عصاميا لا يعتمد إلا على ذاته، وهذا أنهكه، وقلل من فرصة وجوده كجغرافيا، وتباهيه كفن بما يملكه من تميز تاريخي وإنساني، لذلك أكاد أجزم أن الملف في مجلة "الهلال" سيتحول إلى كنز كلما مر عام، وإلى أمل متجدد للقصة القصيرة في اليمن كلما مر يوم.


   البداية:


    أسهم انعزال اليمن بشماله وجنوبه في خصوصية فن القصة، وعدم تأثرها بما حولها عربيا ودوليا(1) حيث انفتح اليمن على العالم الخارجي في مراحل متأخرة، فثورة الشمال ضد الحكم الإمامي عام 1962 وثورة الجنوب ضد الاستعمار البريطاني عام 1963 جعلت منه آخر بلد يلحق بركب حضارة العالم المتقدم، بعلومه وتقنياته حتى منتصف القرن العشرين(2). لذلك اعتمدت هذه الأعمال منذ النشأة حتى السبعينيات على الأسلوب التقليدي في القص. ويؤكد ذلك د. أحمد الهمداني: "تعتمد القصة في المرحلة الأولى على البنية الحبكية القديمة: البداية، الوسط، النهاية، وعلى الحدث الخارجي المباشر، كما تتكئ على التقريرية والمباشرة وتلجأ إلى الخطابة في بعض الأحيان"(3).


    ويصف تلك المرحلة الناقد عبد الحميد إبراهيم الذي كتب أول دراسة عن الأدب القصصي اليمني قائلا إنها كانت مرحلة إعداد وتهيئة، واعتمد كتابها على الثقافة الذاتية وترديد الحكم واستعراض المعلومات، أكثر ما اعتمدوا على الخبرة والمعاناة الشخصية.


    وقد بحثت الدراسات التي تناولت فن القصة القصيرة في اليمن الإشكاليات المتعلقة بالنشأة والتطور البنائي الفني المرتبط بالنتاج الإبداعي للفن، في إطار سيرورته التاريخية، وصيرورته الإبداعية وأدوات إنتاجه الموضوعية والذاتية. وتخلص معظم هذه الدراسات إلى أن بدايات إنتاج السرد القصصي والروائي كانت في أواخر الثلاثينيات على مستوى جنوب اليمن، وأن أول عمل روائي كان رواية "سعيد" لمحمد على لقمان، التي نُشرت في صحيفة "فتاة الجزيرة"، وعلى مستوى الشمال نُشر أول عمل قصصي "أنا سعيد" لأحمد البراق في مجلة الحكمة يمانية، وكلتاهما عام 1939، وقد أسهمت المجلتان بعد ذلك في نشر النتاج السردي على مستوى الشمال والجنوب(4). حتى صدور أول مجموعة قصصية تحت عنوان "أنت شيوعي" لصالح الدحان عام 1956، وتلتها مجموعة "الإنذار الممزق" لأحمد محفوظ عمر عام 1960 و"الرمال الذهبية" لعبد الله سالم باوزير عام 1965، وثلاثتها صدرت في عدن كطبعات محلية، وهكذا تكون مجموعة "الأرض يا سلمى" لمحمد عبد الولي أول مجموعة قصصية على المستوى العربي، وصدرت في بيروت عام 1966.


    أما أعمال جيل السبعينيات فيختصرها الناقد محمد الشيباني بقوله: "إن عقد السبعينيات شهد تمردا كتابيا ليس فقط في طبيعة التقنية الكتابية بل في الأفكار والمعالجات". ومن رواد هذا العقد زيد مطيع دماج، إبراهيم الكاف، محمد مثنى، أحمد غالب الجرموزي في البدايات، وأثري ذلك المشهد بأعمال لاحقة لكل من عبد الفتاح عبد الولي، محمد صالح حيدره، زين السقاف، كمال الدين محمد، عبد الرحمن بجاش، علي صالح عبد الله، سعيد عولقي، ميفع عبد الرحمن، شفيقة زوقري، عبد الوهاب الضوراني، محمد عمر بحاح، محمد الزرقة، حسن اللوزي، عبد الإله سلام، عبد الله سالم باوزير، حسين سالم باصديق، عبد الكريم المرتضى.


    الوسط:


    سيتميز جيل الثمانينيات بالتقاط كل ما هو مغاير لجيل السبعينيات والبناء على جوهر التجارب الاكثر نضجاً له، لذلك ستميل القصة إلى اللغة الشعرية المكثفة، والبعد عن كل ما هو شأن عام أو مشترك لمواضيع بعينها، والانتصار للذاتية، وإعلاء شأن الفرد واعتبارهما محور الكتابة وجوهرها. لتأتي أعمالهم متماهية مع الذات ومع استحضار الشخصيات بأساليب متنوعة لا تخلو من الشعرية والغموض بما يجعل النصوص ديناميكية محرضة على القراءة مرة ومرات.


    ورغم تميز وذكاء هذا الجيل إلا أنه جيل لم يكن لديه أي طموح أدبي في الشهرة، وإنتاجه يظل أقل مما سبقه من جيل السبعينيات ومما لحقه من جيل التسعينيات. لكن "محمد الشيباني" يؤكد أنه جيل استوعب مغامرات أكثر عمقاً في الخطاب القصصي، وتخلص رواده من نمطية القص، ومدرسته الشائعة في أذهان وممارسات العديد من الكُتاب. واتجه بعضهم للمزج بين كتابة يومياتهم وبين تصوير المحيط بما يشمله من ناس وأمكنة، ولعل أبرزهم: محمد سعيد سيف، وعز الدين سعيد، وعبد الرحمن عبد الخالق، سعيد عولقي، حسين سالم باصديق، علي باذيب، إبراهيم الكاف، أحمد عبد الرحمن المعلمي، فاروق علي ناصر، أديب قاسم محسن حسن خليفة، عبد المجيد القاضي. بالإضافة إلى أسماء استمرت من جيل السبعينيات: صالح باعامر (الذي تحول إلى كتابة الرواية)، وعبد الله سالم باوزير ومحمد عمر بحاح وزيد مطيع دماج وعبد الكريم الرازحي (شاعر تحول لكتابة القصة)، ومن الأصوات النسائية ستلفت الأنظار زهرة رحمة الله، ورمزية الإرياني، وهناك من لم يستقر في الكتابة في الثمانينيات ولم يستمر بعدها مثل عبد الملك المقرمي، وعارف الحيقي، وشفاء منصر.


    الذروة:


    جيل التسعينيات كان "ظاهرة أدبية" أغنت المشهد الأدبي في القصة والرواية والشعر والنقد والمقالات والدراسات البحثية الفكرية الشائكة وإعادة نشر أعمال الرواد في الصحف. عافية إبداعية عمت المشهد القصصي تحديدا، وبزوغ مواهب وضعت بنيان جيل، وأثرت في أجيال تلتها. ولعل كل هذا يُعزى إلى عدة أسباب أهمها الحدث السياسي الكبير والمهم والغالي على النفوس وهو وحدة اليمن في 22 مايو 1990، حيث انتعشت الحياة السياسية بتعددية الأحزاب وأصبح مناخ الحرية والتعبير عن الرأي متاحا، فصدرت المجلات الثقافية وأصبحت الرقابة عليها مرنة فاتسعت المشاركة والمنافسة على الأفضل في آن.


    تضاعف النشر عشرات المرات قياسا بما سبقه، وتغيرت أساليب وموضوعات القصص، اتسع محيطها وشمل: الغربة، الوطن، الحب، الذات، الشوق والحنين، وتناقضات الوجدان في زحمة الحياة وقلق العصر المضجر. بحثت عن الجمال وعن التعايش والتفكير في اللحظة والمستقبل، كل هذا ليس كمرتكز للكتابة ولكن كتكامل في القص، يعيش ويتفاعل معه ويعيد إنتاجه بوعي وبتلقائية وحضور واثق لا يخضع لهيمنة الانجذاب لما سبقه، ولكن لإضفاء بصمته الفريدة التي لا تشبه أحدا.


    لذلك تحررت نصوص التسعينيات من "قالب نص الريادة" الذي سبقها وفق معطيات لغوية جديدة كمحور للكتابة، وليس كأداة توصيل للرؤى والأفكار أو البحث عن المجازات المفرغة من معناها بغرض الإبهار، وإنما جعل النص بذاته "بنية لغوية واحدة" متميزة عما سبقها، مقتصدة، لا مجانية، لا غنائية، متحررة عن الذات كمركز وحيد للكتابة.


    وفي ضوء ما سبق فإن القص التسعيني، بحسب أغلب الدراسات التي قدمت عنهم عام 2008 في "مهرجان صنعاء الرابع للقصة والرواية"، يتميز بأنه عين ترصد الأشياء بحياد شفاف، ليست معنية ببلورة مقترحات لحلول قضايا شائكة أو كبرى، متصالحة مع ذاتها فليست بالضرورة جادة أو منفعلة، قد تكون ساخرة تصل إلى مبتغاها بواسطة تناقضات الواقع المضحكة، لكنها تكون حادة ونابهة، يُختزل مشاهداتها بلمعة أو شذرة واحدة.


    ومن المهم الإشارة إلى حضور كاتبات القصة التسعينيات بقوة، كما وكيفا، كسرن حاجز المسلم في به في الذات وفي المجتمع وأكدن حضورا لافتا ومعبرا تجاوزن به المحلية وكن أول من يحصدن جوائز عربية في مجال القصة القصيرة(5).


    وباختصار يمكن القول إن جيل التسعينيات تجاوز ذاته، وانطلق من آخر ما وصلت إليه حداثة القص على مستوى الوطن العربي والعالم، ومنهم: أحمد زين، بشرى المقطري، محمد جازم، نادية الكوكباني، عبد الناصر مجلي، هدى العطاس، مها صلاح، وجدي الأهدل، ياسر عبد الباقي، سمير عبد الفتاح، ريا أحمد، محمد الغربي عمران، نورا زيلع، صادق غانم، عبد الواحد السامعي، علي سالم، محاسن الحواتي، محمد عثمان، محمد المقطري، همدان دماج، سلوى الارياني، ميفع عبد الرحمن، أروى عثمان، زيد الفقيه، سامي الشاطبي.


    وسيبقى لهذا الجيل أن يقدم التحية والتقدير وأن يعترف بفضل من قام بالكتابة والتعريف عنه محليا وعربيا ودوليا. من تبنى أعماله في الجامعات بنقد رصين وواع ومجدد. بمن شبك بين الكاتب والمجتمع والجامعة في حلقة تواصل، زرعت في ذات الجيل ثقة عالية في النفس، ورغبة في استمرار الإنتاج. شكر وتحية وتقدير للدكتورة وجدان الصائغ والدكتور صبري مسلم والدكتور حاتم الصكر والدكتور مصطفى ساجد الراوي من العراق الشقيق، وللدكتور عبد العزيز المقالح من اليمن والذي أسهم في كتابة معظم مقدمات ودراسات عن المجموعات القصصية ونشرها في المجلات والصحف المحلية والعربية.


    وتستمر الحكاية:


    جيل الألفية وما بعدها: "جيل ينعم بعافية الكتابة لكنه غير محظوظ" سيكون هذا هو التوصيف المناسب من وجهة نظري، وعافية الكتابة تأتي من كونه جيلا نما على تراكم الخبرات السابقة لجيل التسعينيات، وبني أدواته على موضوعات الكتابة وأساليبها دون أن تكون له بصمته الخاصة بشكل لافت كما فعل سابقوه.


    أما كونه جيلا غير محظوظ فلأنه لم يجد الاهتمام النقدي أو انتشال بعض كُتابه وكاتباته للسطح الأدبي، ليسجل حضورا مائزا عن ما سبق. ناهيك عن أنه جيل "مُرفه"؛ فرغم وجود كل وسائل الاتصال الحديثة إلا أنه خامل في التواصل، والتعريف بنفسه عربيا وإبداء استعداده للمشاركة في مؤتمرات أو ندوات داخلية أو خارجية. وكأن الكتابة فائض نعمة وليست مشروعا موازيا لاهتمامات حيوية أخرى، وندلل على ذلك باختفاء معظم الأسماء بسرعة حتى قبل أن تصدر مجموعة قصصية. من أهم الأسماء التي ظهرت في بداية الألفية: سماء الصباحي، نجاة باحكيم، سعيد الحمادي، إيمان حميد، أسماء المقري، ماهر عطا.


    جاء جيل ما بعد العقد الأول من الألفية بقوة وإصرار على الظهور، متكئاً ومستفيدا من كل ما سبق، متخذا لنفسه خطوات هادئة ورصينة، مستغلا كل وسائل الاتصال الحديثة في التعريف بنتاجه، وترحيبه بالمشاركة داخل اليمن وخارجه. يقيم الندوات ويدعو المهتمين، ويطلب دون خجل تقييم أعماله ونقدها. يصدر مجموعاته القصصية على نفقته الخاصة، ويشارك في المسابقات عن ثقة. يجسد أمنياته بانفتاحه على العالم محطماً حواجز الزمان والمكان وسنين الرتابة والجمود، بأفق تواصل الأجيال وتبادل الخبرات والاعتراف بالجميل. ينظر للمستقبل بتفاؤل تدعمه، الإرادة في الوصول لتحقيق الافضل، ومن أبرزهم: حفصة مجلي، أسماء المصري، انتصار السري، سلمى الخيواني، محمد الغرباني، أحلام المقالح، رستم عبد الله، عبد الحكيم المعلمي، رياض حمادي، صفاء الهبل.


    نادي القصة "إلمقه"


    تأسس النادي عام 1999 بجهود بعض كاتبات وكتاب القصة القصيرة، وسمي "إلمقه" تيمناً بالقمر "إله دولة سبأ" في اليمن القديم.


    كان الشأن الثقافي في اليمن طيلة الفترة الماضية هامشياً وضئيلاً من اهتمام الدولة، وكان هذا الاهتمام الضئيل استعراضيا دون مضمون حقيقي بالارتقاء بالثقافة والمثقف اليمني محلياً وعربياً وعالمياً. ندلل على ذلك بغياب المشهد الثقافي اليمني عن العالم. لذلك لعبت بعض المؤسسات الثقافية المدنية هذا الدور في إقامة الندوات الثقافية المختلفة، وإصدار الكتب والدوريات، والمشاركة الخارجية، ولعل من أهم هذه المؤسسات "مؤسسة العفيف الثقافية" و"مؤسسة السعيد الثقافية" ونادي القصة "إلمقه" الذي ركز بشكل خاص على القصة وحضورها في المشهد الأدبي اليمني والعربي والعالمي. ويقوم النادي في السنوات الاخيرة بدور مهم في إنعاش هذا المشهد من خلال أنشطة أسبوعية تناقش وتنقد وتشجع وتتبنى وتنتج كل ما يعنى بالنتاج القصصي بشكل خاص والثقافي بشكل عام، من خلال مركز النادي الرئيسي في صنعاء، وفروعه في محافظات: عدن، تعز، إب، ذمار.


    غواية الرواية


    يقف كتاب القصة الآان في مفترق طرق، هناك من هو شديد الإخلاص للقصة القصيرة ولم يتحول إنتاجه إلى جنس أدبي آخر، في حين تحول بعضهم إلى كتابة الرواية دون أن تنقطع صلتهم بالقصة، وأصدر بعضهم مجموعات قصصية بعد الرواية. هذه الصلة القوية بالقصة القصيرة أمام غواية الرواية تدعو للتأمل، أن لكل جنس أدبي خصوصيته، وقدرته على إشباع رغبة المبدع وما يراه أكثر تعبيراً من غيره، عما يداهمه من تماسات في أعماقه للكتابة عنها، ومهما تداخلت الأجناس فإن هناك غلبة لأحدها في الجنس ذاته. فشعرية القصة، وقصصية الرواية تجعل من الشعر شعرا ومن الرواية رواية! وهكذا يستمر الإنتاج كل بذاته في معترك تداخل الأجناس الأدبية، ولندع هذه المعركة للنقاد، وقد لا تعني المبدع في شيء. ولعل أبرز من تحول للرواية وبعدها أصدر مجموعة قصصية: محمد الغربي عمران ونادية الكوكباني، ومن كتب الرواية وما زال يكتب القصة دون إصدار وتحول للرواية: وجدي الأهدل، ياسر عبد الباقي، نبيلة الزبير، سمير عبد الفتاح، لمياء الإرياني.


   المشهد الآن:


    يتابع المشهد القصصي الآن سيرورته التاريخية. يكتب وينتج فيه أجيال متداخلة، مستمرة منذ التسعينيات. العلامة الفارقة في كل ما ينتج هو "أسلوب الكتابة، وليس الزمن" وهو ما فرضته تحولات القصة ومراحل أساليبها خلال العقود الماضية. ويعاني المشهد الأدبي عموما والقصصي خصوصا غياب الحركة النقدية الجادة والهادفة باستثناء بعض الكتابات التعريفية بالأعمال الصادرة وبعض الدراسات الأكاديمية لرسائل الماجستير والدكتوراه في اليمن وخارجه.


    نصوص الملف:


    يحتوي الملف الذي بين يدي قارئ مجلة "الهلال"على نصوص متنوعة، تبدأ من جيل التسعينيات وهذا لا يعني إلغاء ما قبله، وقد ارتأيت أن ما قبله مرحلة أخذت حقها في وقتها وما بعدها بفترة، وأن جيل التسعينيات مستمر في إنتاج النص القصصي حتى اللحظة الراهنة، وأن ما فعله هذا الجيل هو الانتقال إلى فضاء حلق فيه بأجنحة التعبير عن تيارات ورياح العصر المفتوحة على الحياة بكل تناقضاتها، وعلى الآخر بكل همومه. والاكثر من هذا كله أن هذا الجيل حمل على عاتقه هم إيصال الأدب اليمني للعالم والتعريف به وبخصوصيته وبكيانه المستقل، في وقت كان وجود الثقافة جزءا "حقيراً"(6) من اهتمام الدولة لفئة معينة فقط، تظهر كواجهة للسياسي، وليس كمشروع دولة تجعل من الشأن الثقافي عام على المستوى الداخلي والخارجي.


    لذلك أصبح جيل التسعينيات يكتب ويبحث عن ناشر ويتنازل "أحيانا" عن حقوقه المادية، ويراسل المؤسسات الثقافية، ويشارك باسم اليمن، لكن على نفقته الخاصة، وإلى جانب هذا كله يعاني من هموم حياتية عليه القيام بها للحصول على لقمة عيشه.


    النصوص الأخرى كما سيوحي تعريف أصحابها عن أنفسهم من محافظات مختلفة (صنعاء، عدن، حضرموت، تعز، ذمار، الحديدة، حجة)، يمثلون أجيالا مختلفة مخضرمة وشابة ومبتدئة. لهم حضور مميز في المشهد القصصي اليمني، تتنوع أساليب السرد وفق مرجعيات متباينة، بين تبجيل اللغة وتقديس المتخيل في دائرة التماس والتناقض والتقاطع مع الحياة ضمن إطار لمحيط مجتمعي خصب، ومع ذات تجعل من الكتابة عنها فرجا من الوقوع في خيارات الحياة الأكثر صعوبة.


    نصوص جلية البناء، جميلة النضج، مبشرة بغد أفضل. لمشهد قصصي يمني خالص سيدهش العالم عما قريب.


   وختاما:


    سيظل من الصعوبة إيفاء كل الأسماء حقها من الذكر في هذه المقدمة المختصرة، وبخاصة إذا كان النتاج القصصي قد بلغ 178 مجموعة قصصية منذ عام 1950 حتى 2007، وما سيشفع لي هو استيفاء المراحل التاريخية للقصة كجنس أدبي له تاريخ في الأدب اليمني ومر بمراحل تحولات مهمة، وكان له رواد تأثرت بأساليبهم الأجيال التابعة واستمروا في جعل القصة مواكبة لكل ما حولها في العالم.


    شكرا لمجلة "الهلال" التي أتاحت الفرصة لهذا الملف في الظهور وشكرا للقارئ الذي سيقتطع جزءا من وقته للقراءة التي أتمنى أن تكون مثمرة ممتعة.


    ــــــــ


1 ـ نادية الكوكباني: "بدايات عمارة الحداثة في مدينة صنعاء"، مجلة العلوم والهندسة، المجلد 3 العدد (2)، منشورات جامعة صنعاء 2014.


2 ـ شهاب القاضي: "بعض موضوعات إشكاليات الفن القصصي في اليمن" ورقة عمل ضمن كتاب "النقاد يصنعون موجه للبحر"، منشورات اتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين، 2008.


3 ـ أحمد الهمداني: "أقاصسص يمنية مترجمة" كتاب التواصل لمجلة جامعة عدن، دار عبادي للدراسات والنشر، صنعاء 2006.


4 ـ محمد الشيباني: "الكتابة القصصية في اليمن خلال سبعة عقود"، ورقة عمل ضمن كتاب "النقاد يصنعون موجه للبحر".


5 ـ حصلت هدى العطاس على جائزة فتيات الشارقة في القصة القصيرة 1999، وحصلت نادية الكوكباني على جائزة سعاد الصباح في القصة القصيرة 2000.


6 ـ تعبير متفق عليه بين المثقفين في اليمن، نتيجة شعورهم بالسخط على الإهمال واللامبالاة والتحقير الذي كانوا يجدونه من إهمال الدولة ومن سوء معاملاتهم وهضم حقوقهم في مؤسساتها الثقافية.