قصة وفاء نادرة .. عبدالعال فقد بصره .. فردت مطلقته : أخدمك بعيوني

11/06/2015 - 10:40:13

الفنان عبد العال الفنان عبد العال

كتب - طاهر البهي

عرف الفنان الكبير عبد العال  بـ"دون جوان البورتريه" وهو واحد من أكبر فناني البورتريه في مصر والعالم العربي, كان يتجول حول ضريح "الطاهرة" ممسكا بكاميرا حديثة ولا يلتقط صورا إلا للنساء العجائز البسطاء، إلا أنني لم أحضر "المولد"، هذا العام لكن ألح علي خاطري أن أسأل عنه، وكانت الصادمة.. فقد فقد عبد العال سمعه وبصره، فسعيت إلى زوجته الصديقة والأخت الرقيقة دينا توفيق الكاتبة الصحفية بالأهرام، التي بادرتني بالخبر الأسوأ وهو طلاقهما منذ سنوات، ورغم ذلك عندما أصاب المرض زوجها السابق ووالد أولادهما، فإنها لبت نداء الواجب، وأنها تكلمني الآن وهي جالسة عند  قدمي عبد العال.


قصة وفاء نادر لامرأة لم تنس يوما معروفا جمعها بمطلقها فلم تستطع أن تتخلى عنه في تلك المحنة مهما كلفها ذلك من مشقة.. الإنسانة والكاتبة دينا تحكي مشاعرها الفياضة دون تدخل في الصياغة..  


لا يزال عبد العال هو الراعى الرسمى لأفراحى وأحزانى، ولايزال صاحب الحظ الأكبر من تلك السعادات المغلفة بالسكر وتلك المشاعر المتغلغلة فى روح المرار التى لطالما اجبرتنى المحبة أن ألوكها بصمت لأننى عشت معه أياما وسنوات.. أيام العناء وأيام الرخاء.. وفى السنوات الأخيرات غادرته باقتناع حتى عودتى ثانية إلى حيث يقضى ليله ونهاره, لأعود شريكة الصباحات والمساءات من جديد.. ليس بسبب أننى زوجته ولكن لسبب آخر تماما يتلخص فى أنه عشرة عمرى فحسب..


ولقد عاودت الظهور منذ شهور فى مجريات حياة عبد العال زوجى السابق الذى لن يكون بيننا زواج ثان ولكن ستكون بيننا حياة من نوع خاص فرضتها عشرة  قديمة ولن يرعاه سواى أنا حبيبته السابقة بجدارة وأم أبنائه بمنتهى الفخر..


عاشق النساء


ولتكن الحكاية عن رجل أحببته وأنا فى عمر السادسة عشرة, وعشقته وأنا فى التاسعة عشرة من عمرى, وتزوجته وأنا فى العشرين, وغادرته وأنا فى الأربعين, وعدت أرعاه وأنا فى الخمسين..


حكاية طويلة نستهلها بالوصف والنعت الذى ينحت الصفات المؤثرة فى شخصية فنان البورتريه العملاق عبد العال حسن..


عبد العال عاشق النساء وفالنتينو اللوحات الملونة بأحاسيس المرأة.. ذاك الرجل الذى بأنامله الذهبية كان يخلع عليها الصفات وربما يخلع عنها بعض الملامح الأخرى لتبدو الأجمل والأروع فى العيون.. عيون المشاهدين.


رسول الألوان


عبدالعال رفيق العمر الذى كان حبيبا وزوجا وأخا وأبا فى سنوات مضت, وكان طليقا غيورا متجنيا لسنوات أيضا.. وهو نفسه عبد العال الذى لا أستطيع الآن التخلى عنه أو اعتباره شيئا سوى ابنى.. رغم أن لنا أبناء.. ولدان وبنت كبار الآن..


هو صاحب ضربات الفرشاة الرقيقة الصارمة فيتألق الماء بزخم برودته وتتحقق السخونة بالكارمنات والبرجندى "لظا" يستعر شوقا وهياما على لوحاته.. هو صاحب الألوان الساخنة والباردة معا فى حالة خاصة من الفن والحياة..


نصير الفقيرات


الحق والحق أقول لكم إن عبد العال وجد من تلك النسوة المطحونات ملح الأرض فلا حياة بلاهم، هن عنده من يمنحن الدنيا طعمها.. فلا حياة ولا شمس غد بلا نسوة تأخذن العيال تحت الجناح وإن فر الرجال.. هكذا يرى عبد العال النساء فى مكابدة الحياة بلا راحة وإن كن رمز الجمال وبريق الحلى الذى يواسيهن فى أتراحهن المرغمات على عبورها بقوة..


الصعيدية والفلاحة


عبد العال وجد لدى كل تاء التأنيث سلوى الحكايات والقصص النبيلة.. فكانت لكل لوحة حكاية بين صعيدية وفلاحة وعرباوية..


نعم كان يمشى بالشوارع والأسواق فينل من كل امرأة يرسمها حكاية..


حكاية ملونة بإشعاعات الشموس وفضة الأقمار وماء النهر وموج البحر.. إنه عبد العال الحكاء الجسور باللون والفرشاة على أوراق القلب.. فتلك القابعة باستكانة تنتظر يد تمتد لفرشتها وقروش زهيدة.. وتلك المتنمرة بنظرتها تبحث عن شارى.. وتلك الجالسة على باب بيتها.. والأخرى التى تؤانس صديقتها.. والأخريات الحاملات الجرار والسلال الخوص الممتلئات بالخيرات الصبوحات ببريق الصبح والمزدهرات بادعية الحمد.. وتلك النسوة يركبن الحمير والبغال التى لم أر أجمل منهن بعيونهن الواسعات فى الطريق إلى الحقول.. بنات ونسوة البلد.. متألقات فى لفتات ولفحات ألوان عبد العال وكأنهن الحكايات فى قصائد اللوحات..


طعم الغيرة


فى الماضى كنت صغيرة فى العشرين، كنت أغار من "حواءات" عبد العال وكنت لازلت طفلة حين تزوجته.. كنت فتاة صغيرة يافعة تغار على حبيبها الأربعينى الوسيم الذى تتعلق بعيونه الجميلات.. كنت أغار أن تلفته أخرى.. ومضت السنوات ولم تعد للغيرة موقعها فى قلوبنا المحبة بعشق وإخلاص.. ولكن تتغير المشاعر وتنضج مفردات الحياة وما كان فى الحب صالح للأمس لم يعد مجديا اليوم.. وافترقنا.


وحتى حين فارقته لم أكرهه وظل ذاك النجم عال المقام بفنه وإبداعه معظما فى خاطرى.


عشرات الأغلفة وملاحظة عادل حمودة


وتتفرق بنا السبل أنا امرأته وزوجته الأثيرة الحبيبة لم أعد.. ظلت وجوه نسائه تشبهنى كثيرا كما كان يقول بالأمس حين يداعبنى "أنت بنت ذوات".. ولقد رسمنى مرارا, لوحات توضع فى الصالونات فوق المدفأة, وجعلنى غلافا لمرات..  ولكنه كلما أقدم على رسمى كان يخبرنى أنه يرانى فى كل الأثواب المشرقة بملامحى الارستقراطية, ولكن هو يرسم بنات البلد ويخلع عليهن من "عيونى" لمحة.. بل إنه فى مرات كثيرة كان صديقنا الكاتب الكبير عادل حمودة يحضر معرضا له، فيقول لى تعليقه الذى لا يمله "أننى أرى عيونك فى كل لوحات نساء عبد العال".


بلا ألوان.. ولا عبد الوهاب


آه أيها المرض اللعين تحملنا ما لا طاقة لنا به.. تعذبنا بأشياء ليست من اختيارنا, فهل اختار عبد العال أن يفقد ألوانه؟ ورغم ذلك فقدها.. وفقد كثير من متع حياته فلا ألوان ولا كتب فن ولا سماع للأوبرات ولا للموسيقى الكلاسيكية ولا لعبد الوهاب وأم كلثوم.. بعد أن فقد السمع والبصر.


كل ما كان يعشقه عبد العال صار حلما يراوده ويبثنى فيه حزنه.. يردد على وأنا فى قمة الألم "أبيع الدنيا يا دينا كلها وأمسك فرشاتى وأجلس أمام لوحتى أبوح لها بأسرارى". 


إنه عبد العال صاحب الحكاية كلها من البداية للنهاية..


فسلام عليك أيها الفنان العظيم..


سلام عليك ولك..


وسأظل بارة بك يا معلمى وصديقى وأبو أولادى ويا من صرت ابنى الآن..


إننى أرد لك ما منحتنى إياه طفلة..


مدينة لك أنا بما علمتنى إياه من مبادىء الحرية التى لأجلها فارقتك ولأجلها أنا معك الآن أخدمك بنور عينى ودمع الماقى اليوم.