سناء غريب.. أول «سائقة» ميكروباص فى الصعيد: الركاب كانوا بيقولوا اقرأوا الفاتحة هنموت على أيد واحدة ست!

10/06/2015 - 12:57:54

حوار: أحمد سعد جريو

عندما تنظر إلى وجهها تقرأ فيه قصة حياة امرأة تعارك الحياة، صعيدية من قنا تسكن بجوار مقابر مدينة قنا، مات زوجها منذ ثلاثة أعوام وترك لها خمسة أولاد وخمسة أحفاد، تجاوزت الخمسين بثلاثة أعوام، ورغم أنها حاصلة على بكالوريوس زراعة إلا أنها لم تجد وظيفة تساعدها في الإنفاق على أولادها ، لذا عملت بائعة للخضروات وللملابس، لكنها لم تجد فى تجارتها حد الكفاف لها ولأولادها وأحفادها، فقررت مؤخراً أن تشترى (ميكروباص) وتقوده كسائقة فى سابقة هى الأولى من نوعها فى صعيد مصر. إنها السيدة سناء غريب محمود التي كان لنا معها هذا الحوار.


سألتها كيف بدأت قصتك مع الميكروباص؟


عندما توفى زوجى قبل ثلاثة أعوام وجدت نفسى أواجه الحياة بصعابها فلا عائل ولا مساند، فأقارب زوجى فقراء ليس بينهم من يستطيع أن يتكفل بى وأولادى وأحفادى البالغ عددهم عشرة منهم البنين والبنات، فكرت كثيرا ماذا أفعل، حتى استقر الرأى بى على أن أعمل فى تجارة الملابس، فكنت أشترى الملابس الجاهزة من تجار الجملة بالقسط وأبيعها فأسدد ما علىَّ ثم يتبقى لى القليل من المكاسب التى لا تسد جوع أولادى فتاجرت فى الخضار ولم تكن تجارة مربحة أستطيع من خلالها تعليم أولادى وأحفادى فتركتها، وقررت أن أشترى سيارة صغيرة أعمل بها داخل مدينة قنا، فاشتريتها وكنت أنقل بها الأولاد من منازلهم إلى مدارسهم، معتمدة على شهرية أتقاضاها من أسرهم، حتى قررت أن أشترى (ميكروباص) ١٤ راكبا بالتقسيط من البنك لأعمل به بين المحافظات فاشتريته ورخصته وأعمل به الآن من موقف قنا العام إلى موقف إسنا بمحافظة الأقصر.


كم تستغرق المسافة بين المحافظتين؟


المسافة من قنا إلى مدينة إسنا ١٢٠ كيلو مترا ذهابا وأخرى إياباً وأستغرق فيها قرابة الثلاث ساعات فى الذهاب وأخرى فى الإياب.


كيف يتعامل معك السائقون؟


وجدت الرفض من بعضهم والقبول من الآخرين فى بداية الطريق، ولكن سرعان ما تقبل الجميع الوضع، وبدأوا الآن يتعاملون معى بشكل إيجابى، رفضنى البعض بحجة أن عادات الصعيد وتقاليده ترفض عمل السيدات كسائقين، وقال البعض منهم (متهكماً): ليس عندك من أهلك من يقوم بالعمل بدلا منك فرد آخر عليه هى شرف لنا؛ لأنها تعمل عملا شريفا وتسعى الى تربية أولادها بالعمل هل كان فرضا عليها أن تنحرف هي وأولادها أو تموت من الجوع؟


حقيقة وجدت فى أبناء قنا السائقين فى الموقف، مواقف رجولية متعددة، فهم لا يقصرون فى أداء الواجب نحوى وأحس معهم بالأمان والاطمئنان.


هل يتم استثناؤك من الدور في الموقف؟


فى الحقيقة يصر عامل الكارتة على معاملتى مثل السائقين، فيلتزم معى بالدور حتى لو جاء دورى فى الموقف بالليل، فهو دائما يقول: “انتى زيك زى أى سواق مش علشان أنت ست ح استثنيكى”.


وكيف حال المرور معك على الطريق؟


رجال المرور يحترموننى، ومن جانبى أحرص على الالتزام بقواعد المرور والإشارات أما رجال المرور فعندما يجدوننى ملتزمة بالرخص وعدد الركاب يقدمون لى التحية ويقولون لى اتفضلى يا حاجة.


والركاب كيف يتعاملون معك؟


الركاب فى البداية عندما كانوا يتفاجأون بى عندما أقود السيارة يخافون ويتردد البعض منهم فى الركوب معى، ولكن عندما أسير بالسيارة ويجدون قيادتى سهلة ومطمئنة يرتاح بالهم وينامون مطمئنين فى الطريق، وكثيرا من الركاب يحرص على أن يركب معى؛ لأنه يطمئن لقيادتى، وقد كان فى البداية الركاب يقولون لبعضهم: “اقرأوا الفاتحة علشان احنا ح نموت على يد واحدة ست”، والغريب أن الركاب يلتزمون معى فى كل شىء، فهم يلتزمون بعدم التدخين ودفع الأجرة والآداب العامة أثناء سير السيارة، فلا يتلفظ أحد منهم بكلمة جارحة.


هل على الميكروباص أقساط؟


نعم الميكروباص مازالت عليه أقساط أدفعها كل شهر، فأنا أدفع شهريا ٢٥٠٠ جنيه للبنك، ومنذ عملت على الميكروباص وحياتى المعيشية بدأت تنتعش وأسرتى، والآن أستطيع أن أدفع مصاريف المدارس وتكاليف المعيشة ولست فى حاجة لأحد إلا الله، وما أتمناه من الله أن أحج بيت الله الحرام وأزوج أولادى.


كم عدد اولادك؟


معى خمسة أولاد ثلاثة منهم بنات واثنان صبيان زوجت بنتين، والثالثة مطلقة، أما الولدان فهما مازالا فى مراحل التعليم.


لماذا لم تفكرى فى أن يساعدك أولادك فى العمل؟


أرفض أن أعرض بناتى للشارع ومن فيه، فأنا متمسكة بالحفاظ على بناتى وعلى ألا يخرجوا من المنزل إلا على منزل أزواجهن إلا أن ولدى الصبيين يأتيان معى الموقف ويساعداننى فى التحميل وتجهيز السيارة.


ما موقف أزواج بناتك من مهنة السواقة؟


أزواج بناتى يفتخرون بى، فهم رجال محترمون ويقدرون موقفى ويشجعوننى، أما أولادى فأجد فى أعينهم الحب والتقدير والاحترام والافتخار بى؛ لأنى أعمل من أجلهم ومن أجل راحتهم.


ألم تفكرى فى العمل كمهندسة زراعية وأنتِ تحملين بكالوريوس الزراعة؟


العمل الحكومى لا يسد الجوع لفرد، فما بالك بعشرة أفراد بينهم من يتعلم ومن تحتاج الجهاز للزواج، الحياة صعبة وتحتاج إلى مجهود كبير لتلبية الاحتياجات والتمسك بالعمل بالشهادة ضرب من الخيال.


ألم تفكرى فى استصلاح أراض وتستغلين خبراتك ودراستك؟


استصلاح الأراضى يحتاج إلى تل من الأموال، ولا أملك من التل إلا حطامه، صدقنى لم أجد من العيش إلا مر الحياة، ولم أر منها إلا الشقاء، إلا أننى سعيدة؛ لأننى أرى أولادى يتعلمون ويسيرون بخطى ثابتة نحو المستقبل، كلى تفاؤل فى الغد، وأؤمن بأن الإنسان خلق ليعمر فى الحياة، وأنه خلق فى كبَد، أى تعب ومشقة.


ماذا تطلبين من الرئيس السيسى؟


نفسى أعين واحدا من أولادى، ونفسى أقعد فى بيتى مرتاحة لا أحتاج إلى أحد وأدعو للرئيس السيسى إن ربنا ينصره على الإرهابيين ويوفقه فى استقرار الأوضاع فى مصر والوطن العربى.


هل ترين أن مهنة السواقة مناسبة للسيدات؟


أى مهنة تناسب السيدات مادامت شريفة ومحترمة والسيدات لديهن القدرة على صنع المعجزات بصبرهن وجلَدهن، ونحن معشر السيدات أكثر قدرة على تحقيق النجاح من الرجال خاصة فى المهن الصعبة.


ماذا تفعلين عندما تتعطل السيارة فى الطريق؟


لدى بعض الخبرات فى إصلاح بعض الأعطال، إلا أننى أجد زملائى من السائقين يقفون لى فى الطريق ويقدمون لى المساعدة فى حالة الحاجة لها.


السائقون فى موقف إسنا يتعاملون معك كالسائقين فى موقف قنا؟


السائقون فى موقف إسنا يقدمون لى المساعدات عندما أحتاجها، والبعض منهم عندما يجدنى قد تأخرت بالليل يقدم سيارتى فى الدور على سيارته حتى لا أسير بالليل، حيث إننا نسير بالسيارة من قنا إلى إسنا على الطريق الصحراوى، والطريق بالليل أحيانا يكون غير آمن إلا أن السائقين حريصون على أن يسيروا فى مسافات متقاربة فيما بينهم، حتى نشعر بالأمان، وعموما نحن فى الصعيد أكثر أمانا من وجه بحرى.


أقود السيارة فى الصباح والمساء، وأشعر أننى سعيدة كلما قطعت المسافات البعيدة ولا أستعجل فى الوصول، فكأن زوجى الذى علمنى قيادة السيارة يقول لى سلامة الوصول هى الأهم، ففى السرعة الجنون، وكلما زادت السرعة على الـ ١٠٠ كيلو أصبحت السيارة خارج السيطرة، فأنا لا أزيد السرعة عن ١٠٠ كيلو فى الساعة وألتزم بالإشارات عند التحرك نحو اليمين أو اليسار، ولا أتسابق على الطريق، وأرى فى نفسى المثالية فى قيادة السيارة، وأفتخر أننى أعمل بمهنة السواقة.