محاولة أخيرة للحلم

21/06/2015 - 10:00:25

صورة ارشيفية صورة ارشيفية

صالح البيضاني

عضو الأمانة العامة لاتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين. من مؤسسي نادي القصة اليمني. له عدد من المجاميع القصصية.


    عندما يحافظ خط الأفق على أفقيته الغامضة وتلتحف الأرض بالسماء بشكل مريب، كان الطريق ينطوي أمامك بشكل متسارع ولا تستطيع فعل شيء سوى الاستغراق في التفكير الذي يومض بشكل متقطع، ليجعلك غير قادر على التركيز وتحديد ما تريد أن تعرفه، أو تقوله لنفسك المجهدة من عمق وتشتت الأفكار التي تحاصرها، وعندما تحاول ترك نفسك قليلاً لتلتقط الضجيج الصادر من مذياع السيارة، تنتابك نوبة من الضحك الممزوج بالسخرية لتتذكر عندما كان البيت خالياً من الأحذية، كنت وحيداً وقلت لنفسك قدمي تساوي آلاف الأقدام، فتلك الأقدام الطيبة المحيطة بي لا تغنيني عن قدمي. كان العبث مستمراً من حولي وأنا أتأمل جيداً في يدي الممسكة بلا مبالاة بمقود السيارة، هل يمكن أن أحمل ذراعاً كاملة ليست لي أو حتى إصبع. كان المذياع يرتل ببلاهة ذلك التقدم الذي وصلوا إليه. ذلك الراهب المسكين الذي قيل له إنه في عداد الموتى، لم يتوان عن تقديم ذراعه كاملة لموسر فقد ذراعه كاملة أيضاً ولكن منذ زمن!! هل تستطيع أن تتخيل يداً غريبة تنبت من جسدك مرة أخرى لو كنت مبتور اليد؟!


    أخذت أحرك أصابعي طرباً لأني أعرفها تماماً منذ عرفت النور لذلك شعرت بالسعادة، ولو أني شعرت حينها بشيء آخر أيضاً، ها قد طالت أظفاري كثيراً وذلك ما يجلب لي الضيق فقد تعودت منذ الصغر أن تقوم أمي بتقليمها عنوة، كانت تنتزع معها شيئاً من الجلد ما يؤلمني بشدة.


    كان خط الأفق ما يزال ساكناً وقطار الذكريات العتيق ما يلبث أن يمر في مخيلتي هادراً. ها هي ابتسامة أخرى ترتسم على فمي كنت أظن بأنني سأصبح نبياً عندما أكبر، كنت أتمنى ذلك، وعندما سألني أبي ذات يوم: ماذا تريد أن تكون عندما تكبر؟ كان يظنني سأجيب كبقية الأطفال: طبيب، مهندس... ولكنني خيبت ظنه عندما أجبته ببراءة مفرطة: نبي! حينها هوى بيده القوية على وجهي، غضبت منه يومها ولم أعرف سر غضبه.


    لذلك قررت في نفسي أن أنتقم منه عندما أصبح نبياً، كنت أتمنى حينها أن أمسك بأحد تلك الطيور الجميلة، أدعو بحرقة وثقة، وبمجرد اقترابي منها كانت تفر مذعورة. أحلامي تلك لم تظل لابثة عند تلك العصافير الجميلة، فقد صرت أحلم أن أجد يوماً كنزاً تحت السرير، لذلك كنت حريصاً على النظر في كل ليلة إلى تحت السرير وكنت أنام محملاً بخيبة الأمل.


    مازال الطريق طويلاً فيما الأحلام تخبو مخلفة وراءها واقعاً خالياً من الأحلام لا يطاق. كان عبث الأيام لا يزال عالقاً في مخيلتي من زحمة السوق وصخب القلب: شاب أبكم يحطم (حانوتاً) لا يفهمه أحد. فتاة (حاذقة) تفاوض شيخاً فاسقاً على شيء لم يعد ثميناً. طفل جائع يخطف حبة طماطم ليتبعه البائع بزخات منها. تاجر مسن يفكر في تجارته الكاسدة، كيف يكسد تجارة الآخرين. وتاجر ثري لم يفقد عادته في التحديق بالأحذية، كان إسكافياً. فيما كان (المفكر) مخزناً، ينظر إليهم من سطح بنايته الواطئة يلعن (الجهل) لأنه عطل كشفه لسر الكون وإنقاذ هؤلاء المساكين!


    كان العبث مستمراً وخط الأفق غامضاً والزمن يسير بنا نحو المجهول تاركاً وراءه عشرات الإخفاقات: الأحلام، الأعداء والأسئلة الفاغرة، ومشاعر لا تصمد على حال كالتروس في مصانع الحياة الدائرة منذ الأزل. "مازال الطريق طويلاً" قلتها بدون ثقة هذه المرة ، فقد كان الزمن ينسحب بالفعل مخلفاً علامات من الاستفهام والتعجب وخطاً أسود يلامس الأفق ويغيب في أحشائه، في أحضان الشفق الأحمر، كان القدر يندفع نحوي عابثاً هادراً وهناك سحابة داكنة بدأت تحجب الأفق، نظرت إلى أطرافي برهبة لم أعد أرى إلا سواد الإسفلت للحظات ولم أعد أطعم إلا المرارة المنتشرة في فمي. كانت روحي تنسحب مني بهدوء وعنف وغيلة. دائرة واحدة فقط وتفارق روحي جسدي بماذا سأشعر بعد ذلك؟!


    حشرجت روحي: لن تشعر لأنك ستفقد قدرتك على الشعور!! ستنتهي أسئلتك إلى الأبد بعلامات استفهام كبيرة، كان حلمي الأخير شفافاً وطفولياً: أن أمسك بحمامة برية جميلة وأن أقلم أظفاري لآخر مرة. كان كل شيء يتلاشى حينها لكني لن أؤذي أحداً بعد اليوم!