كانت للرحى حبات

21/06/2015 - 9:53:08

صورة ارشيفية صورة ارشيفية

راوية جابر

قاصمة يمنية تقيم في جدة، تعمل حاليا مدربة تنمية بشرية، لها مجموعة قصصية عنوانها "حين تبرج الحرير".


    في مدينتي البيضاء الجميلة قام حصنٌ عالٍ، إن ترِكَت سِدة البيت ودرَجها تحتك فأنت حتمًا في الصرح على مقربة من باب غرفة في وجه أول دورٍ مظلم. فجأة تربّت بفقد روائح معتقة على أنفك، وتسرقك من كحل فؤادك، تزين لك بإلحاح خجول فتح باب الغرفة الوحيدة. وحين تفعل تتزاحم على أنفك جيوش مهذبة من تلك الروائح...


    تتوسط الفراغ والصمت من حولك: فرش، سجادة نسيان كبيرة، نسج خيوطها سنابل خضراء وأكواز ذرة نضرة وحبات شعير مرحة، وبعض دخنٍ، وعدس مدور، و"دُجُر مقشور"(1)، وفاصوليا بيضاء ممددة ومثلها حمراء، وبن الضحى أو المساء، وغيرها كثير.


    هنا تقرع الحبات حنينا نازفا للطحن والخَبز، والخُبز والحلوى ك "سبايا"(2) و"بنت الصحن"(3) يتسلط عليهن خوف ٌعميقٌ من زحف جيوش العفن الأخض.. يتلفت القلب ويهتف "حتماً كان هنا عرس صاخب من دقيق وحَب روائحه أزكت أنفي". بقي من الحفل العروس "رحى" لا تزال في صدر المكان تقيم في جلباب صبر وحماس أيضًا؛ يندلق منها دون استئذان حديثٌ عذب: "قد نفضت غبارًا مقيمًا وآخر طارئًا". "تعجب لها فلم تلتفت لعجبه، وتكمل بحماس وألم: "قد اخشن وجهي كما يجب"، وقبل أن تواسيها تباغتك بمرح كقلب طفل لا يعرف الثبات على حال" . لا أحد يهرب من تضريسي له إلا حبات لئيمات متمردات يتقفزن على حوافي كما الفراش "وعاد الصمت منها، وانكسر سؤال ملح عن الحبات الغائبات. يترك المكان أسيانًا ويعطي ظهره لفرحة طحن مؤجلة..


    ـــــــــ


    1 ـ لوبياء


    2 ـ خبز مع السمن


   3 ـ معجنة يمنية مشهورة بالسمن وتؤكل مع العسل، تشبه "الفطير المشلتت" في مصر.