هتلر مر من هنا!

21/06/2015 - 10:10:19

صورة ارشيفية صورة ارشيفية

محاسن الحواتي

يمنية ولدت بالسودان، لها كتاب عن النكتة  السياسية في اليمن، تعمل مدربة دولية في مجال الصحافة، صدر لها ثلاث مجموعات قصصية، وقيد الطبع مجموعة عنوانها "هتلر مر من هنا" ورواية "غرب القاش".


    أشار المشرف الاجتماعي ذو الشعرات البيض في مقدمة رأسه بسبابته إلى المريض المهندم الجالس على كرسي خشبي واضعا ساقه فوق الأخرى فى حديقة دار العلاج للأمراض النفسية المكتظة بالمرضى من مختلف المحافظات، خاصة أولئك الذين يحرص أهاليهم على علاجهم ولديهم من المال ما يكفى.


    يتحدث المشرف مع الصحفي الذى يقوم بمهمة استطلاع صحفي عن أحوال المرضى والدار. هذا المريض به جنون العظمة ويتخيل دوما أنه شخصية مهمة، أنه قليل الوعى بالواقع ويهتم كثير بنظافته الشخصية، حالته تخضع للعلاج منذ سنوات ولكن دون فائدة مازال يعيش في وهمه، هيا. لنرى!


 وقفا أمامه بهدوء..


  المشرف وقد ابتسم قليلا: صباح الخير يا باشا..


  المريض يرفع حاجبه ببطء وينظر إليهما بكسل وعدم اكثراث: أنا لست باشا أنا المهيب.


  المشرف غامزا للصحفى: إذن صباح الخير يا حضرة المهيب. احم احم.


   المريض بصوت آمر وسبابته صوبهما: عندما تحيينى، تحنى رأسك انت وهو. وتقول ما قلت!


  يحني المشرف والصحفي رأسيهما ويقولان: صباح الخير يا حضرة المهيب..


   المريض وقد استدار بوجهه بعيدا عنهما وقال: صباح النور، عليكم التحدث مع مدير مكتبي فأنا مشغول الآن.


    المشرف مبتسما ومستغربا: يا حضرة المهيب اعطنا بعضا من وقتك فهذا الصحفي يود التحدث معكم  هو مكلف من صحيفته بذلك.


   المريض وهو يرفع رأسه عاليا دون النظر اليهما: لقد طلب هتلر مقابلتي قبل قليل ورفضت، وهو هتلر وأنتم تعرفون من هتلر الذى أقعد الدنيا، ولأني مشغول جدا اعتذرت عن مقابلته.


   الصحفى، لا يكاد يخفى ضحكته: هل مر هتلر بالفعل؟


   المشرف، يهمس غاضبا: هتلر مات من أيام (حرب الزماميط) أنت صحفي مفروض تكون عارف بهتلر وكل القادة العسكريين والسياسيين. عاد المشرف للمريض قائلا: يا حضرة المهيب أنت مشغول بماذا الآن؟


   المريض وقد التفت إليهما كمن يود إلقاء خطاب مهم لجمهور عريض: مشغول أنا بالتفكير في إقالة الحكومة وتشكيل حكومة جديدة!


   الصحفي بصوت هلع، متوسلا: أرجوك لا تقِل الحكومة، ابن عمى وزير في هذه الحكومة والأسرة كلها معتمدة عليه وليس لدينا مسؤول كبير في عائلتنا إلا هو  أرجوك أرجوك لا تقِل الحكومة (يحاول الإمساك بالمهيب فيهرب الأخير للأمام رافضا).


   المشرف مستهزأ: هل ستشكل حكومة جديدة من الشباب أو من الخبرات التكنوقراط معاليك؟


   المريض يطبق شفتيه قويا ولا يرد.


   يواصل المشرف: أكيد ستحتاج إلى كوادر متخصصة في علم الاجتماع لوزارة التربية والتعليم مثلا، أو كوادر في علم النفس التربوي مثلا أو...


   المريض يرفع يده كمعلم يحاول تلقين نظرية هامة لتلاميذ أقل ذكاء: لا... لن أحتاج وزارة تربية أو تعليم لأن التربية من اختصاص الأسرة، قل لي ماذا تفعل النساء سوى إنتاج الأطفال بجودة عالية؟ أما التعليم فلا يحتاج إلى وزارة، هذا عبث كبير وفساد. القطاع الخاص يتولى الاستثمار في التعليم.. ستقولون لي غير القادرين على دفع رسوم التعليم سوف أرد عليكم. لماذا أنا سأقيل الحكومة لأنها أفقرت الناس والحكومة الجديدة هي حكومة اللا فقر... لا جوعان ولا متسول ولا مجرم ولا مجنون كهؤلاء، مشيرا لعدد من المرضى في الدار يحومون حول أنفسهم!


   المشرف للصحفي الذى صمت فجأة: مالك حزين كمن مات والده؟


الصحفي بحزن بالغ: خلاص خسرنا كل شيء ابن عمى سيذهب إلى الشارع، يبكى بصوت مسموع ويقول: سنتبهدل من بعده، تقال الحكومة يعنى خراب بيوتنا كلنا!


   المشرف مازال يمزح: حتى لو أقال الحكومة ابن عمك سيدخل في التشكيلة الجديدة أنا أضمن لك ذلك المهيب صاحبي لا تقلق.


   الصحفي بجدية وتوسل: قل له لا يقيل ابن عمى أرجوك، أرجوك،. قل له سوف أجرى معه أطول حوار في التاريخ الصحفي بس لا يقيل ابن عمى! ستكون كارثة لو أقال الحكومة.


   المريض باديا ملله منهما: اذهبا لقد ضيعتما وقتي، هتلر إذا عاد قولا له إنى مشغول (يمضى ليجلس بعيدا)


   الصحفي يهمس في أذن المشرف: إذن نوسط هتلر وندفع حق القات لمدير مكتب المهيب ليدخل هتلر، ويوصى على بقاء ابن عمى في التشكيلة الحكومية الجديدة، وبذلك نضمن مصالحنا، الحمد لله أنى جئت إلى هنا ولحقت قبل وقوع الكارثة!