البرلمان الغائب

03/06/2015 - 11:44:43

صورة أرشيفية صورة أرشيفية

تحقيق : عبد الحميد العمدة

لا يزال غياب مجلس النواب عن الحياة السياسية وعدم إجراء الانتخابات البرلمانية حتى الآن يثير لغطا كثيرا داخل الأروقة السياسية وبين المواطنين في الشارع المصري نتيجة تأخر اجراء الانتخابات وخاصة بعد إقرار الدستور الجديد واقرار خريطة الطريق من كافة الاطياف السياسية في ٣ يونيو، فتحول الامر بعيدا عن الحقيقة المتمثلة في العوار الدستوري الذي يشوب القوانين المتعلقة بالانتخابات وتقسيم الدوائر الذي يؤدي لعدم الدستورية، الأمر الذي يعنى مراجعة تلك المواد والنصوص مرة أخرى مما يتطلب وقتا يمتد لأشهر، وذلك في ظل تقاعس الحكومة في الاستعانة بالخبراء الدستوريين أو الاخذ بمقترحات القوى السياسية المعنية بشكل مباشر بالانتخابات.. وأصمت الحكومة آذانها عن الجميع بالرغم من عقد جلسات استماع لتلك القوى


لم يقف الامر عند هذا الحد بل زايد البعض على رئيس الجمهورية بالقول في عدم رغبته في وجود برلمان بجانبه كسلطة تشريعية لرغبته، حسب مزاعم وأداءات تلك القلة، في الانفراد باتخاذ القرار، الأمر الذي جعل الرئيس عبد الفتاح السيسي يؤكد مرارا وتكرارا في خطاباته الثابتة وفي المناسبات ضرورة توافق القوى السياسية لمصلحه البلد، بعيدا عن الصراعات الحزبية الضيقة وآخرها حديثه خلال لقائه برؤساء الأحزاب مؤخرا عن تبنيه تشكيل تحالف سياسى قوى وموحد لمصلحة البلد ومطالبته لهم بضرورة انتقاء العناصر الجيدة التى تستحق تمثيل الشعب وصاحبة الخبرة والحنكة السياسية بعيدا عن الرغبة في الاستحواذ والسيطرة، ما سبق جعلنا نطرح في هذا التحقيق على الخبراء والقيادات الحزبية تلك المزاعم خاصة بعد عام من تولي الرئيس عبد الفتاح السيسي قيادة البلاد ، للاجابة عليها، ومدى تاثير عدم وجود برلمان في الاوضاع الامنية والاقتصادية الراهنة، اضافة لمكافحة الارهاب الذي يحيط بنا داخليا وخارجيا وموقف العالم ازاء تاخير انعقاد البرلمان ومدى الحاجه لاجراء الانتخابات في ظل حرص ورغبة الرئيس على وجود برلمان منتخب شعبيا بكل ديمقراطية وشفافية..


يقول في البداية الدكتور عمار على حسن الباحث السياسي، انه لا يمكن للعالم ان يحترم نظاما سياسيا يعيش كل هذا الوقت بدون وجود برلمان منتخب لديه استنادا لذرائع وحجج واهية، ومنها على سبيل المثال ان الاوضاع الامنية غير مواتية لاجراء الانتخابات، وكذلك ان القوانين المتعلقة بالانتخابات والتى تصدر يوجد بها عوار دستوري.


ويؤكد د. عمار على حسن انه يجب وفقا لخريطة الطريق التى اعلنت يوم ٣ يونيو ان تكون السلطة التنفيذية حريصة كل الحرص حتى يخرج برلمان للنور في اسرع وقت ممكن، فلا يمكن القبول بذريعة الخوف من ان ياتى البرلمان بجماعة الإخوان الارهابية او الجماعات المتطرفة مرة اخرى، لانه يجب ان تكون الثقة في الشعب المصري الذي أسقطهم كبيرة، وكذلك يجب المراهنة على الوعي الشعبي والسياسي للشعب المصري، لان هناك قوانين يبطل اخراجها في غياب البرلمان.


ويضيف الباحث السياسي د. عمار على حسن: رؤية البعض بعدم اهمية البرلمان في الوقت الحالي نظرا للظروف التى تمر بها البلاد والتى تتطلب تضافر الجهود لتحقيق الامن والاستقرار والتنمية، ووجود البرلمان قد يكون سببا في تعطيل الجهود ومعوقا للتنفيذ، تلك رؤية قاصرة لأن جزءا مهما من كسب الشرعية يتمثل في توفر الثقة في اداء السلطة التنفيذية، وهذه الثقة لا يمكن لها ان تتوفر في ظل الغموض والانفراد بالقرار.


ويشير الى ان وجود البرلمان وان اختلف مع الرئيس في القيام بدوره فى مراجعة قرارات رئيس الجمهورية ومراقبة اداء الحكومة فهذا مفيدا للشعب، لأن السياسة تقوم على تمثيل المصالح وان استشعر الناس ان مصالحهم ممثلة من نواب انتخبوهم فيمكنهم في هذه الحالة ان يطمئنوا.


ويستطرد قائلا: لكن تصرف رئيس الجمهورية باعتباره الممثل الوحيد لحقوق الشعب باعتباره الوحيد الذى انتخب بشكل ديمقراطي ووفقا للدستور، فهذا يمثل اعباء فوق طاقته وليست في صالح البلاد على الاطلاق.


ويتساءل قائلا: لماذا نفترض ان البرلمان المقبل سيكون عائقا امام الرئيس ومعطلا للتنمية، اذا كان الرئيس يعمل لصالح الوطن ويتخذ القرار الرشيد باصدار القوانين التى تحقق المصلحه العامة، ففي هذة الحالة لماذا اذن يعارض البرلمان الرئيس والاثنان يعملان لصالح الوطن والمواطنين، وهذا يعد خوفا لا مبرر له لحصر المصلحة الوطنية والعامة في شخص الرئيس، فاعضاء البرلمان الآن يختلفون عن اعضاء برلمانات ما قبل ثورة يناير الذين كانوا لا يرون على الاطلاق ان نجاحهم مرهون برضا الناس نظرا لانهم كانوا يأتون بالتزوير، انما ما يحدث الآن العكس لان اعضاء البرلمان يبذلون قصارى جهدهم لكثب ثقة المواطنين لتحقيق مصالحهم، لذلك يجب ضرورة الاسراع باجراء انتخابات البرلمان حتى لا يظل ظهر السلطة مكشوفا كما هو الحال الآن في ظل غياب الشعب عن القرار نتيجة غياب نوابه عن اتخاذ القرار وهذا يخصم من شرعية السلطة ويزيد من حالة الغموض .


يقول الدكتور يسري العزباوي رئيس البرنامج السياسي المصري بمركز الاهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية: من الناحية الفعلية اى مسئول مهما كانت وظيفته يرغب في وجود جميع الصلاحيات بيده إن كان يتعلق الامر بحدود مسئولية شركة او وزارة او هيئة، ولكن في حالة الدول الكبرى ومنها مصر فرئيس الجمهورية لا يرغب في الإمساك بجميع الصلاحيات لانه لم يأت ليستبد بل جاء لكي يدير عملية تحول ديمقراطي وليساعد على إدارتها، لذلك فوجود برلمان مهم وضروري وفقا للمؤشرات وتنفيذا لخارطة المستقبل التي لم يتبقّ منها سوى وجود برلمان قوي وحقيقي معبر عن اختيارات المصريين بكل شفافية وديمقراطية، فضلا عن الالتزام امام العالم، وهذا في حد ذاته يمثل ضغطا كبيرا لاجراء الانتخابات البرلمانية..


ويضيف قائلا، وجود برلمان يعمل على احداث التوازن بين السلطات، وخاصة بعد اقرار الدستور الجديد الذي منح صلاحيات واضحة للبرلمان تجاه رئيس الجمهورية والعكس، فمصر منتقلة من مرحلة ثورة وبها العديد من المشاكل والأزمات، مما يجعل المطالبات بوجود برلمان ضرورية ومستمرة، وإلا سيظل رئيس الجمهورية محض انتقادات عنيفة.


ويتابع قائلا: في ظل ما يواجه البلاد من ازمات ومشاكل ومواجهة الارهاب، فمن مصلحة الرئيس ان يكون هناك برلمان يمكنه تصدير المشاكل اليه ولمعاونته لاتخاذ قرارات مشتركة معا وليست منفردة من جانبه تعرضه لانتقادات رافضيها.


ويستطرد بالقول ارى البعض ممن يوعز للرئيس من الاحزاب وبعض الشخصيات بعدم الحاجة لوجود برلمان ويجب تأجيله لعدم جدواه من وجهة نظرهم ليتمكن الرئيس من اتخاذ القرارات منفردا لانجاز قرارات وتشريعات تقوى قبضته الامنية والاقتصادية في ظل عدم وجود برلمان او تيار سياسي او حزب يتبع الرئيس، ففى الحقيقة هناك تخوف لدى البعض وليس لدى الرئيس من وجود برلمان غير متسق او متفق مع مصالحهم.


ويؤكد د. يسري العزباوي حتمية وجود برلمان وذلك طبقا للدستور وجميع المؤشرات الديمقراطية وليس حسب المزاج والاهواء لدى البعض.


ويلقى باللوم على القوى والاحزاب السياسية الى جانب الحكومة في التأخير لاجراء الانتخابات وذلك لعدم وجود مقترحات قوية ورؤية بناءة لدى الاحزاب لتقديمها للحكومة سوى الاعتراض، وكذلك الحكومة غير القادرة على التنفيذ، فالافضل اجراء الانتخابات ليصبح لدينا برلمان بدلا من الحديث غير ذى الجدوى، لان الانتخابات مهمة جدا وهناك ضغوط من قوى دولية وداخلية تطالب بسرعة وجود برلمان.


من ناحيته يقول د. يحيى قدرى النائب الاول لرئيس حزب الحركة الوطنية المصرية، ان لدى رئيس الجمهورية رغبة في وجود برلمان تعادل نفس رغبتنا في سرعة وجوده، مضيفا: من المؤكد ان الرئيس لا يرغب فى ان يكون وحده متحملا كل المسئولية على اكتافه في ظل الظروف الدقيقة التى تمر بها البلاد، بل يحتاج توزيع المسئولية على جميع سلطات الدولة الدستورية والمنتخبة، فليس من المعقول ان تظل معه سلطة التشريع لاصدار القوانين، وكذلك سلطة الرقابة على الحكومة لغياب البرلمان، ففي ظل وجود ارهاب يهدد الدولة والمنطقة فالرئيس يرغب في وجود برلمان يمكنه من الدخول فى المواجهة بصدر شديد وبظهير دستوري.


ولفت د. يحيى قدرى الى ان من يدعى ان الرئيس لا يرغب في وجود برلمان يحمل فكر متسطح ولا ينظر للامر بشكل حقيقى، والبعض توهم ان تركيز السلطة في ايدى الرئيس يعطى لهم امانا اكثر مما لو هناك برلمان وتوزيع للسلطات، ويتوهمون ان وجود البرلمان يمكن ان يقيد الرئيس في قراراته، وهؤلاء اصحاب نظرة ضيقة يرفضها رئيس الجمهورية، لانه يؤمن بان تعدد الاراء التى تخدم الدولة لمصلحة الدولة وليس لتقويضها، فالراى والراى الاخر اساس الديمقراطية التى قررنا ان تكون موجودة، فالتخوفات التى يتوهمها البعض لا محل لها ويتعين عليهم ان ينزعوها من هواجسهم لعدم دقتها وصحتها.


ويوضح ان سبب تاخير اجراء الانتخابات ليس رغبة رئيس الجمهورية وانما يعود لارتباك حقيقى وملحوظ في اداء الحكومة نتيجة عملها في ظروف استثنائية وانتقالية، ولكن الموقف يحتاج ان نتحمل قدر معين من وجود اخطاء لها نتيجة لما تعانية وتواجهه في ظل الظروف والاوضاع الاستثنائية التى تواجه البلاد، وعلى الحكومة ان تعلم ان وجود البرلمان سيصحح كافة الاخطاء والاوضاع التى يريدها الرئيس، فضلا عن ان اهمية وجود برلمان في هذه المرحلة تمكنه من منع حديث دول العالم بالتدخل في الشأن المصري باعتباره برلمانا شعبيا منتخبا بارادة شعبية حقيقية ومعبرا بكل شفافية وصدق عن الشعب المصري .


من جانبه يشير الربان عمر مختار صميدة رئيس حزب المؤتمر الى كذب الادعاءات بعدم رغبة الرئيس فى وجود برلمان، مستشهدا بتدخل الرئيس لحل ازمة حزب الوفد، مضيفا تاجيل الانتخابات يعود لاسباب قضائية وليست سياسية، وليس للرئيس دخل بذلك .


ويضيف قائلا: نحن كاحزاب وقوى سياسية لسنا مع تاجيل الانتخابات او تاخر انعقاد البرلمان ولكننا نامل الا يتم الطعن مرة اخرى على القانون ، لاننا في اشد الاحتياج لبرلمان لاصلاح العوار بقوانين الانتخابات ليصدر بدوره القانون الدائم وفقا للدستور وكذلك انشاء مفوضية الانتخابات لننتهي من هذا الموضوع، واعتقد اننا جميعا كقوى سياسية وايضا رئيس الجمهورية نرغب في انتخاب برلمان قبل بداية العام القادم بنهاية هذا العام لانه لا يوجد مبرر للتأجيل.


ويلفت الى ان الدول الديمقراطية لا يمكنها ان تظل دون برلمان، باعتباره اكثر العوامل المساعدة للرئيس عكس ما يزعمه البعض لانه يعد الظهير التشريعي لرئيس الجمهورية ومهما بجواره لاصدار التشريعات والقوانين ومراقبة الحكومة وذلك وفقا للدستور وبخاصة ونحن نؤسس لدولة القانون والدستور والرئيس أول من ينادى بهذا ويعمل لترسيخ دولة القانون.