مفارقة الجوائز: كثرة الحجب فى التشجيعية وكثرة من يستحقون الفوز فى بقية الجوائز

17/06/2015 - 9:09:51

اجتماع المجلس الاعلى للثقافة أثناء التصويت على جوائز الدولة اجتماع المجلس الاعلى للثقافة أثناء التصويت على جوائز الدولة

كتب - حلمى النمنم

فى الثالثة إلا ربع عصر السبت، انتهى التصويت على جوائز الدولة فى فروع الآداب والفنون والعلوم الاجتماعية، جرى التصويت هذا العام مبكرا عن الموعد السنوى، بسبب إقبال شهر رمضان المبارك، جرت العادة أن يجتمع المجلس الأعلى للثقافة بكامل هيئته وبرئاسة السيد وزير الثقافة، فى الأسبوع الثالث من شهر يونيه، وتم التبكير أسبوعا هذا العام.


قبل اجتماع السبت بحوالى أسبوعين، دعا الأمين العام للمجلس د. محمد عفيفى إلى اجتماع تجريبى للمجلس، إن صحت التسمية، كان الهدف منه تدريب أعضاء المجلس على قواعد التصويت الإلكترونى، الذى بدأ هذا العام، ولم يحضر ذلك الاجتماع سوى 18 عضواً فقط، أى أكثر - قليلا - من ربع الأعضاء، ولما طرح د. عفيفى على الأعضاء قواعد التصويت هذا العام، كان به قاعدة جديدة أقرتها هيئة المكتب بالمجلس، وتقضى بأن يكون الفوز بالجائزة بالنسبة للمرشحين الذين تقرهم لجان الجوائز بالمجلس ضمن ما يسمى القوائم القصيرة هى النصف + واحد، ويبقى الفوز لمن  هم خارج القوائم وفق القانون المتبع، بنسبة الثلثين، وحدث اعتراض على هذه القاعدة، أبداه رئيس مجلس إدارة دار الكتب والوثائق القومية مفاده أن تلك القاعدة الجديدة لم تعرض على المجلس الأعلى ليقرها، قبل تنفيذها، وأنها تخل بمبدأ المساواة فى التصويت بين المرشحين ومن ثم يطعن فى عدالة الجوائز، ويعرضها للطعن القانونى، وقد أيد هذا الاعتراض وأكد عليه كل من صلاح عيسى وجمال الغيطانى ود.أحمد مرسى، غير أنه كان هناك من أيد الأخذ بتلك القاعدة وإلا فلا معنى لعمل لجان التصفية التى يشكلها الأمين العام للمجلس، كما هو متبع سنويا، وطرح جمال الغيطانى أنه فى معظم الجوائز هناك وضع متميز لمرشحى القوائم القصيرة “الثورة لست” وهذا صحيح، غير أن قانون الجوائز فى مصر لا يسمح بذلك ولا يقره أصلا.


الأمين العام للمجلس د.عفيفى نقل هذا النقاش إلى السيد وزير الثقافة د. عبدالواحد النبوى وقرر الوزير العدول عن الأخذ بتلك القاعدة التى طالب أعضاء هيئة المكتب بالمجلس الأخذ بها، غير أن النقاش تجدد يوم السبت مرة ثانية حول ملاحظات عدد من الأعضاء حول بعض المرشحين للجوائز، الأمر الذى دعا وزير الثقافة إلى الوعد بأن يدعو المجلس الأعلى لاجتماع خاص تتم فيه مناقشة الضوابط التى طالب بها الأعضاء، وتتمثل فى أربع نقاط الأولى: إنه لاتوجد قواعد صارمة لعمر التقدم لجوائز الدولة التشجيعية وكذلك جوائز التفوق، والمفترض أن التشجيعية تذهب إلى شاب أو إنسان فى مقتبل حياته، ينال الجائزة تشجيعا له على المضى قدما فى مجاله، ومن ثم لامبرر ولا معنى أن تذهب الجائزة فى هذه الحالة ولايتقدم إليها، مبدع أو باحث تجاوز الستين أو السبعين، بل إنها ذهبت فى إحدى السنوات إلى المرحوم أحمد حمروش وكان قد تخطى الثمانين من العمر؛ الأمر نفسه ينطبق على جوائز التفوق.


الثانية : إنه يجب وضع فارق زمنى بين الحصول على جائزة وأخرى، وليكن ثلاث سنوات للانتقال من التشجيعية إلى التفوق ومن التفوق إلى التقديرية ثم من التقديرية إلى النيل، وهناك من طرح ضرورة أن يكون هناك إنتاج جديد يضاف إلى أعمال التقدم للانتقال من جائزة إلى أخرى، لأن هناك من نال التفوق ثم التقديرية ومن بعدها النيل بنفس الإنتاج، بلا زيادة، حيث يكون لدى أحد الباحثين أو الكتاب عدة أعمال يتقدم بها نفسها للجوائز فى مستوياتها المختلفة والمتراتبة.


ثالثا : الشكوى من كثرة حجب الجوائز، خاصة التشجيعية، وفى المجالات ذات الطابع البحثى والأكاديمى، وهذا العام حجبت 8 جوائز تشجيعية فى مجالات القانون والبيئة والمواطنة، وأوضح د.محمد عفيفى أن الحجب كان أكثر من ذلك بكثير وأنه أعاد النتائج إلى اللجان راجيا أن يبذلوا مزيداً من الجهد للاختيار، وقد اتهمت هذه اللجان بعض أعضاء المجلس بالتقصير وبالكسل البالغ، حيث إن القانون يمنح هذه اللجان حق إدخال أعمال إلى الجائزة لم يتقدم بها أصحابها، لكنهم لايفعلون ذلك كسلا أو عدم حماس، وعبر عدد من أعضاء المجلس عن أن ذلك الحجب يعنى أن 23 جامعة رسمية، فضلا عن عدد مقارب لها من الجامعات الخاصة لاتقدم طوال العام أى إنجاز فى تلك التخصصات، التى دأبت لجان المجلس على حجب جوائزها؛ وأنها إعلان - ضمنى - بأن مصر لاتنتج وليس فيها بحث علمى فى مجالات عديدة بالعلوم الإنسانية والعلوم الاجتماعية ومن بين الفائزين بالتشجيعية المستشارة تهانى الجبالى عن كتابها الحماية الدستورية لمبدأ العدالة الاجتماعية.


أهم ما فى تصويت هذا العام، أنه تم إلكترونيا، وليس بأسلوب رفع الأصابع لمرشح بعينه ثم يتم إحصاء الأصابع، والتدقيق فيها أن التشكيك ثم الإعادة مجددا، خوفا أن يكون خطأ ما قد وقع، هذا العام انتهى كل ذلك، لم يعد الأمر يحتاج سوى الضغط على “ريموت كونترول” فى يد كل عضو بالرقم الذى يختاره، حيث إن كل مرشح يحمل رقما مسلسلاً، من ناحية الوقت تم إنجاز التصويت هذا العام فى وقت أقل كثيرا من نصف الوقت الذى كان يستغرقه التصويت سنويا، هذا العام لم يتجاوز الساعتين، وفى كل عام لم يكن يقل عن خمس ساعات، وكان يصل أحيانا إلى ست ساعات؛ ومع توفير الوقت ثم توفير الكثير من جهد العاملين بالمجلس الأعلى الذين كانوا يتابعون عمليات الإحصاء وتوزيع الأوراق على أعضاء المجلس وغير ذلك.


الأهم فى هذا الأمر أن التصويت الإلكترونى أكثر دقة ونزاهة، تأتى النزاهة من السرية، بينما فى كل عام كان واضحا ومعلنا للجميع من صوت لمن ومن لم يصوت، وذلك كان يعرض الأعضاء لضغوط وقيود أدبية وعوامل ضعف إنسانى، وقد تلاشى ذلك كله، هذا العام، وانعكس فى النتائج، لذا فإن أصوات الفائزين تجاوزت النصف بصوتين أو ثلاثة فى حالة التصويت الرابع، وتجاوزت الثلثين بصوت أو صوتين، فى حالة الفوز من التصويت الأولى، وكان ذلك نادرا هذا العام.


تجربة التصويت الإلكترونى تلك، تنبئ أننا لو أخذنا بقاعدة الحكومة الذكية أو الحكومة الإلكترونية، فإننا سوف نوفر الكثير من الوقت للمواطنين وسنقلل أعداد الموظفين إلى حد كبير والأهم أننا سوف نكسر التوحش البيروقراطى الذى سيطر علينا فى العقدين الأخيرين، نتمنى أن تعمم هذه التجربة على كافة الوزارات والهيئات الحكومية؛ خاصة فى القطاعات الخدمية التى تتعامل بشكل مباشر ويومى مع المواطنين.


فى التصويت على جوائز النيل كانت هناك مشكلة فى كثرة المرشحين لكل جائزة، والمفترض أن هناك جائزة واحدة فى كل فرع، ومع ذلك كان هناك أكثر من مرشح فى كل مجال يستحقون الجائزة فعلاً، لكن لابد من التصويت على فائز واحد، فى جائزة النيل للفنون كنا بإزاء عشرة مرشحين، بينهم سيدة واحدة هى الفنانة القديرة سميحة أيوب، وكان هناك أسماء مثل د. يحيى الزينى، د.عبدالحليم نور الدين والمعمارى صلاح حجاب ود. محمد صبرى.. وفازت الفنانة سميحة أيوب، من التصويت الأولى، حيث نالت حوالى 42 صوتا من بين 59 صوتاً، وفى جائزة النيل للآداب، كان هناك تسعة مرشحين، بينهم سيدة أيضا هى د.نعمات أحمد فؤاد، وكان هناك أسماء مثل جمال الغيطانى وإبراهيم عبدالمجيد وحسن فتح الباب ود.عبدالمنعم تليمة ود. قاسم عبده قاسم. وفاز بها الروائى الكبير جمال الغيطانى، فوزا مريحا، ونافست معه د. نعمات فؤاد، التى لم تحصل إلا على أصوات محدودة فى الجولتين الأولى والثانىة ثم ارتفعت فى الثالثة، لتنتهى إلى صاحب التجليات وأوراق شاب عاش من ألف عام والزينى بركات، كان الغيطانى خارج مصر، فى زيارة إلى أسبانيا وعاد ليلة التصويت.


جائزة النيل للعلوم الاجتماعية، شهدت أكبر عدد من المرشحين لنيلها ،13 مرشحا، بينهم سيدتان هما د.علياء شكرى أستاذ علم الاجتماع بجامعة عين شمس وعميدة كلية البنات بها (سابقا)  ود. لطيفة سالم أستاذ التاريخ المعاصر، وصاحبة الكتاب المتميز عن الملك فاروق، وبين المرشحين لهذه الجائزة أربعة وزراء سابقين وهم اسم المرحوم د. صفى الدين أبو العز، رئيس الجمعية الجغرافية، وزير الشباب فى زمن الرئيس عبدالناصر ثم د. سلطان أبو على وزير الاقتصاد د. محمد على محجوب وزير الأوقاف، ثم د. مفيد شهاب وزير الشئون البرلمانية، وبالتأكيد رشح كل من هؤلاء الأربعة لجهده وإنتاجه العلمى والمعرفى فى تخصصه.. ومن التصويت الأولى لهذه الجائزة كان واضحا تقدم أربعة مرشحين هم د.حسن حنفى، د. جلال أمين، د. صفى الدين أبو العز، ود. مفيد شهاب ليتراجع د. صفى فى التصويت الثانى لتصبح المنافسة بين د. حسن حنفى ود.مفيد شهاب، من التصويت الثالث، وتحسم النتيجة فى الرابع للدكتور حسن حنفى، ويحصل د. مفيد شهاب على 19 صوتاً.


كشف أسماء المرشحين والمرشحات لجوائز النيل عن عدم وجود فصل دقيق بين المتخصصين فى العلوم الإنسانية، د. نعمات أحمد فؤاد، فازت قبل أكثر من خمس سنوات بجائزة الدولة التقديرية فى العلوم الاجتماعية، وهى ترشح لجائزة النيل فى الآداب، وبالتأكيد لاتثريب فى هذه الحالة، هى صاحبة مؤلفات عديدة فى المجال الأدبى، ولها أعمال أخرى فضلا عن دورها فى العمل العام، منذ التصدى لقضية هضبة الهرم فى سنوات السبعينيات، يدخل بها فى مجالى العلوم الاجتماعي، والطريف كذلك أن أستاذ التاريخ  المتميز د. قاسم عبده قاسم رشح لنفس الجائزة فى الآداب، رغم أنه نال التقديرية فى العلوم الاجتماعية، بحكم تخصصه وإنتاجه العلمى.


فى جوائز الدولة التقديرية، مرت أمور التصويت بهدوء، وفى جائزة الأدب فاز من التصويت الثانى بأغلبية مريحة الشاعر حسن طلب، وهو له موقف انتقادى حاد من وزارة الثقافة، يجعل البعض يغضبون منه أو يعتبون عليه، لكن موهبته وإنجازه الشعرى كان موضوع التصويت والجائزة، ففاز بها عن جدارة واستحقاق وفازت بها أيضا الكاتبة فوزية مهران بعد طول نسيان لها من الحياة الثقافية، وفى الفنون نالها رمسيس مرزوق من التصويت الأولى. وفى العلوم الاجتماعية د. فتحى أبو عيانة نائب رئيس جامعة الإسكندرية سابقا وأستاذ الجغرافيا المتميز .


الجائزة الأكثر إرهاقا للمرشحين وللمصوتين وللعاملين بالمجلس الأعلى للثقافة، هى جائزة التفوق، ففى مجالى العلوم الاجتماعية كان هناك 47 مرشحا وفى الفنون والآداب تجاوز  المرشحون الأربعين، وهنا تكون المفاضلة صعبة، خاصة فى المراحل الأولى من التصويت، وفاز من التصويت الثانى فى الآداب د. عبدالناصر حسن عميد آداب عين شمس ورئيس دار الكتب والوثائق القومية (سابقا) وفى الفنون هانى شنودة.


أعلنت الجوائز، وفاز بها من يستحقها، ومن الجميل أن يكون هناك مستحقون كثر، لكن عدد الجوائز لايكفى، فهذا يعنى ثراء الحياة الأدبية والنقدية وغنى مجالات الفنون بالمبدعين وخصوبة الدراسات الاجتماعية، أما الحجب كما حدث فى التشجيعية، فهو يعنى أن هناك أزمة ما، وما بين اتساع المستحقين وكثرة أعدادهم فى مختلف الجوائز، وندرتهم - طبقا للجان المجلس الأعلى- فى مجال الجوائز التشجعية تكمن المشكلة، التى يجب أن نصل فيها إلى حل؛ وهذا دور المجلس الأعلى للثقافة رئيسا وأمينا عاما وأعضاء.