رجل القش

21/06/2015 - 9:59:14

صورة ارشيفية صورة ارشيفية

سمير عبد الفتاح

كاتب يمني، صدر له ثلاث مجموعات قصصية، وأربع روايات، وأربعة نصوص مسرحية .


   حركت الريح يديه للخلف ثم أعادتهما للأمام.. صوت حفيف خافت تصاعد وعدة أعواد يابسة تحتك به بفعل اهتزازه... سكن قليلاً ثم عادت الريح من جديد تحرك يديه... المدى مفتوح أمامه والأرض حوله مزروعة بأعواد الذرة الصفراء. ضوء القمر الضعيف يلمع فوق زر سترته المعدني الوحيد.. كل شيء كان هادئاً بعد نهار مليء بضوضاء الطيور التي حلقت فوق الحقل بانتظار غفلة منه لتنقض على العيدان المحملة بالحبوب، وحدها الريح مازالت تعبث به وتمنعه من الاسترخاء والسكون.


ظلام الليل يغطي كل شيء حوله حتى الريح تتخبط في سيرها وتحركه يميناً وشمالاً وأحياناً تعيده للخلف. فقط بصيص من ضوء القمر ينعكس على جسم معدني غريب يستقر عند أطراف الحقل الكبير.


بضع قطرات من المطر انزلقت من رأسه المحشي بالقش وسالت على هيكله الخشبي المثبت على الأرض وامتصت قطعة القماش الممزقة التي تلتف حوله بعض تلك القطرات.


موسم الأمطار انتهى قبل شهر وقطرات المطر القليلة التي سقطت على الحقل قبل دقائق اندفعت من غيمة صغيرة تأخرت عن رفيقاتها فأخذت تفرغ قطرات الماء ليخف وزنها فتحملها الرياح بعيداً. تأمل زر سترته المعدني وعندما تأكد من أن قطرات الماء لم تستقر عليه شعر بالارتياح فزره المعدني هو ما يمنحه أحقيه امتلاكه الحقل ويدفعه لطرد من يحاول الاقتراب منه فانعكاس ضوء الشمس على الزر المعدني في النهار والقمر في الليل يمنحه مزيداً من القوة والثقة لتميزه عن الآخرين.


حركة أعواد الذرة الصفراء اليابسة حوله جعلته يحاول رفع رأسه بحثاً عن غراب يحاول استغلال الظلام لينتزع حبوب الذرة، لكن هدوء أعواد الذرة أعاد له الهدوء.


طوال نهاية فصل الصيف والطيور تحلق فوق الحقل وتتحين غفلة منه لتهجم على أعواد الذرة، لكن حركته تبعث الرعب فيها فتطير لكنها تعود من جديد عندما تسكن الريح. لكن طيران الطيور في الأيام الأخيرة فوق الحقل ازداد بشكل كبير، ولم تنقطع محاولات انتزاع حبوب الذرة طوال النهار. فقط عند الغروب تهدأ الطيور وتعود إلى أعشاشها.


حدق في الأفق أمامه. كانت ظلال الأعواد اليابسة تشكل كتلة كبيرة من السواد. كان يعرف أن الحقل كبير لكنه لا يعرف حدوده.


عاد لتأمل انعكاس القمر فوق الجسم الغريب عند طرف الحقل. الجسم الغريب جاء قبل الغروب بقليل، صوته العالي أزعجه قليلاً كما أزعج الطيور وجعلها تحلق بعيدا. وعندما توقف صوت الجسم الغريب حاول إخافته ليبتعد، لكن الظلام ساد فتوقف عن المحاولة، ومع انعكاس القمر على الجسم الغريب ازداد شعوره بالخطر، وقرر طرد الجسم الغريب عند الفجر فهو لا يريد أحداً في أملاكه. ولا يريد منافسا يلمع أكثر منه.


حركته الريح من جديد وهي تحمل قليلاً من القش المتساقط من الأعواد اليابسة . فكر أن يطلب من الريح التوقف عن الجريان فوق حقله والتوقف عن العبث بالعيدان الصفراء لكنه تذكر أنها تساعده على التخلص من الطيور، وربما ساعدته في إبعاد الجسم الغريب. فقرر الاستسلام لها وتركها تحمل ما تشاء من الأوراق اليابسة وحتى من حبوب الذرة الصفراء.


بدأت خيوط الفجر بالتسلل عبر الأفق. فجهز نفسه ليوم طويل مع الطيور والجسم الغريب، ومع انتشار الضوء أخذت الطيور بالتوافد على الحقل، لكن الريح أخذت بالضعف مقارنة بالليل، فتمنى أن يتصاعد صوت الجسم المعدني الذي يستقر عند أطراف الحقل ليبعد الطيور وبعدها سيتولى إبعاد الجسم المعدني.


ارتفع صوت الجسم المعدني قبل شروق الشمس بدقائق، فشعر بالارتياح وهو يتابع الطيور التي حلقت بعيداً في الفضاء، وببطء أخذ الجسم المعدني يتقدم من أعواد الذرة . وبسرعة أخذت أعواد الذرة تتساقط على الأرض أمام آلة الحصاد.


اقتربت آلة الحصاد منه بعد دقائق، فحاول إفزاعها لكنها لم تبال به وحصدته مع العيدان المجاورة له وحولته إلى قطع صغيرة جدا، واختلط زره المعدني بالحبوب التي أخذت تتجمع في حاوية آلة الحصاد.