ماذا يفعل السيسى لإنقاذها فى عام جديد من حكمه؟: الثقافة .. أمن قومى

03/06/2015 - 12:00:46

السيسى فى أحد لقاءاته المتعددة بالمثقفين المصريين ديسمبر الماضى السيسى فى أحد لقاءاته المتعددة بالمثقفين المصريين ديسمبر الماضى

كتب - أحمد النجمى

الزعماء يخلدهم التاريخ، والتاريخ يدونه المؤرخون، لكن تخليد الزعماء لا يأتى عبر كتب التاريخ وحدها، الأهم هو أن يتجسد هذا التاريخ فى لحم ودم، يستعصيان على الفناء والتحلل وأنّى، لنا هذا والإنسان مهما طال به العمر.. فان. إذن يستعصى اللحم والدم على التحلل المعنوى، حين يتجسدان فى صورة فنية أو أدبية، في صورة “معنى” لا “مبنى” وتلك الصورة المعنوية هى التى تحفظ ذكري الزعماء حية، محمد على وعرابى وسعد زغلول وجمال عبدالناصر، هؤلاء أحياء فى ضمائر الأمة المصرية والعربية يرزقون..!


استثناءات فى حركة التاريخ، يقدمها التاريخ نفسه، وتعد على أصابع اليدين فى العالم كله، المثقف - في كل الدنيا - هو من يخلد الزعيم.. أى زعيم.. والمثقف لا يخلد زعيماً إلا إذا كانت الثقافة فى عصر ذلك الزعيم حقيقة مزدهرة فاعلة متنوعة.. من هنا يطرح سؤال “السيسى والثقافة” نفسه..!


لعل الصورة الذهنية للرئيس السيسى، التى تشكلت منذ موقفه الحاكم فى الانتصار لثورة ٣٠ يونيه المجيدة، كانت من صنع المثقفين قبل أى فئة أخرى.. حتى الإعلاميين، هؤلاء الذين يتصدرون المشهد، ويحاولون عبر الفضائيات خلق صورة خاصة لهم، بوصفهم من أشعلوا ثورة ٣٠ يونيه - وهو أمر مبالغ فيه - حتى هؤلاء الإعلاميين، معظم ضيوفهم من المثقفين والباحثين والكتاب، لأن الثقافة كانت القيمة الأكثر تدهوراً أو تضرراً في عصر المحظورة “عام مرسى المشئوم”، والمثقفون كانوا الفئة الأكثر تعرضاً للظلم والاضطهاد في ذلك العام أيضاً..!


استقبل المثقفون شخصية السيسى بفكرة “المخلص” - بتشديد اللام - ذلك الذى يأتى فى أصعب مراحل (القصة) وأكثرها تعقيداً، ليخلص الطيبين من الأشرار.. فكرة كلاسيكية تنتمى للعصور الوسطى، لكنها تتجدد مع الأزمات العاتية، وقد كانت سنة المحظورة فى الحكم أزمة عاتية متشابكة التفاصيل، خشى فيها المثقف المصري على كيان الأمة ذاتها، ذلك الذى كان الإخوان قد بدأوا العبث فى جوهره، عبثوا في خارطة مصر التى لم يعبث بها حتي المحتلين المتعاقبين، وعبثوا في بناء الأمة ذاته - المسلم والمسيحى، وفتنة السنة والشيعة وضربوا الأمن القومى فى الصميم، وحولوا مصر إلى دولة تابعة لدويلة قطر، ولإرادة العثمانيين الجدد أردوغان وحزبه فى تركيا..، وباعوا أسرار الأمن القومى المصري لعواصم العالم..!


هذه أمور مزعجة - للغاية - للمثقفين، هؤلاء الذين ينظر إليهم عامة الناس بوصفهم أناساً يعيشون في أبراج عاجية، منعزلين عن الواقع، يعون الأحوال.. لكنهم لا يتدخلون، هم فقط يتكلمون يكتبون يبدعون.. لكنهم لا يتحركون وللواقع لا يرسمون!


تبددت هذه السمات مع اعتصام (وزارة الثقافة) في الأسبوعين الأخيريين اللذين سبقا ثورة ٣٠/٦ لخلع وزير الثقافة الإخوانى “علاء عبدالعزيز” لقد كان هذا الاعتصام فى حقيقته صادماً لـ “المحظورة” التى ظنت أن المثقفين سيخضعون ويرضون بوزيرهم وصادماً لعامة الناس الذى رأو أن المثقفين عادة لا يتحركون..! كان المثقفون فى انتظار جودو الذى لا يأتى أبداً مثل رائعة “صمويل بيكيت” انتظر “فلاديمير” و “ستراجون” مجىء جودو، عولا عليه كثيراً فلم يظهر، لكن “السيسى” ظهر، ليفكك اللعز..! كان مطلوباً لثورة ٣٠/٦ زعيم يلتف حوله الناس، لاسيما أن ثورة ٢٥ يناير المجيدة، لم يضيعها الإ عدم وجود زعيم على رأسها، أو رمز يلتف حوله الثائرون.. ارتفعت صور “ناصر” و “السيسى” فى “التحرير” وكل ميادين الثورة، التى احتشد فيها ٣٠ مليون مصري وأكثر، يطالبون بسقوط مرسى وحكم المحظورة..!


التفت المثقفون إلى هذا المعنى، لم تخطئه أعينهم، ها هو زعيم جديد يولد من رحم مصر الولود، التفت المثقفون للمعنى التفوا حوله.. يعلمون أن المصريين لا يخطئون اختيار زعمائهم، وأدركوا أن السيسى يأتي على رأس مرحلة تاريخية جديدة، مثلما جاء محمد على رأساً لمرحلة جديدة نصبه الشعب وعمر مكرم ومشايخ الأزهر حاكماً لمصر ورفعوه علي كرسى الولاية في القلعة ١٨٠٥م ومثلما جاء سعد زغلول زعيماً للأم وغني له المصريون يا بلح زغلول.. يا حليوة يا بلح، ورفعوه فوق إرادة الملك والاحتلال ومثلما جاء عبدالناصر يقود مصر والعرب جميعاً إلى مرحلة تاريخية جديدة، فبكاه الناس بعد رحيله، وظلوا يشعرون تجاهه بالفقد إلى اليوم.. وفي ثورة ٣٠/٦ رفعوا صوره وصور السيسى، ولم يكن هذا من قبيل المصادفة.. أدرك المثقفون قيمة المخلص وجودو الذى جاء فى وقته تماماً.. ورحبوا بالسيسى من اللحظة الأولى..!


لم يفاجأ المثقف المصرى بتلك الصداقة التى انعقدت بين السيسى والشاعر الكبير الراحل “عبدالرحمن الابنودى”، الذى قال له السيسى ح تتعالج يعنى ح تتعالج وزاره والتقطت لهما صورة تذكارية شهيرة، وحين توفي قال السيى لزوجته نهال “جوزك كان ملك مصر كلها” لم تكن تلك العلاقة مصادفة، كان السيسى يدرك قيمة هذا الشاعر العظيم، فى صنع الثقافة وترسيخ القيمة الوطنية، من هنا جاءت علاقته بالأبنودى مثل “أيقونة” ترمز لعصره.


السيسى فى عام حكمه الأول التقى المثقفين المصريين أكثر من مرة.. في لقائه بهم فى ٢٠ ديسمبر ٢٠١٤ قال لهم: مبارك هو اللى خرب البلد.. منه لله، ترك لنا مشاكل كثيرة، فى كل مجال، ومصر زى العربية “السيات” وأنا بحلم تبقى “مرسيدس” بهذه البساطة كان كلام السيسى للمثقفين المصريين وقال لهم بنفس البساطة: لن يسرق أحد جنيهاً من هذا البلد خرج المثقفون من هذا اللقاء بروح جديدة، عرفوا أن الرئيس لا يختلف فى تفكيره عنهم، كان هذا الموقف بعد موقف الذى طالب فيه باحترام ثورتى يناير ويونيه معاً على نفس النمط، وتكلم عن وجوب ظهور تشريع يجرم الاعتداء اللفظى والفكرى عليهما، وهو الموقف الذى يتبناه المثقفون المصريون بلا استثناء.


أيد المثقفون السيسى فى حربه ضد الإرهاب ولا يزالون، من هنا جاء تأييدهم له في وجوب تجديد الخطاب الدينى، هذا المطلب الذى كرره الرئيس لمرات متعددة متوالية، كان هذا التجديد ولايزال حلماً لدى المثقف المصري منذ بداية عصر النهضة المصرية، أى منذ ظهور “رفاعة الطهطاوى” على الساحة الثقافية والتعليمية في مصر.. وهو الحلم الذى يراود - كذلك- النخب الدينية المستنيرة، فبين السيسى وبين المثقفين - إذن - ثلاثة ملفات يمكن حصرها بسهولة، سواء من خلال لقاءاته بهم قبل توليه الرئاسة “خلال الترشح” أو بعد توليه الرئاسة: القضاء على الفساد الموروث من العصور السابقة، نشر ثقافة الاستنارة واستعادة فكرة “مصر الرائدة فكرياً” وتشجيع الإبداع.


عند النقطة الثالثة هذه - وقد رأينا الاتفاق الكامل بين السيسى والمثقفين فى قضيتى التنوير، ومكافحة الفساد - نجد القيل والقال.. فوزارة الثقافة، المنوط بها تشجيع المواهب ونشر إبداعاتها واكتشاف المغمورين وتقديمهم إلى المجتمع، لم تقم بهذا الدور.. فى عام من حكم السيسى، شغل د. جابر عصفور منصب وزير الثقافة معظمه، انشغل في فترة وزارته بالصراعات الداخلية فى الوزارة، لم ينجر د. عصفور برغم ماله من قامة ثقافية كبيرة، وقيمة نقدية عملاقة، ما توقعه منه المثقفون.. وجاء من بعده د. عبدالواحد النبوى، ذلك الذى أثير حول انتمائه للأزهر لغط كثير، والأخطر ما أثير حول انتمائه للإخوان.. صحيح أن هذه الأوهام جمعيا تبددت، لكن بقى أن د. النبوى - بعد أكثر من شهرين من توليه الحقيبة الوزارية - لم يقدم شيئاً يذكر للثقافة المصرية حتى الآن..!


هكذا تبدو “الحقيبة الثقافية” المصرية مثل “تركة الرجل المريض” الذى يعانى سكرات الموت، وفى هذه التركة تعقيدات لايريد أحد تحملها.. ومطلوب أن تعالج، لماذا؟ لأن تركها هكذا يعنى - عملياً - انتهاء دور وزارة الثقافة المصرية، التى لاتزال المؤسسة الثقافة الوحيدة التى باستطاعتها تحمل أعباء العمل الثقافى، برغم انتشار مشروعات ثقافية خاصة.. لايمكن الفصل - حتى الآن - بين فكرة “نشر الثقافة” وبين “وزارة الثقافة” والتجارب الحية تشهد على جدية الفكرة، لاسيما تجربة الوزير د. ثروت عكاشة فى عصر خالد الذكر الزعيم جمال عبدالناصر الذى صنع حالة ثقافية شديدة الخصوصية فى مصر، لا نبالغ إذا قلنا إن تأثيرها لايزال سارياً فى الحركة الثقافية المصرية ليس فى مصر وحرصها بل في العواصم العربية كذلك..!


مطلوب في عام جديد من حكم الرئيس السيى عدد من النقاط والأفكار الثقافية الحاسمة:


أن تتبنى وزارة الثقافة برنامجاً واضحاً لاكتشاف المواهب وتقديمها.. في الرواية والقصة القصيرة والشعر الفصيح والشعر العامى والفن التشكيلى والنقد والتمثيل والغناء، إننا هنا لا ندعوا إلى برنامج اكتشاف مواهب على غرار ما يحدث فى الفضائيات،إننا نقصد برنامجاً ميدانياً، يطوف المحافظات، ويكتشف المواهب وينشر أعمالها الفنية والأدبية وينوه إليها، ويتبناها حتى تقف على قدميها.


إعادة طباعة أمهات الكتب التى صدرت عن وزارة الثقافة في الستينيات، وبسعر رمزى.. وتتعلق بالتاريخ والآداب، لاسيما التاريخ والآداب، العربية، فهذا أمر بالغ الأهمية لاسيما الآن ولا مبالغة لو قلنا إنه جزء أصيل من الحرب ضد الإرهاب.


إعادة طبع ونشر “سلسلة التنوير” التى أصدرتها وزارة الثقافية في التسعينيات، ككتب موجهة للحرب ضد الأفكار الرجعية التى تملأ العقول هذه الأيام.


إعادة إنشاء “مؤسسة السينما” التى كانت قائمة في الستينيات، وكان خطأ جسيماً فى عصر فاروق حسنى وزير الثقافة الأسبق أن يتخلى عن دور العرض السينمائية وينفض يديه من إنتاج الدولة للسينما، بما أدى إلى تدهور أفلامنا على النحو الذى نراه الآن.


تأسيس “المسرح المصرى” على أسس جديدة.. وزيادة تمويله، وإعادة تقديم المسرحيات الناجحة، سواء فى الستينيات أو فى السنوات الماضية، وتوجيه دعم مالى خاص له، بوصفه ليس فقط “أبو الفنون” وإنما أيضاً أسرع وسائل التنوير ونشر الأفكار المدنية.


النظر فى ترشيد النشر وتداخله بين هيئات الوزارة على نحو غير مسبوق، والقضاء على الفساد والمحسوبية فى طريقة النشر، وتوجيه قطاع منه للمواهب الشابة وقصره عليها.


هذه الأفكار - وغيرها - من الممكن أن تصنع حالة ثقافية متجددة، أكثر عطاء تستوعب المواهب الجديدة في كافة الآداب والفنون - وهى بالمئات، دون مبالغة - وتستعيد الدور الثقافي المصرى الذى يجب أن يعود إلى ما كان عليه من قوة، هذا ما نتمنى أن نراه فى العام الثانى من حكم الرئيس السيسى، وعلي وزارة الثقافة والمسئولين بها أن يدركوا أن الثقافة مسألة أمن قومى، دون هذا.. فإن كل ما يحدث فى مصر الآن سيمحوه التاريخ، لأن التاريخ يحييه المثقفون ويكتبه المؤرخون..!