فنون التطبيع مع المعتدي في معرض دولي بالقاهرة

27/05/2015 - 4:08:26

صورة ارشيفية صورة ارشيفية

د. مجدي يوسف - كاتب مصري

   أوداج منتفخة، وعيون مفنجلة فى حفل افتتاح معرض "جسور" القافلة الذى شارك فيه أكثر من أربعين عارضا من مصر، وأربعة من إسرائيل.


    المعرض (4 ـ 30 إبريل 2015) أريد له أن يجعل الفن "جسرا" بين الثقافات والأديان بالقرب من القاهرة على طريق مصر الإسكندرية الصحراوى. ويتوسط إحدى الصور التى "توثق" له مشهد للفنان عمر الشريف، وعلى وجهه علامات "التأثر الشديد"، بينما هو منهمك فى حديث صوفى "عميق" مع صاحب فكرة ذلك العرض: الأب الأمريكى "بول-جوردون تشندلر"، راعى كنيسة المعادى الأسقفية للناطقين بالإنجليزية على مدى عشرة أعوام بالتمام والكمال: 2003 – 2013. وقد تفتق ذهنه أثناء "خدمته" الإكليريكية هناك عن فكرة "الجمع" بين معتقدات وثقافات الجنوب والشمال عن طريق "وحدة الفنون". بل يجابهك رمز المعرض بلوحة لرضا         عبد الرحمن تمثل وجها لفتاة ترصع شعرها النجوم ويتوسط محياها الهلال معانقا الصليب، ومن تحته العنوان التالى: "روح واحدة". أليس فى ذلك أسمى درجات التناغم، وقد اختير رمز ثورة 1919 ليعلو فكرة العرض؟! لكن ألا يتساءل المرء هنا: وهل يرجى من توظيف رمز الوحدة الوطنية من أجل "وحدة" مع المغتصب الإسرائيلى مثلا، وقد تسلل ممثلون له ضمن العارضين؟!!


    عمر الشريف الذى مثل دور "إبراهيم" فى رواية "مسيو إبراهيم وزهور القرآن" للكاتب الفرنسى الصوفى "إريك إيمانويل شميت" يقع هو الآخر فريسة لتلك الخدعة الصهيونية التى تريد أن تكسر إرادة شعوبنا وتجعلها ترضخ للقهر الإسرائيلى، وتتعايش معه باسم انفتاح زائف على الآخر، فى صورة ذل يرمز إليه بوضوح فى ذلك المعرض تمثال حمار ذليل خاضع عليه بردعة متلألئة بالزخارف، وقد تكررت نسخه مرات عديدة لتؤكد على خضوعه ومذلته رمزا "للسلام"، أى سلام خضوع إذن؟ بينما يقف أمامه فى إعجاب صريح أصحاب النيافة والأحبار العرب يعربون عن "انبهارهم" بهذا العمل "الفنى" الفريد!!


    أما قوميسيرة هذا المعرض فهى "ليليان ملجروم" المولودة فى باريس، والتى قضت طفولتها وشبابها فى استراليا، لتستقر فى إسرائيل لسنوات طوال، وهى تقيم الآن فى الولايات المتحدة  متعيشة من فنها "المتجول" هذا. وقد  جعلت "رحلة" هذا المعرض تبدأ من باريس، لتنتقل بعدها مباشرة للقاهرة "بيت القصيد"ـ ثم تتجه بعدها إلى لندن، فبرشلونة، ونيويورك، وشيكاجو، لتنتهى فى سان فرانسسكو. أليست جولة "دولية" بحق، تسعى لأن تحتوينا بوهم عالمية "فنية" تلهينا بها  بعيدا عن قضايانا المحلية المصيرية، و"تجيد" الالتفاف من ثم على قراراتنا الشعبية بمقاطعة التعاون مع المغتصب الصهيونى فى إسرائيل على كل الأصعدة المهنية "فنية" وغير فنية؟  وكأن لسان حالها: إذا شئت أن تكون "عالميا" فعليك أن تقبل التعاون مع المغتصب والمعتدى الإسرائيلى!! وتنطلى هذه اللعبة للأسف الشديد على أكثر من أربعين فنانا تشكيليا مصريا يبحثون عن "عالمية" وهمية بالانخراط فى هذا العرض الذى ينتهك إرادتنا الشعبية الوطنية متمثلة فى قرارات نقاباتنا واتحاداتنا المهنية جمعاء.


     بل إنك تجد فى صدر الدعوة للمعرض عبارات مقتطفة لتولستوى، وبيكاسو عن الفن والمحبة بين الناس على مختلف مشاربهم ومعتقداتهم. لم لا وقد استغل رمز الوحدة الوطنية فى مصر لغرض هو أبعد ما يكون عنه، بل يتناقض مع العزة والكرامة الوطنية؟ أولئك المتسللون ضمن عارضيه أليسوا ممثلين للكيان الصهيونى الذى ألقى قنابل النابالم الحارقة على أطفالنا فى بحر البقر، وعلى عمالنا فى أبو زعبل؟!! أليس ذلك الكيان العنصرى هو الذى لا زال يعربد بكل الإجرام فى فلسطين المحتلة، حيث صوب الرصاص بالأمس (إبريل 2015) على شاب فلسطينى من ظهره  ليرديه قتيلا، وكانت "جريمته" أنه مضى فى مسيرة سلمية فى القدس المحتلة محتجا على حقن الكيان الصهيونى لسجين فلسطينى آخر بمادة قاتلة قبل "الإفراج" عنه من معتقله  ليوارى التراب؟


    ومع ذلك تنتفخ أوداج أصحاب "حوار الأديان والثقافات" المغرر بهم، والباحثين عن "عالمية" موهومة، انبهارا ب"عبقرية" هذا الحدث الفنى "العالمى"، وكأن المشكلة بيننا والمعتدى الإسرائيلى تكمن فى الأفكار والعقائد، وليس فى المعتدى عليه والمعتدى، أو بين مغتصب الأرض والعزة والكرامة، والمغتصِب بكسر الصاد؟


    إن نظرة واحدة لرعاة هذا الحدث الفنى "الهمام" فى القاهرة تكشف عن توجهات أصحابه، فمن شركة لتجارة العقارات ترعاه فى عقر دارها، لعله يدر عليها أرباحا من أبواب دعائية، إلى أخرى للمياه الغازية الأمريكية، لكننا نتوقف أمام شارة "سفارة مصر فى واشنطن"، ونتساءل: لماذا تقف داعمة لهذا النشاط المعادى للشعب المصرى والعربى؟ أفهم أن السياسة الرسمية الخارجية تتجنب الصراع مع الكيان الصهيونى فى المنطقة، ولكن أن تدعم تحايله للتطبيع مع المعتدى عليه عن طريق مشاركته فى حدث "فني"؟!!


    ألا يتناقض ذلك مع قرار مجالس إدارة كل النقابات المهنية، والكليات الجامعية فى مصر مقاطعة المعتدى الإسرائيلى الذى لا زال سادرا فى إجرامه واعتداءاته المستمرة على أشقائنا فى فلسطين؟


    يذكرنى ذلك بما حدث عام 1985 فى مؤتمر للجمعية الدولية للأدب المقارن فى السوربون. فبعد أن سئمت من ملاحقة الباحثين الإسرائيليين الذين ما انفكوا يبعثون إلى منذ السبعينيات فى جامعتى الألمانية التى كنت أستاذا محاضرا بها بعروض وإغراءات بأن أكون إلى جانب علماء كبار من أمثال تشومسكى وغيره فى الهيئة الاستشارية لدوريات علمية إسرائيلية، فلا أعتبر أن شيئا وصلنى منهم، إلى أن فوجئت فى أغسطس 1985 بأن وضعت فى برنامج مؤتمر الجمعية الدولية للأدب المقارن الذى عقد آنذاك فى (السوربون) "سندويتش" بين باحثتين إسرائيليتين فى جلسة واحدة من جلساته. عندئذ توجهت لمنظم  المؤتمر معربا له عن عدم قبولى لذلك، لكنه ادعى أن الأدب المقارن لا علاقة له بالسياسة، فأفهمته بأنى أعتذر بالتالى عن المشاركة فى تلك الجلسة. وتضامن معى آنذاك المشاركون فى ذلك المؤتمر من الزملاء العرب، وكان من بينهم فريال غزول، وأمينة رشيد، وسيد البحراوى وغيرهم. وما إن علم الإسرائيليون المشاركون فى المؤتمر بذلك حتى هاجمونى فى الجمعية العمومية للمؤتمر، واتهمونى بمعاداة السامية، وقد تم فصلى آنذاك من الجمعية الدولية للأدب المقارن، على الرغم من عضويتى الفعالة فيها منذ عام 1967، بعد أن قننت لذلك مادة استحدثت فى لائحة الجمعية تنص على فصل أى عضو لا يتعاون مع عضو آخر بسبب انتمائه لبلد، أو جنس، أو دين معين.


    ولم تكن المسألة عندى تتعلق بالدين أو الجنس على الإطلاق، فطالما عاش اليهود المصريون بيننا، ولم ينل أيهم أدنى سوء، بل كان لهم ما لنا، وعليهم ما علينا، وإنما برفض التعاون مع المعتدى ورموزه، لا سيما وأن طابا كانت آنذاك لا زالت ترزخ تحت الاحتلال الصهيونى.


    والطريف أنني تساءلت فى حوار على هامش الجمعية العمومية للمؤتمر: هل كان من الممكن لباحث فرنسى أن يتعاون مع آخر نازى أثناء احتلال ألمانيا لفرنسا؟ فرد عليّ إسرائيلى بقوله: نعم، كان عليه أن يتعاون معه!!


    ولعل هذا هو المنطق الذى يريدون لنا نحن العرب أن نبتلعه كى نكون "مسالمين" معهم: منطق الرضوخ الذليل للمعتدى والمغتصب، وهو ما لن ترضاه شعوبنا الأبية أبدا مهما حاولوا الالتفاف حول إرادتنا الشعبية بمثل هذه الجولات "الفنية" التى تستهدف كسر إرادتنا وعزتنا القومية فى المقام الأول عن طريق الانخراط فى "عالمية" زائفة.


    أما توظيف "الفن" على هذا النحو "الجوال" للالتفاف حول كرامتنا الوطنية باسم التعايش "السلمى" مع الآخر المعتدى، فلعبة مكشوفة لن تنطلى على شعبنا. وما أحرانا أن نتوخى الحرص على عدم الانخراط فى مثل تلك الأنشطة المشبوهة التى يراد بها كسر إرادتنا فى العيش مرفوعى الرأس، والسعى لفصلنا عن محيط شعوبنا العربية التى تشاركنا قبل اللغة والثقافة المشتركة القهر المشترك.


    وعلى كل مصرى وعربى مشتغل بالفن ألا يقع فريسة لهذه الخدعة الصهيونية باسم عالمية موهومة تفصله عن أرضه وشعبه الذى أحرى به أن يتمسك ويفاخر بارتباطه به وولائه له.. كما أطالب نقابة الفنون التشكيلية بأن تتخذ موقفا حيال المشاركين فى هذا المعرض لتناقضه مع القرار العام لكل النقابات المهنية المصرية.