قــهوة مــرة

21/06/2015 - 9:51:52

صورة ارشيفية صورة ارشيفية

انتصار السري

قــاصــة وكــاتــبة .عضـــو نادي القصة اليمنية (إلمقه) واتحاد الأدباء اليمنيين. لها أكثر من مجـموعة قــصــصية ، وشاركت في كتاب الأنطولوجيا العربية للقصة القصيرة جد بصيغة المؤنث، وأنشطة أخرى منها ملتقى الرواد الكبار للقصة القصيرة جدا في الأردن 2014.


    بالقرب من النافذة جلستُ، راقبتْ عيناي ندف الثلج المتساقطة تطبع قبلة على ذلك الرصيف المزدحم بالمارة، ببطء تعلن موتها على معاطفهم. المقهى في ذلك الصباح الشتوي خالٍ من مرتاديه. هناك شخصان بالقرب من الباب ينتظران قريبا لهم قادماً إلى مطار باريس. تراقب عيناهما المضطربة ساعة مسفوكة على الجدار. طلبتُ فنجان قهوة، من حين لآخر أتطلع إلى وردة حمراء بجوار جريدتي، ارتسمتْ بسمة على ثغري، تذكرت طلب حبيبتي بوردتها كل صباح، أمسكت جريدة الصباح أقلب صفحاتها، أفتش بين عناوينها، تضيع الحروف بين السطور، صور للانفجارات تنضح بها بلادنا العربية، نهر من الدماء يغلفها، أطويها بلا حماس تقريبا، أترقب قدوم القهوة.


    وضع النادل فنجان القهوة أمامي على المنضدة، ارتشفت منه رشفة كانت مرة، لونها أسود كليل مظلم، أشعلت سيجارة تحرق الوقت، تتصاعد مخيلتي وتدور في حلقة دخانها اللولبية أراني أستقبل حبيبتي، أضمها إليّ، أمسك يدها، وإلى محل كوافير أصحبها، كي تقص شعرها الطويل، ألبسها أجمل الثياب، تتزين. نطير إلى مدينة الملاهي، أطوف بها شوارع ومقاهي باريس، تبهرها مسارحها، نشاهد فيلماً رومانسياً في إحدى دور السينما، نتسكع على ضفاف نهر السين، نأخذ صورا تذكارية بالقرب من قوس النصر، تطوقني ذراعاها، تشدني إلى رقصة غجرية على أنغام عزف الاكرديون المتجول، نشاهد معالم باريس من على برج إيفل. نتناول عشاءنا في حانة تطل على نهر السين. نسهر في ملهى ليلي. في إحدى زواياه يدانا تتهجيان أولى خطواتهما. يعلو صوت الموسيقى. أشد يدها بلطف. نترك العنان لأطراف جسدينا ينقشان على مهل ذاكرتهما المجنونة. حتى يصيبهما الإرهاق. ينهكهما تعب الرقص. نمضي أولى ليالينا بفندق درجة متوسطة. نترك لغة الجسد تتحدث، هي لغة لا تحتاج إلى ترجمة، تتوقف عندها بوصلة خارطة الطريق رماد سيجارتي يتساقط على بقايا قهوة باردة، صوت يعلن وصول الرحلة التي بها حبيبتي، أتوجه نحو صالة الاستقبال التي تكتظ بالقادمين، عيناي شاخصتان نحو أجساد أنهكها طول السفر، تفتش عن أنثى. صوت جلبة أحدثها رجال الأمن، رأيتهم يتحلقون حول امرأة ترتدي نقاباً أسود يخفي ملامح وجهها، بدت كخفاش أسود تتلحف بعباءة سوداء، تحمل في يدها وردة حمراء، وفي يدها الأخرى حقيبة يدوية، يغشاها الاضطراب... فجأة يرتفع صوت ضابط الأمن قائلا:


    ـ  تفرقوا، انبطحوا هناك إرهابية.