أول حصة

21/06/2015 - 10:09:23

صورة ارشيفية صورة ارشيفية

علي جعبور - قاص وكاتب يمني

   أدخلني أبي الفصل، وأشار للأستاذ قائلا: إذا لم يتعلم، عليك به... ورفع يده، عاليا، ثم خفضها وكأنه يضرب شخصا متخيلا بعصاة وهمية.


   حاضر يا عم ولا يهمك. رد الأستاذ.


    تسمرتُ واقفا، قرب الباب؛ نظراتي تلاحق والدي محتارا: كيف عنّ له تركي، كأنه لا يعرفني، وحيدا بين أناس لا أعرفهم..


    اجلس مكانك يا ولد، قالها الأستاذ بنبرة حادة.


    كان الأستاذ، ذو القامة الفارعة، يرتدي ثوبا كحليا و"جنبية" بمقبض مذهب، وقد ثبت بحزامها المزخرف مسدسا روسيا، بنجمة حمراء تلمع فوق قبضة الزناد، وبدا أن العصا المتدلية من يده، يا للهول، أطول من قامتي.


    وإذ رأيت ما رأيت، كدت أفقد صوابي وفكرت بالهرب: أن أمرق، كالسهم، من الباب وأجري مبتعدا حتى مسافة آمنة، أستدير وأمطُ لساني تجاه المدرسة ساخرا وأصرخ، بأعلى ما أمكنني، بتلك المفردة الأثيرة: طزززززز.


    كنت فعلت ذلك حقا، رغم تأكدي القاطع من أن فمي ظل محكم الإغلاق ولم تصدر عنه نأمة صوت واحدة، وأن قدميّ لم تتزحزحا قيد أنملة من حيث أُمرتُ بالجلوس.


    كانت المدرسة لا تزيد عن فصل واحد، يتكدس داخلها ثلاثة صفوف. كنا نحن الصف الأول، وعددنا خمسة، نجلس فوق الأرضية المتسخة في الصف الأمامي، قدام المدرس مباشرة، يلينا الصف الثاني فالثالث.


    تنحنح الأستاذ وأشار إلينا آمرا: صف أول، الطلاب الثلاثة الجدد فقط؛ رددوا بعدي. وبدأ يقرأ بصوت عال وممطوط قليلا: "قل أعوذ برب الناس" فردّدت مع اثنين بجواري: أعوذ برب الناس. كرر الأستاذ: قل.. وصمت لحظة... أعوذ برب الناس. فكررنا: أعوذ برب الناس. صاح غاضبا: قولوا مثلما أقول بالضبط. وضرب، بالعصا الطويلة، السبورة الخشبية السوداء فأحدثت فرقعة كبيرة ضجت لها حيطان المدرسة وارتجفت قلوبنا فزعا ورعبا. كان أحد طلاب الصف الثالث لاهيا ومسترخيا تماما، آنذاك؛ يفكر في أمر ما خارج هذه الجدران الكئيبة، وما إن دوت فرقعة السوط حتى تلاها بفرقعة أخرى.. طااااااااااااااااااط.. .


     وهكذا ارتفعت الضحكات عالية وغير مبالية بالعقاب، وأسرع الجميع بوضع أكمام قمصانهم فوق أنوفهم حتى قبل أن تهب الرائحة العفنة... وعوض أن يشاركنا الأستاذ الضحك، ازداد تغيظا وتشنجت عضلات وجهه الصارم ودارت حدقتا عينيه وقد زادتا اتساعا وتطايرت منها شرارات الغضب كأنها سهام حارقة توشك أن تفتك بنا جميعا... ثم وجّهنا بهدوء ينذر بالويل: قفوا كلكم...


    وقفنا ولا زال سيل الضحكات هادرا من أفواهنا، عدا طالب وحيد وبدين جدا؛ ظل ساندا ظهره على الحائط، فاتحا فمه وسابحا في نوم عميق حتى ركله أحدهم ركلتين متواليتين على ساقه فانتبه وتحامل على نفسه حتى استوى واقفا، كما لو أنه برميل من لحم ودم، وعلى الفور، غمغم مستوضحا: آه.. الواجب؟ ثم استدرك: أقسم بالله أني كتبته كاملا يا أستاذ، بس نسيت الدفتر في البيت... الله لا رجعني بين إخوتي لو كنت أكذب.


   "أسكت يا دُب.. لا رجّعك، آمين".


     حشر المسكين جمجمته الضخمة بين كتفيه وصمت كأن على رأسه الطير. وشرع الأستاذ الفظ الغليظ بالاستجواب: من الحمار ابن الحمار هذا الذي لا يقدر على إغلاق مؤخرته؟ هيا أخبروني وإلا ضربت كل الناس...


    وبالتأكيد، لم يكن يقصد بــ"كل الناس" كل الناس، إذ لا يتأتى له ذلك بحال من الأحوال، بينما بإمكانه أن يفعل ما شاء، فقط، بالناس الواقعين تحت رحمته في تلك الغرفة اللعينة المسماة مدرسة. أُصبنا جميعا بالخرس ولم ينبس أحدنا ببنت شفه.


    حسنا.. كلكم ضراطون إذن ومجموعة طراطير لا تستحقون إلا الجلد... الواحد يتعب معكم حتى روحه تروح وما فيش فايدة.. بس راح أوريكم...


     وما ثمّ أن شرع بسلخ الأكف، بدأ بأول واحد، وكنت أنا هو أول واحد.. خمس جلدات حاميات حتى خالطني الشك من أن كفيّ انخلعت ولم تعد جزءا من جسدي. وكان أن فعل ذلك بالجميع حتى تكسرت العصا واستبدل بها أخرها مخبأة وراء السبورة.


    وللحظة طغت عليّ مشاعر حب الانتقام، وداهمتني أحلام اليقظة: انتزعتُ المسدس من خاصرته وصوبته باحترافية أبطال الأفلام البوليسية تجاه جمجمة الأستاذ الكبيرة، أطلقت الرصاص، ببرود كأي مجرم متمرس، رصاصة إثر رصاصه، مستمتعا بمنظر نافورات الدماء تنساب فوق الأرضية وتتلوى كثعابين حمراء فاقعه، مصحوبة بصخب الطلاب وتصفيقهم الحار.. وهكذا تخيلت أنه مات فعلا وأن عينيه، هاتان الحمراوتين كالجمر، ليستا سوى عينيّ ميت! رغم أنه كان ما يزال واقفا والعصا تهتز بيده متوعدة أيدينا الجاهلة بالعلم اللاسع، وصوته يتردد بقوة ووضوح تام: قل أعوذ برب الناس.