القرآن ينصف حواء من غواية آدم

18/06/2015 - 9:47:39

رجائى عطيه رجائى عطيه

كتب - رجائى عطية

       اعتاد الناس، نقلا عمّا تسلل من الإسرائيليات وجورى بغير فحص، أن ينسبوا إلى حواء أنها سمعت للشيطان وأغوت آدم أن يأكلا من الشجرة التى نهاهما الله أن يقرباها فيكونا من الظالمين.


       ومردود هذه القصة التى تسللت من الإسرائيليات إلى بعض الروايات، ولا يوجد عنها أى حديث نبوى صحيح أو حسن، إنما يرجع إلى ما ورد فى سفر التكوين بالعهد القديم الذى عرض للقصة مرتين، فأما ما ورد بالإصحاح الثانى فلا شىء فيه عن هذه الغواية المنسوبة لحواء، بل جاء به أن النهى كان لآدم « وأوصى الرب الإله آدم قائلاً عن جميع شجر الجنة تأكل أكلا, وأما شجرة معرفة الخير والشر فلا تأكل منها, لأنك يوم تأكل منها موتًا تموت» (التكوين 2 : 15 ـ 18)، ولكن وردت قصة الغواية بالإصحاح الثالث من سفر التكوين (3 : 1 ـ 24)، وإليها ترجع الإشارة الموجزة التى وردت بالعهد الجديد بالإصحاح الحادى عشر من كتاب كورنثوس الثانى والإصحاح الثانى من تيموثاوس.


       ولكن رواية القرآن الحكيم أنصفت حواء وبرأتها من تهمة غواية آدم، وقد وردت الرواية فى ثلاث سور: البقرة والأعراف وطه، ولا أثر فى أى منها لهذه التهمة، بل جاءت على النقيض تحمل صك براءة حواء من هذه المظنة.


       فورد بسورة البقرة « وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداً
حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَـذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الْظَّالِمِينَ * فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا
فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ» (البقرة الآيتان 35 ، 36) ـ ونصها واضح فى أنه قد أزلهما الشيطان.


       وورد بسورة الأعراف « وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلاَ مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَـذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ * فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِن سَوْءَاتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَـذِهِ الشَّجَرَةِ إِلاَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ * وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ * فَدَلاَّهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُل لَّكُمَا إِنَّ الشَّيْطَآنَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُّبِينٌ » (الأعراف 19ـ 22) ـ ونصها واضح فى أن وسوسة الشيطان كانت لهما معًا.


       وورد بسورة طه « فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ فلاَ يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى * إِنَّ لَكَ أَلاَّ تَجُوعَ فِيهَا وَلاَ تَعْرَى * وَأَنَّكَ لاَ تَظْمَأُ فِيهَا وَلاَ تَضْحَى * فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لاَ يَبْلَى * فَأَكَلاَ مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى » ـ وفى تفصيل رواية الآيات بسورة طه، أن الشيطان وسوس لآدم، فأكلا من الشجرة.


        ولا ظل فى السور الثلاث للغواية المنسوبة لحواء.


       ومع أن الأستاذ العقاد أورد آيات سورتى البقرة والأعراف بكتابه « هذه الشجرة » (1945)، إلاَّ أنه استطرد من رواية سفر التكوين، دون فحص آنذاك، إلى تحليل ما جُبِلَتْ عليه طبيعة حواء من « غواية »، ومع أنه لم يبن تحليله على رواية العهد القديم، ولكن على التحليل البيولوجى النفسى، إلاَّ أنه بدقته وحرصه وأمانته، عاد إلى استكمال هذا النقص فى كتابه « المرأة فى القرآن » (1960)، فأضاف ما ورد بسورة طه إلى سورتى البقرة والأعراف، وأكد أنه ليس فى السور الثلاث إشارة إلى ابتداء حواء بالإغراء، وأضاف أن « مروية » العهد القديم تسللت ضمن الإسرائيليات إلى كتابات بعض الأقدمين.


     لقد جاءت آيات القرآن المجيد واضحة صريحة كفلق الصبح، تنصف حواء من تهمة غواية آدم، وترد إليها حقوقًا تراكم الاعتياد على تجاوزها!