ذكرى

21/06/2015 - 10:08:07

صورة ارشيفية صورة ارشيفية

عبد الناصر مجلي

قاص وشاعر وروائي يقيم في الولايات المتحدة، الرئيس التنفيذي للمركز العربي الأمريكي للإعلام والثقافة، رئيس تحرير مجلة "العربي الأمريكي اليوم"


    أخبرني أنه سيأتي الجمعة القادمة لكي يأخذني معه لشراء ملابس جديدة بمناسبة بداية العام الدراسي، كنت فرحة لأنها سنتي الأولى في المدرسة، انتظرته في تلك الجمعة لكن لم يأت، لم أره، حزنت وبكيت كثيرا وامتنعت عن تناول الطعام عندما كنت أتخيل نفسي الوحيدة في الصف بدون ثياب جديدة.


    مرت الجمعة طويلة وأنا أترقبه، لم أسمع صوته في التليفون وهو يخبرني بأنه مشتاق لي كما هي عادته، في ذلك الأسبوع لاحظت وجوما يعلو وجوه أفراد البيت، أمي، جدتي وجدي وأخوالي، كانوا لا يحبونه، وجدي دائما ما أخبرني بأنه مجرد ثعلب تافه لا يحب إلا مصلحته، لكنني عندما كنت ألتقي به في الأيام التي لا يتصل فيها، أراه إنسانا آخر، إنسانا يذوب حبا وعواطف عميقة، وكثيراً ما كنت أمسكه متأملا في وجهي وأرى عينيه مغرورقتين بالدمع، كان يخاف عليّ، هل كان يشعر بنهايته القريبة؟


    لم يكن تافها أو ثعلبا، كان إنسانا يفيض رقة ويكتب الشعر وكثيرا ما كان يأخذني إلى غرفته الصغيرة فأراه مبعثرا، فأدرك مدى وحدته وتمزقه، فيما بعد عرفت بأن أمي هجرته رغم حبه لها، رفض الطلاق خشية عليّ لكن أمي أصرت عليه، في مساء تلك الجمعة لم أنم وكنت أتحفظ الكلمات التي سأقولها له في صبيحة السبت التالي وكيف أني غاضبة منه، ولأنني أدرك بأنه سيراضيني فسأزيد من دلالي، لكن لم يأت، مر شهر بأكمله لم أره فيه!


    في تلك الليلة أخذتني أمي بين ذراعيها وأجهشت بالبكاء، كانت شديدة الحرقة وتطلب السماح والعفو وأنه لو عاد فستبذل عمرها رخيصا في سبيله! مر عمر بأكمله ولم تشبع عيني برؤيته مرة ثانية، ناديته مرارا في صحوي وفي نومي.. ارجع يا أبي ولن أغضب منك، تعال لتفتح قلبك وتضعني داخله كما كنت تخبرني، تعال.. حتى ملابس المدرسة الجديدة لا أريدها فقط ارجع. ناديت الله الذي كلمني عنه كثيرا أن يجعلني أراه، لكني لم أره، مرات كثيرة كنت أمر بجوار أرض واسعة لها سور كبير أرى فيها عشبا بريا وزهورا صفراء تزهر عندما يأتي الربيع، فتخبرني أمي أن أبي ينام هناك فأشرئب بعنقي الصغيرة طمعا في رؤيته، وأناديه فلا أسمع جوابه، كنت أستغرب كيف بإمكان المرء أن ينام دون أن يراه أحد. أتاني مرات كثيرة في المنام ولعب معي وأخبرني بأنه مشتاق إليّ جدا، فأسأله أن يعود وسأسامحه على عدم شرائه ثيابا جديدة لي، لكنه كان يصمت ويبدأ في البكاء، كان بكاء شفيفا يجعلني أبكي معه. كنت أراه شديد الجمال، شديد القوة، تعلو وجهه أمارات نبل عميق، لم يكذب عليّ، وإن حدث وأخلف موعدا معي كان يغمرني بأعذاره وأسباب عدم مجيئه. ذهبت إلى المدرسة وكانت أمي قد اشترت لي ما أريد من الثياب ورغم فرحي بذلك، إلا أنني في قرارة نفسي كنت أتمنى أبي من يفعل ذلك. كانت أمي شديدة الصرامة عندما نخرج معا، أما هو فكان مرحا مجنونا بي، ولطالما راقبنا الناس ونحن نركض في الشوارع والحدائق والمحلات التجارية وحيثما حلت بنا المصادفة مثل مجنونين يحب كل واحد منهما الآخر حتى الموت.


    لم يغب عن ذاكرتي مرة واحدة عبر سنوات حياتي كلها، أتذكره وهو يفتح لي باب السيارة ويقف منتصبا في وضع عسكري صارم ويؤدي لي التحية ويشير لي بالدخول منحنيا انحناءة تثير الضحك، أتذكره وهو يقلد صوتي وحركاتي، فأضحك حتى يوجعني بطني، أكاد أسمعه يكلمني بصوته العميق أن لا أخاف ولا أكذب. لم أسمع أحدا يلعن ذكراه خصوصا بعد غيابه المفاجئ، لكنني أيضاً لم أسمع من يذكره بخير، كانوا قساة لا قلوب لهم، الآن وأنا على أعتاب العشرينيات من عمري أستعد لدخول حياتي الجديدة في ليلة عرسي، أسأل نفسي ترى كيف كان سيكون وضع أبي في هذه الليلة، هل سيبكي فراقي وذهابي إلى بيت شخص آخر، أنا متأكدة بأنه سيرقص فرحا، لكن ألن يشعر بالغيرة من الذي أخذني منه حتى ولو كان زوجي وهو الذي كان يخاف عليّ من هبة النسيم، ويتمنى أن يضعني في عيونه.


    تزوجت وحبلت وولدت طفلا ذكرا أقسمت أن أسميه باسم أبي، وقد فعلت بعد أن أقنعت زوجي بذلك، كنت أحبه بكل عمري ذلك الطفل الأول الذي يحمل اسم أغلى إنسان في حياتي، ذلك الطفل الذي ولد بشامة في عنقه تشبه شامة أبي. كانت حياتي قانعة ولي زوج طيب وشفوق، لكنني كنت على استعداد لبيع ما تبقى لي من سعادة ومن عمر من أجل أن أعود إلى تلك الجمعة البعيدة، طفلة بضفيرة ذيل الحصان بالكاد بلغت السادسة من عمرها، تنتظر أباها الذي تحبه أكثر من أي شيء آخر ليأخذها معه لشراء ملابس جديدة.