زوج لأمي

21/06/2015 - 9:44:03

صورة ارشيفية صورة ارشيفية

ريا أحمد

كاتبة وصحفية صدر لها ثلاث مجموعات قصصية، وكتاب عنوانه "كلمات بلا حروف، أجساد موقوتة".


    لا يوجد تجمع نسائي أو تسامر رجالي إلا وتكون (شمس) فاكهة المجلس، الجميع يذكرونها ويتندرون براءتها، وربما يشفقون لحالها. شمس ذات الخمس سنوات الباحثة عن زوج لأمها تريد أن تحقق معادلة بسيطة مفادها أن زوج أمها سيكون بالنتيجة أبا لها، حيث إنها لم تعش تجربة قريباتها وبنات جيرانها وصديقاتها بأن يكون لها أب. لم تعش تجربة أن يكون رجل في منزلها يرعى امرأة وأربع بنات هي أصغرهن. تحلم بأن يكون في بيتها رجل يصرخ ويهدأ، يلاعبهن ويرافقهن إلى مشاويرهن الخاصة، رجل يُستأذن منه في حالة إن أردن الخروج. رجل يوصلهن إلى المدرسة ويمر لأخذهن من هناك. رجل يوصد باب غرفته عليه وعلى والدتها، لا يهم ما الذي سيفعلانه خلف الباب الموصد ولكن المهم أن ثمة رجلا بينهم. ولأن هذه الأحلام تراود وبقوة الصغيرة شمس فقد بدأت تبحث عن ذلك الرجل الذي رأته ذات يوم وهو يصلح حمام منزلها.. رأته يصلح ما عجزت أمها عن إصلاحه، أصلحه ببراعة فأعجبت بتلك الشطارة التي يمتلكها فسألته ببراءة: «هل تتزوج أمي؟» ضحك الرجل كثيراً وقال لها بكل أدب: "لا ينفع".


    لم تكرر شمس السؤال وصمتت رغم أنها لم تقتنع برده، فيما بعد اتضح لها أنه على حق فلا يمكن أن تقبل أمها الدكتورة في العلوم الاقتصادية والأستاذة في الجامعة الزواج بسباك. ذات مرة رأت رجلاً يقوم بتوصيل أسطوانات الغاز إلى منزلها وقام دونما تعب بتوصيل الأسطوانة إلى المطبخ في الدور الثالث وتركيب الأسطوانة والتأكد من عدم تسريب الغاز منها. أعجبت كثيراً بقوة ذلك الرجل؛ فما كان منها إلا أن سألته ببراءة: «هل تتزوج أمي؟». نظر إليها الرجل بشفقة قائلاً: «ولكنني متزوج ولدي أبناء». صمتت شمس واقتنعت بكلامه لأنه لا يجوز من وجهة نظرها أن يتزوج الرجل بوالدتها ولديه زوجة وأبناء، فيما بعد اتضح لشمس أنه من غير الممكن أن تقبل والدتها الأستاذة في الجامعة أن تتزوج بائع أسطوانات الغاز.


    ظلت شمس تبحث بدأب عن زوج لأمها وأب لها، فتارة تسأل حارس العقار المقابل لمنزلهم حيث رأت فيه الشجاعة وفكرت بأنها ووالدتها وشقيقاتها سيشعرن بالأمان تماماً، فهو أكيد سيحرسهن ويشعرهن بالأمان فذهبت إليه ذات مرة وسألته ببراءة: "هل تتزوج أمي؟"، ضحك الرجل طويلاً ثم أجاب: "وهل سترضى أمك الدكتورة أن تتزوج حارس عقار عجوزا مثلي؟". اقتنعت شمس برده فالتجاعيد تملأ وجهه واللون الأبيض هو السائد على ما تبقى من شعره. لم  يكن سؤال شمس فقط لحارس العقار وبائع أسطوانات الغاز والسباك ولا حتى للدكتور الذي يعالجها كلما مرضت هي أو إحدى شقيقاتها ولكن السؤال شمل أيضاً آباء صديقاتها في الحي، حتى أن بعض أمهات صديقاتها كن ينهرنها عند سؤالها أزواجهن ذات السؤال ويقلن لها بحزم وغضب: "هل أمك من طلبت منك أن تسألي هذا السؤال؟".


    أم شمس لم تكن تعلم بذلك الجهد الدءوب الذي تبذله ابنتها للبحث عن زوج لها، ولكن أخبرها ذات مرة الدكتور الذي كان يعالج شمس، فكان الخجل والإحراج هما ما يسيطران على الأم حينذاك. ما الذي يجعل ابنتها تقوم بالبحث والسؤال عن رجل تراه شمس أباً مثالياً لها سواء أكان قوياً كبائع أسطوانات الغاز، أو أميناً كحارس العقار، أو شاطراً في عمله كالسباك، أو ذكياً يخلصها من الألم كالدكتور أو.. أو.. ألم يكن من الأحرى أن تسأل عن والدها الذي تركها وهي لا تزال في أسابيع عمرها الأولى مفضلاً الهجرة تاركاً شمسا وأمها وشقيقاتها دون أن يسأل عليهن ولو حتى باتصال هاتفي؟ ما الذي يجعل طفلة كشمس تبحث عن رجل في حين أن والدها حي يرزق وهي تعلم ذلك، بل تعلم أن لديه أطفالاً من زوجته الجديدة هل هو شعورها بأن رجلاً يترك بناته صغيرات دونما سؤال أو تواصل لا يستحق أن يكون رجلاً يكون في محيط حياتها؟ وربما لأنها لم تره قط أو تسمع عنه هو ما جعلها تبعده كلياً عن تفكيرها؟ شمس ذات السنوات الخمس الباحثة عن زوج لأمها كفت اليوم عن البحث ولكن الأحلام لا تزال تراودها بوجود رجل ربما يصرخ في وجهها أو يضربها أو يمنعها من الأشياء التي أباحت لها أمها القيام بها، لا تزال تحلم برجل يوصد باب الغرفة عليه وعلى والدتها، تريد أن تشعر بوجوده، أن تفخر به بين صديقاتها، رجل يعطف عليها ويشعرها بحنانه، يحملها على كتفيه مسرعاً نحو الطبيب إن شعرت بألم أو مرض. تحلم بأب لا يتركها ويذهب بعيداً دون أن يسأل عنها أو يأخذ صورها على الأقل للتذكار، أب يتشاجر مع والدتها ويعاود التصالح معها. لا يهم كيف يكون شكله، وكيف ستكون طباعه، ولكن المهم هو وجود رجل في البيت. لقد تعبت وملت حياة مليئة بالنساء فقط. لم تسأل شمس لماذا تركها والدها مع شقيقاتها ووالدتها ولا يهمها أن تعرف ما المشاكل الكبيرة التي أدت إلى تركه البلاد بأسرها، ولكن يهمها أن تعرف هل من الممكن أن تقبل والدتها بزوج جديد، وبالتالي يكون لها أب يملأ حياتها وينظمها تماماً كما يحدث مع صديقاتها وجاراتها وبنات أخوالها وخالاتها. اليوم إذا حدث وأن التقيت شمس وسألتها عن قصة بحثها المكثف لرجل يكون زوجاً لأمها وأباً لها وشقيقاتها سترد عليك بكل براءة: «أريد زوجاً لأمي يكون لي أباً يخاف عليّ يشعرني بالحنان والأمان، يكون لي سداً منيعاً ضد أخطائي وأخطاء الغير. يرفع من قدري أمام الآخرين». ولكن هل تستوعب شمس أن زوج الأم مهما علا شأنه ليس البتة كالأب مهما قل شأنه؟