بيتك ومطرحك..

17/06/2015 - 9:00:03

حمدى رزق حمدى رزق

كتب - حمدى رزق

لا ترتاح إلا فى سريرك ولو نمت على ريش نعام فى «الريتس»، ولا تستمخ إلا من طبيخ أمك ولو كان «الشيف الشربينى»، الطبيخ نفس، فيه ناس بتعمل دماغ طبيخ، ولا يحلى السهر إلا فى بلكونة منزل العيلة تنتظر طلة بنت الجيران، نظرة فابتسامة فموعد فلقاء، قطع سهر النت وسنينه.


ولا يجرى القلم سيالًا بحروف من حب إلا فى مطبوعة شهدت كتابة اسمك بحروف صغيرة «9 أبيض» تكاد لاترى بالعين المجردة، على خبر صغير لا يكاد يلفت نظر مدقق، وفى زاوية منسية فى آخر الصحيفة، جنب فطاحل كانت كل أحلامك أن تراهم من وراء الزجاج الفاميه، وتشاور لهم ولا يرونك وتظن فرحاً أنهم يردون التحية بأحسن منها، فتعود إلى أهلك مسرورًا.


أول مرة أرى اسمى منشورُا كان على تحقيق صحفى، آسف يمكن أن تقول عليه تحقيق، كان عنوانه «كتكوت يسند الجبل المهدد بالانهيار»، عن انهيارات الطريق الصاعد إلى المقطم، حيث كنت أكسب شقاء ما يعيننى على الحياة.. فقير وطامح. 


وقتئذ، ياااااااه، أيام كنت أسكن فى «ناهيا» فاكر العنوان جيدًا، 14 شارع أحمد طلبة، غرفة صغيرة مخنوقة كقلاية الرهبان فى شقة جنب عشة الفراخ، يقينا الفراخ كانت تأنف جيرتنا، شقة ماهى بشقة، يقال عنها «مفروشة»، لا أخفيكم كانت مفروشة فعلًا بالضحك والقلش والتهريج ومفعمة بالطموح.


تخيل شباب، خيول جامحة فى شرخ الشباب ينامون على حاشية خشنة كالتى فى برش سجون المنطقة المركزية «برش سجن الخليفة قبل الثورة نموذج ومثال»، ويغتسلون بماء «الزير» فى برد طوبة اللى يخلى الشابة كركوبة، وننام على الجوى ونملأ فضاءنا اللانهائى من الأمل بدخان سيجارة رخيصة، لف، نخمس، وكأننا نشد فى آخر أنفاسنا.


 كانت الصلاة حاضرة، ومدفع الإفطار يداهمنا والقدر يغلى على النار بماء قراح، ولكن مذاق «التورلى» سكر فى حلوقنا، وتلوك ما تيسر من لحم السنتنا، ويؤمنا «زين»، كان حقوقيًا من الفيوم، عفريت ينتظر البيضة من خلف الديك، والديك باض على الوتد.. شفتم مرة الديك يبيض، وعلى الوتد، حاجة كده زى بيض الأرانب، ونضحك حتى نستلقى جثثًا هامدة، هدها الفقر والجوع والمرض، الحمد لله كنا متعلمين. 


تظل حروف اسمى الصغيورة تسكنى، لم أبال لاحقاً بحجم البنط فى اسمى، الصغير بكره يكبر، وأصبح إذ فجأة رئيس تحرير، مشوار طويل، وكان ماكان، ولا يحلى الكلام إلا بذكر النبى عليه أفضل السلام.


بيتك ومطرحك، خرجت من «روز اليوسف» التى شهدت صباى، وكتب فيها اسمى لأول مرة على أول تحقيق فى أول مطبوعة، عشقتها، ولكن قدر الله، خارجًا من بوابة المبنى القديم قبل أن تدخل روزاليوسف الفقيرة مرحلة القصور الرخامية، قلت والله لولا أن أهلك أخرجونى ما خرجت، وعدت حبًا كاتبًا إلى حين.


واستقبلنى قلب دار الهلال الكبير، صعدت الدرج لاهثًا، أكره صعود السلالم لأسباب صحية من أثر التدخين، أدخن قبل أن أكتب، وأثناء الكتابة وبعد الكتابة، ارتباط شرطى بين الكتابة والتدخين، طبعاً ليس من شروط الكتابة التدخين، هذه عادة سيئة ولكن بجملة السيئات، الحسنات يذهبن السيئات، أرجو أن أكون أحسنت، وإن أسأت فرمضان فرصة للعفو والمغفرة والغفران، اللهم اغفر وارحم وأنت أرحم الراحمين.. آمين.


نعم دار الهلال بيتى ومطرحي فيها نشأت، وفيها كتبت، وفيها كنت مرءوسًا لأفاضل، ومعلمين، وشيوخ، وزملاء، فيها تعلمت الحروف كلها، أذكر أمينة هانم السعيد صاعدة الدرجات الرخامية بتؤدة وبثقة، تلصصت على اجتماع الهوانم على قهوة الصباح، تفوح من ملابسهن عبق جميل، شاهدت فتوة شيخى ومعلمى مكرم محمد أحمد المهنية، جبار لا يقدر عليه مهنيًا إلا مكار، كنت كالثعلب المكار، أخشى منه وأتثعلب عليه، كان طيبًا قاسيًا كأب يحب ابنه لدرجة القسوة مخافة عليه.. يعيد عليه الأيام بخير.


وكانت لنا، حلمى النمنم ابن أيامى وثالثنا الصعيدى الموهوب عادل سعد فى مكتب الأخ الكبير يوسف القعيد أيام سعيدة، واتسع مكتبه، فتح على بيته، كانت زوجته «ام أحمد» الله يرحمها تتكفلنا فى رمضان، نأكل ونشرب ونضحك، كم أنت كريم ياعم يوسف، متعك الله بالصحة والعافية.


وغمرنى غالى محمد قبل أن يصير رئيسًا، بكرمه الطائي، ولائم غالى فى فطورات رمضان لحم فى لحم، معلوم غالى من أكلنى اللحوم الحية، طبعا هذا كان يعجب سليمان عبدالعظيم، سولم العجيب، وضحكته التى تشبه قرقرة قلب الجوزة، يحب السمين نكاية فى السكر اللعين.. يداعبه الثعلب المكار مجدى سبلة الشهير بسنبل، قبل المسلسل الشهير، زوجة مجدى «أم أحمد» نفسها فى الطبيخ يصل بين كفر سعد ودار الهلال، «بورى» زوجته «أم أحمد» فى رمضان، لا ينافسه إلا لحمة رأس العمرانية تحت بيت عادل سعد، كانت أيام. 


بيتى ومطرحى يأتى عليه رمضان هذا العام وأنا بعيد، توحشنى «لمة» الأحد، وفطورات السكرتارية وقسم التصحيح، بتوضيب عبدالوهاب الصادق، وسلطات محمد عبدالحافظ، وعرقسوس أحمد نجيب ، يغادرنا أحمد النجمى عادة يفطر مع أمه، الآن يفطر مع لولو، ربنا يخلى.


ونصطف، ونستقيم، ونحاذى المناكب، ونسد الفرج، وصوت أحمد أيوب ينساب حلوا فى ترتيل صلاة المغرب، لو لم يكن أيوب صحفيًا نابغًا لكان من أساطين تجويد القرآن الكريم، كنت حتمًا سأصادفه فى مأتم يقرأ من قصار السور، أحببته صحفيًا يكتب من طوال القصص الصحفية الحريفة قبل أن يدهمه الضغط فصار يأكل الطعام مسلوقا.


رأيت اسمى فى مطبوعات كثيرة، أذكر مطبوعة لم يكتب فيها «حمدى رزق»، كانت نكتة لطيفة يغمزون بها فى جانبى، ولكن اسمى فى «المصور» مكتوب، وفى «دار الهلال» بيتى ومطرحى، لايزال هناك لى مكان فى القلوب، فى انتظار فطور غالى محمد لينفى شائعات البخل التى بات عليها، يارب دمها أيام دار الهلال واحفظها الدار لشبابها من الزوال.