مآذن الصين تصدح الله أكبر

10/06/2015 - 12:55:54

رسالة بكين : نهــال الشــريف

نينجشيا الساحرة هكذا يسميها أهلها وهكذا يراها الزائرون. هى إحدى مناطق الحكم الذاتى الخمس فى الصين. وتقع شرقى منطقة الشمال الغربى الصينى والمجرى الأوسط والأعلى للنهر الأصفر. وبرغم أنها بعيدة عن البحار إلا أن بها بحيرة شاهو الرائعة والعجيبة ومعني إسمها «بحيرة الرمال » .


الكتيبات السياحية تصفها بأرض الأرز والسمك والصحراء. ففى الطريق بالسيارة إلى بحيرة شاهو يمكن رؤية حقول الأرز مغمورة بالماء والنساء يقمن بالعمل فى هذه الحقول وهن يرتدين القبعات التقليدية مخروطية الشكل. أما الأزواج فأغلبهم يلتحق بوظائف وأعمال حكومية. تمتد نينجشيا على مساحة ٦٦ ألفًا و٤٠٠ كيلومتر مربع وهى موطن لأقلية هوى المسلمة التى تشكل ٤٠٪ من سكانها البالغ عددهم ٦ ملايين نسمة .


فى مدينة ين تشوان عاصمة نينجشيا تلاحظ الفارق الكبير بينها وبين بكين عاصمة الدولة. حيث ين تشوان أقل ازدحامًا وأكثر بساطة ويمكن لزائرها أن يدرك البصمة الإسلامية فى المدينة. ترى لافتات الشوارع مكتوبة بالصينية والعربية والأذان يتردد عبر مآذن ٤٠٠٠ مسجد على أرض نينجشيا كما تنتشر المطاعم التى تقدم اللحوم والدواجن الحلال المطهية بالطريقة التقليدية لسكان المدينة, “السلام عليكم” كلمة تحية مألوفة للكثيرين ولكن مظهر الرجال والنساء ليس به شىء مختلف عن سكان العاصمة . ولكن لأهل نينجشيا أزياء تقليدية متوارثة عن الأجداد منها غطاء للشعر للنساء عبارة عن طرحة خفيفة شفافة تقريبا ومطرزة بشكل جميل .


فى مسجد ناجياهو أو المسجد الكبير أقدم مساجد المدينة يظهر الطابع المعمارى الصينى القديم . سواء فى البوابة الخارجية أو السقف المغطى بالقرميد الأخضر. ولكنه يختلف من حيث الزخارف حيث نقشت عليه آيات قرآنية وكتب على أبوابه بالعربية باب السلام وباب البركة . وتعتبر صلاة الجمعة حدثا مهمًا فى المدينة حيث يجتمع الرجال بملابسهم البسيطة ووجوههم السمحة البشوشة وبقلوب متوجهة إلى الله .


وقد أتيحت لى فرصة لأداء صلاة الجمعة فى «ناجياهو» ولكن اتضح لى أن مصلى النساء هو مبنى خاص على نفس الطراز تستقل فيه النساء على المسجد الذى يتسع لقرابة الألف شخص، وفى مصلى النساء كما فى المسجد الكبير يرتفع السقف فوق أعمدة مزينة بنقوش مذهبة وألوان زاهية من الأزرق والأخضر. خطبة الجمعة يلقيها الشيخ باللغة الصينية ويستمع الجميع فى خشوع ثم يؤذن بعد ذلك لإقامة الصلاة ويرتفع صوت الإمام بقراءة القرآن بصوت جميل.


بعد انتهاء الصلاة يبقى البعض من كبار السن يؤدون صلوات أخرى من النوافل وللدعاء بينما انطلق الباقون فوق الدراجات والدراجات البخارية للحاق بأعمالهم بعد انتهاء راحة الغداء. وفى مشهد يبدو مألوفًا أمام المساجد المصرية بعد انتهاء الصلاة تزاحم الناس بشراء حاجاتهم من أدوية عشبية ودهانات الطب الصينى التقليدى . هناك من تبيع كرات الخبز الناضج على البخار والملفوف بورق الأشجار لحفظه وهناك من يبيع الدجاج الحى والفواكه وغير ذلك .


نينجشيا وتشينجيانج


الحقيقة أن رؤية الصورة عن كتب فى نينجشيا تدفع إلى مراجعة المعلومات التى نستقبلها ومعظمها من مصادر غربية عن أحوال المسلمين فى الصين. فالكثير من هذه المعلومات والتقارير تؤكد على اضطهاد المسلمين فى إقليم تشينجيانج من أبناء قومية الويجور. ولكن فى ضوء الايجابيات التى يلمسها زائر نينجشيا يمكن فهم الإصرار الغربى على اللعب بورقة حقوق الإنسان كلما دعت الضرورة لتحقيق مصالح خاصة. أو إنها الأيدى الخفية الخارجية على حد تعبير الكثيرين ممن التقيناهم فى زيارة ين تشوان ومنهم من يعملون فى معهد نينجشيا للعلوم الإسلامية . ويفسر تشانج مو نائب مدير مكتب السياسة والنظرية القومية التابعة للجنة الشئون القومية الصينية الوطنية مايقع من أحداث فى مناطق مثل تشينجيانج أو التبت بأنه نتيجة لوجود تناقضات اجتماعية كبيرة ومعدل غير متوازن للتنمية بين المقاطعات المختلفة واتساع الفجوة بين الفقراء والأغنياء مما يؤدى إلى ظهور هذه المشكلات .


ويضيف تشانج مو أن الخلافات والصراعات قد تحدث أحيانا بين أبناء الأقليات إلا أن الحكومة نقوم بحلها وفقًا للقانون وبالتثقيف الوطنى لتعزيز التفاهم والتناغم بين أبناء الأقليات والمجتمع الذى بعيش فيه مليار و٣٠٠ ألف نسمة .


الصين دولة الـ ٥٦ قومية والثمانين لغة أصبحت دولة موحدة متعددة القوميات قبل أكثر من ٢٠٠٠ سنة . وتعد قومية هان هى القومية الأكبر إلى جانب قوميات أخرى من بينها التتار والأزبك والهوى والويجور و..... وقد دخل الإسلام إلى الصين فى القرن الثالث عشر عبر طريق الحرير مع وفود التجار المسلمين القادمين من وسط آسيا وشمال إفريقيا واستقر بعضهم بها وتزوجوا هناك وأقاموا المساجد وعاشوا فى تناغم مع المجتمع . وخلال فترة الثورة الثقافية من ١٩٦٦ - ١٩٧٦ قيد الحكم الشيوعى الممارسة الدينية للمسلمين وغيرهم من أبناء الديانات الأخرى وأغلقت المساجد أبوابها واستمرت هذه الأوضاع حتى نهاية السبعينيات ولكن تدريجيا تغيرت الأحوال وعاد المسلمون لممارسة شعائرهم وتخصص الدولة للحجاج الصينيين طائرات خاصة تنقلهم للأراضى المقدسة وفى عام ٢٠١٤ توجه أكثر من ١٤ ألفًا و٥٠٠ مسلم لأداء الحج والعمرة . وبرغم أن الدولة تلزم مواطنيها بتطبيق سياسة الطفل الواحد لكل أسرة إلا أنها تمنح أبناء الأقليات ومنهم الأقلية المسلمة الفرصة لانجاب ثلاثة أبناء كحد أقصى فى كل أسرة .


وبشكل طبيعى يعيش أبناء القوميات الصينية فى انسجام ويتزاوج أبناء القوميات المختلفة وفى العادة ينسب الابن لقومية أبيه ولكن يمكن عندما يكبر أن يختار الانتماء لقومية الأم .


وقد أوضح - تشانج مو - أن الدستور الصينى ينص على المساواة الكاملة بين جميع المواطنين بغض النظر عن انتمائهم الدينى أو العرقى واحتراما لكل مكونات المجتمع الصينى نجد على العملة الورقية كلمات مطبوعة باللغات الصينية والتبتية والويجورية والمنغولية . وفيما يخص المسلمين تحديدا يوجد فى الصين ٩ كليات للعلوم الإسلامية كما تمت ترجمة معانى القرآن بلغات الأقليات الإسلامية فى الصين مثل الويجور والقازاقد. وتحترم الدولة عادات وتقاليد المسلمين مثل إعطاء التصاريح لمحال السوبر ماركت لبيع منتجات الحلال كما يوجد المطاعم الإسلامية المنتشرة فى كل المدن الصينية . وتوجد مجموعة اقتصادية كبيرة تقدر بـ ٥ مليارات دولار تتعامل فى منتجات اللحوم الحلال والألبان وهى المجموعة التى وفرت الطعام أثناء أوليمبياد بكين عام ٢٠٠٨ . وتحترم الدولة أعياد المسلمين واحتفالاتهم الدينية وتمنحهم اجازات مدفوعة فى هذه الأيام كما تخصص أراض لمقابر المسلمين . بينما ثقافة السواد الأعظم من الشعب يقوم بحرق جثث الموتى . وفى مناطق الحكم الذاتى التى يعيش فيها أقليات مسلمة كما هو الحال فى نينجشيا يحق لإدارات الحكم الذاتى إدارة الشئون الخاصة بالأقلية فى إطار السياسة العامة للدولة وتدعم الدولة التى يتحدث سكانها بأكثر من ٨٠ لغة طباعة الكتب المدرسية لأبناء الأقليات بلغاتهم إلى جانب لغة الماندرين الأم فهى اللغة الرسمية للدولة . وبصفة عامة لا تدرس الأديان فى المدارس ولكن يترك للمجتمعات المحلية أن تضيف للمناهج الدراسية مايعبر عن ثقافتها وعاداتها وتقاليدها .


مطلوب دور أكبر للأزهر


هذا ما أحسست به عندما التقيت الأستاذ يعقوب والأستاذ مبارك والأستاذ حسين أو “سحس” هكذا قال لى يمكن أن تنادينى بالاسم الذى أطلقه علىّ زملائى أثناء دراستى بالأزهر الشريف قالها بفخر وحنين لأيام دراسته بالقاهرة. كل منهم يعطينى بطاقة أو كارت التعريف وقد كتب على إحدى جهتيه الاسم ومعلومات المهنة الجميع يعملون فى معهد نينجشيا للعلوم الإسلامية - وأرقام الاتصال التليفونى مكتوبة باللغة الصينية وعلى الجانب الآخر كتب الاسم العربى وهو اسم لايعرفه الا الأصدقاء والأقرباء . فالتعامل الرسمى فى الدولة بالاسم الصينى ولا مجال لذكر الاسم العربى أو ذكر الديانة ولكن فقط الانتماء لهذه القومية أو تلك يتساوى فى ذلك المسلمون وغيرهم من أبناء الديانات والعقائد الأخرى . ما لمسته من كل من تحدثت إليهم فى ين تشوان أن هناك تعطشًا للمعرفة ودراسة علوم الدين الإسلامى الصحيح والوسطية والسمحة . وهو ما يتطلب دورًا أكبر من الأزهر الشريف بعلمائه وأساتذته. فلا يكفى استقبال بعثات الدراسين الصينيين فى مصر ولكن لابد أيضًا من ايفاد الأساتذة والشيوخ من الأزهر إلى الصين تعميقًا لدوره ومكانته المرموقة هناك أصلا والبناء على ماتأسس من تناغم بين المسلمين الصينيين وغيرهم من أبناء بلادهم .


كذلك لمست طلب أبناء ين تشوان لاستقبال المطبوعات والصحف المصرية والعربية فقد شكا لى أكثر من شخص غياب هذه المطبوعات بعد أن كانت تصل فى السابق بانتظام يسمح لهم بالاطلاع على أحوال منطقة لايرونها بعيدة جغرافيا أو ثقافيا عن الصين .