يوم كشف الأخطاء وفضح المقصرين السيسى .. رئيس يحاسب نفسه

10/06/2015 - 1:46:56

كتب - أحمد أيوب

لم يكن الأحد الماضى مجرد يوم لافتتاح مشروعات تنموية مهمة نفذتها القوات المسلحة والحكومة، وإنما كانت جلسة حساب ومحاسبة، رئيس قرر أن يحاسب نفسه على الملأ ويحاسب كل من تحملوا معه المسئولية عن عام قضاه فى الاتحادية، قرر أن يفتح كتابه أمام الشعب ويقدم بنفسه كشف حسابه هو والحكومة التى تعمل معه، بحسناتها وخطاياها، بإنجازاتها وعثراتها، بلا خجل ولا وجل، فالشعب الذى اختار من حقه أن يعرف ماذا فعل له من اختاره ومنحه ثقته، لم يكن الرئيس يقصد جلد الحكومة ولا تعريتها كما يحاول البعض أن يروجوا، وإنما كان واضحا أنه يضع قاعدة رئاسية مصرية جديدة، يطبق سنة لم نعهدها من قبل، وهى الحساب.


ربما لهذا استغربها بعض الوزراء الذين كانوا حاضرين مع الرئيس فى قاعة أحد فنادق القوات المسلحة بالقاهرة الجديدة، كثيرون منهم لم يتوقعوا أن تكون نهاية العام محاسبة علنية من الرئيس، كان واضحا داخل القاعة أن أكثر من تفهموا كلام الرئيس هم قيادات القوات المسلحة؛ لأن هذه هى طريقة عملهم، لا يعرفون منطق «ليس فى الإمكان أفضل مما كان» ولا يعترفون بسياسة طى الصفحات وإغلاق الملفات، وإنما دائما ينسون الإنجازات ويحاسبون أنفسهم عن كل صغيرة وكبيرة ليتعلموا منها، ويراجعون أخطاءهم كى لا يقعوا فيها مرة أخرى، مبدأ التعلم من الأخطاء أحد ثوابت المؤسسة العسكرية، ولهذا لم يكن غريبا عليهم أن تتحول مناسبة افتتاح الرئيس لأكثر من 39 مشروعا فى الطرق والكبارى والرعاية الصحية والزراعة إلى جلسة محاسبة رئاسية للحكومة عن 365 يوما تحملوا فيها أمانة المسئولية أمام الشعب.


كان الرئيس واضحا فى أنه لا يقلل مما تحقق من إنجازات فى حكومة محلب، فهو بالمعدلات الطبيعية مقبول وربما أكثر من ذلك، لكن السؤال الذى طرحه.. وهل مصر تحتاج إلى العمل التقليدى والمعدلات الطبيعية فقط؟


لم ينتظر السيسى من يجيبه وإنما أجاب بنفسه بأن مصر لم يعد يصلح معها الأسلوب التقليدى؛ لأن ظروفنا غير تقليدية، ظروفنا استثنائية ولا يصلح لمواجهتها إلا أساليب استثنائية فى الفكر والتنفيذ والسرعة والإنجاز، بوضوح أكثر قال الرئيس إن المعدلات التى تعمل بها الحكومة لا تعجبه؛ لأن العام الأول له كان يجب أن يشهد إتمام كل المشروعات التى وعد بها المواطن وهذا لم يتحقق.


صحيح أن الرئيس كما قال لا يريد أن يعذب أحدا، لكن حال البلد هو الذى يفرض عليه ذلك، فمصر متأخرة خمسين عاما على الأقل ولا سبيل لإنقاذها إلا العمل ليل نهار، هو شخصيا يخطط، ويتمنى أن تشهد السنوات الأربع لفترة رئاسته تحقيق مطالب أربعين عاما كاملة، يقينا المطلوب صعب والرئيس يعلم ذلك، لكن فى بلد بمقومات مصر ورجالها وقواتها المسلحة لا يوجد صعب ولا مكان لكلمة مستحيل، وهذا ما جعله يكشف لأول مرة كلمة السر التى جعلته يتخذ قراره ويقدم على التصدى لأمانة المسئولية ويترشح للرئاسة، وهى وعد أعضاء المجلس العسكرى له بأنهم لن يتخلوا عنه وسوف يبنون معه البلد، ووعد رئيس الوزراء المهندس إبراهيم محلب بأن يكون (بلدوزر) يفتح أمامه الطريق، يسأل الرئيس.. هو فين البلدوزر ده .. لم يكن يقصد بهذا السؤال التقليل من جهد محلب، فكل المؤشرات تؤكد احترامه للرجل وجهده، لكنه يريد منه المزيد، يحثه على أن يشد على أعضاء حكومته ويحاسب المقصر ويفتش وراء كل صغيرة وكبيرة، وأن يحرض وزراءه على مضاعفة الجهد لأجل مصر وليس لأجل السيسى، فكما قال الرئيس «البلدوزر لن يفتح الطريق للسيسى وإنما سيفتحه لمصر» حتى تستقر ويكون هناك أمل للناس، عبر عنها بلغة أخرى عندما قال «لازم نشتغل ونهابر لغاية ما نخلى البسطاء فى البلد دى بخير وسلام»، فالعمل والمسئولية ليست مجرد مكتب مكيف، وإنما قدرة على تحريك من حولك ومن يعملون معك كى يحققوا المستحيل بأعلى كفاءة وأقل وأقصر وقت وأقل تكاليف.


المؤكد أن الرئيس لم يكن يزايد على أحد ولم يكن يتحدث ليرضى الناس أو يغازل عواطفهم، أو يحاول أن يبدو وكأنه حزين من أجلهم على حساب الحكومة، وإنما كان يتحدث بلغة المسئول الذى يشعر فعلا بثقل المسئولية ويسعى لمزيد من الرضاء الحقيقى للشعب، رضاء لا تصنعه الخطب ولا الوعود وإنما تحققه المشروعات التى يراها المواطن بعينه ويلمس دورها فى خدمته.


يؤكد هذا أن الرئيس لم يعف نفسه من المسئولية ولم يلقها على الآخرين، ولم يوجه اللوم للحكومة ويكتفى بهذا، وإنما كان واضحا وحاسما فى التأكيد على أنه مستعد أن يجلس أمام الشعب ليخضع لمحاسبة علنية عما فعله فى عامه، الأول يوم بيوم وإجراء بإجراء، لأن هذا حق الناس.


يؤكد صدق الرغبة الرئاسية فى الحساب أيضا أنه لم يكتف بالمحاسبة أو شد أذن الحكومة بالكلام، وإنما كان حريصا أن يقدم نماذج عملية من واقع الميدان كانت سببا فى عدم الوصول الى النسبة التى كان يتمناها.


فقد وضع الرئيس يده على أخطاء قد يظنها البعض بسيطه ويتجاوزون عنها، بينما الحقيقة أن هذه الأخطاء هى أس البلاء فى مصر منذ عشرات السنين وهى التى كما قال الرئيس أخرت مصر كل هذا العمر، ولهذا كان الرئيس صريحا وقاطعا فى نصيحته للوزراء عندما قال «اوعو تكون عينيكم على القديم وقابلينه وشايفين إنه طبيعى» تحذير واضح من عدم القبول بما كان، وإنما لابد من الثورة على كل ما هو تقليدى أو عادى فى البلد دى.


أول وأهم الأخطاء التي رصدها الرئيس في أداء الحكومه خلال العام المنقضى عدم العمل بمنطق المسؤليه الجماعية، فكل مسئول يعمل وكأنه فى جزيرة منعزلة ولا علاقة له بالآخرين.


قالها السيسي، لازم نشيل بعض، وشرحها بشكل أوضح للمحافظين عندما قال إن المحافظ رئيس جمهوريه في محافظته، ولابد أن يعرف كل حاجة في نطاقها، ولا يجب أن ينفذ مشروع في محافظته ولايعلم عنه شيء, بل لابد أن تكون يده بيد الوزير المختص يتابع ويراقب معه، فليس معنى أن مراكز الشباب مثلاً تتبع وزارة الشباب أن يتخلى المحافظون عن مسئولياتهم تجاهها, ولا يهتمون بها وكأنها فى دولة أخرى بل عليهم أن يفكروا كيف يطورون هذه المراكز وكيف يستغلونها في تربيه أبناء المحافظة, بل أكثر من هذا طالب الرئيس مديري الأمن ألا يكتفوا بمهامهم الأمنية وإنما لابد أن تمتد إلى مساهماتهم إلى متابعة أي مشروعات تسهم في مواجهه التطرف وتثقف الشباب وتنشر الفكر المعتدل.


الخطأ الحكومي الثاني هو الاكتفاء بالمكاتب، وكأن المسؤول أو الوزير عين ليبقى في مكتبه المكيف وخلف سكرتاريته, وتكون النتيجة أنه لا يعلم بما يجرى فى قطاعه ولا ما به من مشاكل أو مقومات، وهذا ما يرفضه الرئيس تماما, وضرب مثلا بما شاهده في مطار القاهره من كهن ومعدات مركونة وتساءل، هل المسئول عن المطار يتجول فى كل جزء منه ليرى بنفسه كل شيء ويتخذ القرار المناسب بشأنه ولا يكتفي بالتقارير وكلام الموظفين, وبالطبع ما ينطبق على المطار ينطبق على هيئات ومؤسسات كثيرة.


الخطأ الثالث كشف عنه الرئيس أثناء زيارته لافتتاح تطوير الترسانة البحرية عندما وجد أكثر من 25 سفينة غارقة في ميناء الإسكندريه, وعندما سأل عنها كانت الإجابه بأنها محجوز عليها بأحكام قضائية.


الرئيس لم يتقبل الوضع ولا المبرر وسأل المهندس هاني ضاحي وزير النقل, هل نحن نغسل أيدينا من المشكلة أم نبحث لها عن حل, لو كنا نريد حل المشكلة فكان الأولى أن يتم رفع هذه السفن وتطهير الميناء منها بأسرع وقت, بالفعل الرئيس حصل على تعهد من قائد القوات البحريه برفعها خلال عام, لكنه كان يتمنى ألا ينتظر الأمر صدور تعليمات منه، ولهذا أكد الرئيس أنه سيزور الميناء خلال شهر من الآن ليتأكد أن كل ما طلبه تم تنفيذه وتغيرت الصوره تماما بالميناء.


الخطأ الرابع رصده الرئيس من خلال فيديو زيارة رئيس الوزراء لمعهد القلب, فأماكن علاج البسطاء تحتاج اهتمام حكومى أكثر من هذا, فلا بد أن تكون رسالة الحكومة للفقراء «احنا واخدين بالنا منكم ولم ننساكم», ولهذا طالب الرئيس بإعادة تأهيل وتطوير معهد القلب خلال شهر على الأكثر.


ويرتبط بهذا الأمر رسالة تحذير وجهها الرئيس وهى عدم الاستماع لصوت الفئات الفقيرة والأقل دخلا ومراعاتهم فى اتخاذ القرارات، فالحكومة لابد أن تعمل وفى بالها المواطن المطحون وكيف تعينه على أعباء المعيشة ولا تحمله ما لا يطيق, ومثال ذلك رفع فاتورة الكهرباء التى فوجىء المواطنون بأنها تشمل كل الشرائح دون تفرقة بين أصحاب الشرائح الأقل وكبار المستهلكين, ولهذا كان توجيه الرئيس ألا تمس قرارات رفع أسعار الكهرباء أصحاب الشرائح الثلاث الأول والذين يمثلون نحو 60 % من المستهلكين, قالها الرئيس للدكتور محمد شاكر وزير الكهرباء بألا يقترب من هذه الشريحة، وأن تكون الزيادة على المقتدرين ومن يستخدمون الكهرباء فى تسخين حمامات السباحة.


الخطأ الخامس الذى نبه إليه السيسى هو اكتفاء بعض الوزارات بالنشاط الموسمى أو التحرك وقت الأزمة فقط، فليس هذا من سمات الدولة التى تحترم المواطن، وإنما الواجب أن تكون الوزارات سباقة ولديها قدرة على المبادرة.. تساءل الرئيس: ماذا سيفعل وزير التربية والتعليم بعد نهاية العام الدراسي، هل سيجلس في مكتبه وينتظر العام الجديد ثم نفاجأ مرة أخرى بباب أو سور مدرسة يسقط على رأس طالب فيموت؟، بالتأكيد لن يحدث هذا ولن يسمح به مرة أخرى, وعلى وزارة التربية والتعليم ألا تنعم بالراحة خلال إجازة الصيف، وإنما عليها بداية من الوزير وحتى أصغر مسئول أن تتحرك في كل أرجاء مصر لتراجع أوضاع المدارس، وتعيد تأهيلها فليس مسموحا ولا يتصور احد أن تبدأ الدراسة العام القادم ويدخل أبناؤنا مدارس لا تليق بأولاد مصر.


الخطأ السادس الذي تحدث عنه الرئيس غياب ثقافة الاعتذار لدى مسئولي الحكومة, صحيح أن الواقعة التي تحدث عنها الرئيس تخص وزارة الداخلية التي لم تعتذر للمحامين عن خطأ أحد ضباطها, لكن الرئيس لم يقصر كلامه على الداخلية، وحدها وإنما تحدث بشكل عام وقال إنه يعتذر لكل مصري أُسيىء إليه, وهذا ليس مجرد اعتذار للترضيه وإنما اعتراف بحق المواطن، بل وطالب الرئيس كل مسؤول في أي مصلحة حكومية تفهم أنه يتعامل مع بشر ومهما كان ما يتعرض له من ضغوط فمقتضيات وظيفته تفرض عليه أن يتحمل؛ لأنهم في الأول والآخر أهله وناسه.. يتساءل الرئيس من جديد: هل فى حد يزعل أهلة؟


بالتأكيد لم ينس الرئيس أن يؤكد أنه لا يمكن تحميل جهاز بالكامل مسئولية خطأ فرد، كما لا يمكن تجاهل ما تقدمه مؤسسة مثل الداخلية من تضحيات فى سبيل أمن البلد لكن رغم هذا لابد أن نقدم المثل والقدوة فى الاحترام، وأن نؤكد على ثقافة الاعتذار.


الخطأ السابع هو تشغيل مشروعات دون إجراء الدراسات اللازمة لمعرفة عائدها وكيف يمكن أن يسدد المشروع ديونه ولا يتركها عبئا على الأجيال القادمة.


ضرب الرئيس مثالا بمشروع المترو الذي لم يراع المخططون له من البداية كيف يمكن أن يكون مشروعا يغطي نفقاته، وكانت النتيجة تحقيق خسائر لايمكن تعويضها إلا برفع قيمة التذكرة، وهذا ما يرفضه المواطنون، ولذلك حذر الرئيس من أن يتكرر نفس الخطأ في مشروعات خطوط المترو الجديده, وأكد على وزير النقل هانى ضاحى الذى ناله الكثير من ملاحظات الرئيس بأن يهتم بدراسة كيف ستسدد المشروعات الجديدة لمترو الأنفاق ديون القروض التى استخدمت فى إنشاؤها.


وارتباطا بالنقل كان الخطأ الثامن الذى رصده الرئيس خلال العام هو تجاهل فكرة الصيانة والتباطؤ فيها رغم أهميتها, وهو ما يحدث فى هيئة السكة الحديد, فالصيانة وإعادة التأهيل ستحمى أصول الدولة وتوفر أموالا كثيرة, لكن كثير من جهات ومؤسسات الدولة لاتهتم بهذا ومنها السكة الحديد, ولهذا طلب الرئيس من وزير النقل بألا يمر عام من الآن على الأكثر إلا ويكون قد انتهى من تأهيل كل عربات السكة الحديد.


الخطأ التاسع لوزراء المهندس محلب تفضيل بعض الوزارات واستسهالهم اللجوء إلى طلب العمالة والشركات الأجنبية فى تنفيذ المشروعات فهل لم تعد لدينا عمالة أو شركات وطنية تستطيع القيام بالمهمة, ولماذا ننفذ المشروعات بالدولار وليس بالجنيه المصرى.. كان هذا سؤال جديد للرئيس لا يحتاج إجابة بقدر ما يحتاج فهم ما وراءه من رسالة ..


وارتبط بهذا توجية رئاسى واضح لكل الوزراء ألا يتحججوا فى تأخير تنفيذ المشروعات بعدم وجود اعتمادات, فكل وزير عليه أن ينفذ المطلوب منه ويدبر الفلوس التى يحتاجها دون أن يطلب من الحكومة ودون أن يحمل المواطنيين أعباء جديدة ودون أن يتورط فى مخالفات للقانون وهذا ليس مستحيل بل يحتاج فقط لتفكير وإبداع .


الخطأ الأخير كان عدم اتخاذ القرارات المناسبة والحاسمة ضد عديمى الخبرة وغير القادريين على العمل, فهؤلاء من الظلم لهم تحميلهم مسئوليات لا يقدرون عليها، بل الأفضل إبعادهم عن مناطق القرار وميادين العمل؛ لأنهم لن يساهموا فى الإنجاز، بل سيعطلون الحركة، يفسر الرئيس هذا الأمر وهو يتحدث عن أن الفساد لم يعد فسادا ماليا, فلم يعد فى الدولة أموال نخشى أن يسرقه الفاسدون, لكن الفساد الآن فى الإهمال والتكاسل وعديمى الخبرة.


كل هذه الأخطاء التى رصدها الرئيس بالتأكيد لم يكن يقصد من ورائها جلد الحكومة ولا تجاهل ما حققة الوزاراء من إنجازات وما قدموه من مشروعات, وإنما كما قال السيسى بنفسة فهو يتمنى التخلص من الثقافة الحكومية القديمة التى عطلت مصر, وهذا لم يعد يصلح مع الظروف الحالية ولا يناسب الهدف الذى نسعى إليه بأن تقف مصر على قدميها خلال عامين على الأكثر, لابد أن نتخلص من أساليب العمل التقليدية العقيمة, لابد أن نتجاوز اللوائح التى تفيد العمل ولكن دون أن يكون هذا التجاوز بالفساد، لابد ألا نستسلم لما يعطلنا، فالتحديات ضخمة ولا سبيل للنجاح إلا التصدى والتضحية بالجهد والوقت وبكل شيء، فكما فى مصر رجال من الجيش والشرطة يموتون من أجل تأمين البلد وحمايتها لازم احنا كمان نموت علشان ننميها ونبنيها.


 



آخر الأخبار