فنجان

21/06/2015 - 9:48:08

صورة ارشيفية صورة ارشيفية

مها صلاح

كاتبة لها مجموعة قصصية وكتاب مشترك عنوانه "أمنية ومنار" حكاية للأطفال


    الزحام على أشده، الباصات تطلق أبواقها وعوادمها بكل راحة، شمس الظهيرة تسكب حرارتها بسخاء شديد، الشارع مكتظ بالحركة، والوقت يمر بلا رحمة، السائق منتش بخده المنفوخة بالقات، صوته يعلو على صوت "أبو بكر سالم" (أنت الأمان.. أنت الأمان بدنيتي.. لا.. لا.. ما أنت الأمان). تشعر بالضيق يقترب الباص من الحي الجديد الذي انتقلت إليه، ترتفع دقات قلبها يتصلب جسدها ويتصبب العرق البارد من جبينها، هذه محطتها تسمع صوت قعقعة عظامها المتصلبة حين تنزل من الباص، تدلف الحي الذي لم تعتده بعد ولم يعتدها، لا تدري لم تظن بأنه لا يرحب بها ولا تنبسط أساريره ويهش لها حين تأتي، حي غريب متجهم، بحثت عن المفاتيح في الحقيبة ارتعشت أصابعها من الانفعال قبل أن تدير قبضة الباب دخلت بحذر للصالة ومن ثم للمطبخ وغرفة النوم، أطلقت زفرة ارتياح لم يكن قد عاد بعد للمنزل، صدمتها رؤية بقعة الدم على الجدار أعادتها لليلة الأمس المضنية، تحركت بسرعة وأحضرت دلوا به ماء وصابون وشرعت في تنظيف البقعة من على الجدار، جمعت قطع الزجاج الصغيرة المتناثرة على الأرضية قبل أن تكنسها تماماً. مصت إصبعها التي وخزتها إحدى القطع الصغيرة وشعرت بالنزيف في قلبها، جمعت بقايا الأوراق الممزقة، تسمرت للحظة حين سمعت المفتاح يدور في قفل الباب، تجمد الدم في عروقها مرت اللحظات كأنها دهر، صدح صوت "أبو بكر سالم" في روحها (أنت الأمان ... أنت الأمان بدنيتي)، بخطواته الثقيلة ولج غرفة النوم، جبينه مربوط بضمادة. وجهه شاحب، أفرغ محتوى جيب البنطلون على الطاولة بعض القطع النقدية والأوراق، التقت نظراتهما، أشاح بوجهه عنها، وبدون كلمة خرج من الغرفة الأغنية تطن في رأسها (لا..لا.. ما أنت الأمان). لم تقو على بلع ريقها، سمعت صوت تحطم فنجان في المطبخ، وضعت يديها على أذنيها وأغمضت عينيها بقوة. غفت قليلاً وشعرت بيد تهز كتفها فتحت عينيها بصعوبة كان قريباً جداً منها تكثفت أنفاسه على وجهها رفعت عينيها ولمحت الجرح الأحمر المفتوح في جبينه سرى تيار كهربائي في جسدها تمدد الجرح أكثر نزل باتجاه الأنف.. الفم.. الذقن. اتسع من جوانبه كشرخ صغير اهتز الرأس كله اهتز الجسد الرابض أمامها سمعت صوت تحطم الفناجين الدم المتطاير باتجاه الجدران والوسائد، انفلق الرأس إلى نصفين صرخت بأعلى صوتها، استيقظت من نومها فزعة، تقرفصت كجنين محتضنة نفسها وشرعت بالبكاء.