النقاب بين حكم الشرع والقانون (6)

04/06/2015 - 10:18:10

رجائى عطيه رجائى عطيه

كتب - رجائى عطية

الحقوق الواجبة الرعاية ، واجبة على المجتمع كله حكاما ومحكومين .. ولا يمكن أن تتحقق هذه الرعاية  فى مواضعها الواجبة إلاَّ بالتعرف على الهوية وسبيلها الوجه الذى لم يأمر الإسلام بإخفائه وحجبه ، فإذا كان ذلك ، فما هو حق النقاب فى اجتياز كل هذه الخطوط والحدود والموانع دون الكشف عن شخصية وهوية واضع أو واضعة النقاب ؟!


يقول الغلاة الذين يفتون فى كل شىء ، إنه على الدولة أن توفر إناثا فى كل هذه المواضع التى لا تقع تحت حصر ، للتحقق من الشخصية والهوية ! فهل بإمكان الدولة المصرية أن توفر هذه الخدمة فى الآلاف المؤلفة من الأماكن التى يتعين فيها التحقق من الشخصية والهوية ؟!!


وهب أن هذا المستحيل قد صار ممكنا ، فهل هو معقول ؟! . سيّما وقد اتفق جمهور أهل العلم والدين على أن النقاب عادة وليس فرضاً ولا عبادة ؟!


لا أحسب أنى أغالى إذا قلت إن إبداء الوجه لازم وواجب لا محيص عنه فى بعض المواضع الأخرى .. من ذلك أداء الشهادة .. فمن شروطها أن تُبْدَى فى مجلسها ليتمكن السامع ـ قاضيا كان أو محقِّقًا ـ من التفرس فى الشاهد أو الشاهدة وأساريره وانطباعاته وأحواله أثناء أداء الشهادة ، لاستكشاف الصدق من الكذب من خلال الثبات أو الاهتزاز
أو التردد ، والاطمئنان أو الخوف !


بل إن الحالة التى كان قد تناولها فضيلة الإمام الأكبر شيخ الأزهر السابق فى معهد دينى للفتيات ، هى أقوى الأمثلة على وجوب ولزوم وضرورة وحكمة إبداء الوجه .. فالعلاقة بين المدرسة والتلميذة ، وكذلك بين التلميذات ، قوامها التواصل الإنسانى وتبادل المودة والاحترام والتعبير فى إطاره وحكمته وغايته .. ولا يتأتى للمدرسة استطلاع مدى فهم التلميذة المتلقية لما يقال إلاَّ من خلال أساريرها ، كما أن تحقيق الانضباط  يستوجب هذا الكشف ، وإلاَّ ما أمكن التمييز بين الجادة واللاّهية ، وبين الملتفتة والغافلة ، وبين الملتزمة أو الساخرة أوالمستهزئة ؟! . فكيف يمكن للمعلمة أن تنهض على أداء رسالتها وضبط فصلها الدراسى ومتابعة نجاحها أو إخفاقها فى توصيل مادتها إلى تلميذاتها إذا انقطع التواصل الإنسانى بينها وبينهن ، وحجبن عنها وجوههن وتخفين وراء نقاب ساتر لا يمكن للمدرسة أن تعرف ما يدور من ورائه من جد والتفات وفهم والتزام ، أو لهو وغفلة وسخرية وقلة فهم !!


فى حكم المحكمة الدستورية العليا 18/5/1996 برئاسة المستشار الجليل عوض المُر رئيس المحكمة ، فى الدعوى 8/17 ق دستورية عن الطعن بعدم دستورية قرارى وزير التعليم 113 ، 208 /1994 فيما تضمناه من تحديد هيئة الزى المدرسى بما لا يخل بحرية العقيدة التى كفلها الدستور ، وما نصت عليه المادة الثانية من أن الشريعة الإسلامية هى المصدر الرئيسى للتشريع . قضت المحكمة برفض الدفع بعدم الدستورية ، وقالت بعد مقدمة شافية فى الشريعة ومبناها ووجوب الالتزام بما لا يناقض الأحكام الشرعية القطعية فى ثبوتها ودلالتها ، مع وجوب إعمال حكم العقل والاجتهاد فيما لا نص فيه ، أخذًا بذات الشريعة الإسلامية التى جوهرها الحق والعدل ـ عرضت المحكمة للآيات التى نزلت فى الحجاب ، وأوردت غاية ومقاصد الشريعة من ضبط ثياب المرأة ليكون سلوكها رفيعًا محتشما لا ابتذال فيه ولا اختيال ، وأن الغاية ومن نصوص القرآن الحكيم هى التزامها حد الاعتدال  ، بما يقتضى ألاّ تصفها ثيابها وألاّ تشى بما تحتها من ملامح أنوثتها ،  وألاّ يبدو من زينتها ما يُعد عورة ، وأنه بمقتضى هذا لا يكون النقاب مطلوبًا شرعًا  .