جدران الكاتب

21/06/2015 - 10:02:01

صورة ارشيفية صورة ارشيفية

صفاء الهبل

ناشطة في المجال الإنساني من خلال مبادرتها (كن إيجابيا)، ولها أنشطة إعلامية وثقافية وصدرت لها رواية "قدري فراشة".


    كان مولعاً بالشعر ويحلم بأن يُخلد الشعر ذكراه، لكن الماديات حاصرته بكتابة المقالات لإحدى الصحف البائسة لقبض حفنة من الريالات التي لا تكاد تكفي حتى لمنتصف الشهر.


(كاتب).. ليس مجرد كنية، منذ صغره وهو ينادى بهذا الاسم، لشدة ولع والده بالكتب تمنى لو أن ابنه كاتب، الكتابة والقراءة ليستا وراثة جينية، بل عناق الكف برائحة الورق.. إدمان وشغف. تعداه الوقت وأصبح له حرفٌ حاد يلدغ به النخب المثقفة ورجال الساسة حتى بات محاصراً في غرفة ضيقة لا يخرج منها. كلما جاء مراسل الجريدة سأله:


    " لماذا لا تخرج؟"


    "إذا كانت الجريدة قد تعبت مني فلا تأتي. ما الذي في الخارج! هنا أولادي (بثينة، عاصم)" وأشار إلى كتبٍ رصها عن يمينه وعن شماله. وأكمل: "هنا إبريق شاي لا يثمل، هنا وطن يُشبهني.. أنا الآن في المنفى".


    استمر حاله بائسا شهورا، حتى بلغ العام ونيف. لم يعد يعول على شيء سوى قهوة يظمأ لضمها بين شفتيه، وكتب غارقة في الفوضى، وشيء يسير يسكت به صوت أمعائه التي تتصارع على لقمة طائشة. كاتب شديد البطش بنفسه، بما حوله، عهده الناس وقورا، خجولاً.. متعفف السؤال وإن كان ذا حاجة. طيلة هذه الشهور كان يتوق إلى ولديه (بثينة وعاصم) الآن قد أصبحا مراهقين، لم يرهما منذ زمن، في الحقيقة لم ير أحدا منذ زمن سوى مراسل الجريدة الذي يتمنى البقاء قريبا منه كلما ذهب لاستحضار العمود اليومي الخاص به.


    "مقال لعمود يومي! ترى كيف يجد المتسع والمعلومات المطلوبة ليكتب مقالا يومياً!"، تساءل المراسل ذات زيارة. أجابه الكاتب: "معك حق. لقد استنفدت جميع أفكاري، انتهيت من كل الساسة، هشمت رقاب أولئك الذين يرفعون أنفسهم كمثقفين، لكن أتعلم! أنا الأن أكتب عن نخبة عاشوا في الماضي وسيلتهمون المستقبل".


    كان المراسل في حيرة لكن لم يستطع كتمان تساؤلاته التي ربضت على صدره.. "لكن ألست من المثقفين؟ أنت كاتب!" ضحك كثيراً، بل وصلت قهقهاته علواً ارتطم بالسقف حتى تبعثرت من أتربته المتكدسة.. "أنا من أولئك الذين يحاولون التغلب على القدر كي لا ينضم إلى قائمة المثقفين.. أنا مجرد عابث يعيش ويقتات الحرف، تزوج الفكرة لينجب كلمة.. كلمة لاذعة.. انصرف فقد أزعجت ولدي". انصرف المراسل تائها يفكر في كل تلك الأتربة، لم حقا لم يجد إلى الآن شخصا يطرق باب هذا الكاتب، "يبدو أنه مجنون" هكذا تمتم هامسا لذلك المظروف الكاكي الذي سلم له فيه المقال.


    أيام وأيام ومراسل الصحيفة يتوجس الحضور لأخذ المقال، ليس لأنه خائف بل لتزايد تصرفات الكاتب غرابة، "يستحيل أن يكون مجنوناً، فقط هو مصاب بالاكتئاب. ربما هوس الوحدة" هكذا فكر.. مع مرور الوقت استمر الكاتب كاتباً، كأنه قد حكم عليه بالخنوع للقلم ما بقيت أنفاسه عطشى لتلك الأوراق، إلا أن مقاله اليومي استهلك أفكاره، فلم يكن يكتب لأجل المال بل ليعتصر ذاته في حنايا سطوره، حتى طُرد من عموده الذي سكنه، رغبة في وجود مهرج فكري يرص الحرف ليبيعه، ليعتاش ويرضي.


    يفتقد أولاده فيحتضن كتاباً، ينتشي برشفة القهوة كانتشاء محب لحظة لقائه بحبيبته.. دفن كل أحلامه وبقي مربتا على كتف انتظارها، رصها في مذكراته التي تكدست أمامه وانتهى بها الأمر مدفونة بالتراب كجسده.


    بعد مضي سبع سنوات بعث رئيس التحرير رسالة عزاء ومواساة لابنيْ الكاتب، بثينة وعاصم، رغم كل شيء تداركا سخطهما على غيابه المستمر، إهماله غير المبرر، دخلا منفاه الصغير وعلى الجدران مكتوب على لوحٍ أبيض "هذه السماء ملكي وهنا الجدران منفاي" تأبطا الغبار تلفتا بصمت.. بصمت وجدا كرسيه المعاق وعلى يمينه عاصم وشماله بثينة، نحتها على مسند الكرسي بالقلم، واضح جدا أنه حاول مرارا أن يخطها بحرفٍ جميل إلا أن الخشب لم يعطه فرصة. أخذت بيدها أول مذكرة وجدتها وعليها إشارة القلم، تفحصت سطورها القائلة: "أدرك الآن كم أنتِ جميلة، لا شك أنكما معاً تنقشان بالخطوة على غبار منفاي، يداك دافئتان يا ابنتي ولم أرهما قط. أنا الآن بعيد ولا أستطيع أن أحكي لكما ما الذي حدث لكن تركت مذكراتي لتجيب عن كل أسئلتكم. أخوك غاضب أقنعيه فقط ليقرأ بعدها فليحاكمني".


    مضت الأيام وعاصم يقرأ بعد اجتهاد بثينة لإقناعه، ها هو الآن يشد زمام عزيمته ليخلد ذكرى أبيه بطباعة مذكراته. ظل المراسل يتتبع أخبار مذكرات الكاتب العتيقة منذ أخبره عاصم، ذات زيارة، "مازالت تعمل هنا؟ ذكرك أبي في مذكراته لكن كنت مراسلاً صح؟"، أجابه محتارا بين مشاعر الزهو والذهول "نعم". لكن لم يعد المراسل مراسلاً بل أصبح مسئولاً عن وحدة الطباعة في ذات الصحيفة.


    انتهت طباعة الكتاب، واحتفى به الجميع، وذلك المراسل على بعد خطوات، يركن رأسه لأحد الجدران، يراقب ساخراً وجوههم المزهوة، المدعية معرفة الكاتب، وتمتم "في حياتك كنت وحيداً، في المنفى. والآن أنت هناك وحيد والجميع هنا، في المنفى الكبير، يحتفون بك".