لوجع العراقي حين تصيبه حمى اللقاء بملاك أو شيطان .. شعراء عراق ما بعد 2003

27/05/2015 - 4:07:32

عبد الوهاب البياتى عبد الوهاب البياتى

إعداد وتقديم: ماجد موجد - شاعر عراقي

    كل كتابة عن الشعر العراقي هي بمثابة مأزق (ورطة) تجرجر التعبَ والإرهاقَ إلى نواحي القلب والذهن والذاكرة، مهما بلغت الكتابة من ضبط في تصوير الجزئيات البعيدة فإنها ستفتح فجوة لا تغلقها مجرة من الكلام، ذلك أن الشعر العراقي، وهو وحده إلى حد بعيد يمتاز بهذه الصفة، بحرٌ متلاطمٌ من النار والأنين والالتفات والشكّ والقلق والتنافس، هذا ليس مديحاً بقدر ماهو وصف لحقيقة معروفة وقارة في الحاضن الثقافي العراقي والعربي، ليس لذلك البحر من هجوع ولا قبول بما هو كائن فيه حتى لو تم رفع قبعات العالم لأجله، إذ ثمة من يطحن في كلِّ ليلةٍ الكتبَ والنومَ لكي يجد ما هو مختلف ومغاير، حصل ذلك منذ أيام المساند والمنابر الموشاة بما هو برّاق ولامع، منذ رقائق الجلد حتى أوراق الدفاتر وها هو الآن على سطح شاشته الليزرية.


    الشاعر العراقي يمرض وتصيبه حمى لقائه بالملاك أو الشيطان حتى يقول زبد هياجه الفائر من العقل والوجدان، فهو يمتاح من فوّهة منجم لا يهدأ أواره، من هناك، من أناشيد آشوريين بصنوجها وأبواقها التي ترافق عربات آلهة تمخر سماوات البشر وتركل لهم فاكهة اللغة، من الهواء المرتعش في أفواه الكاهنات البابليات وحارسات معابد سومر وساقيات الحانات الساحرات، من جلجامش حيّاً وميتاً ومنحوتاً في الحجارة والنواميس، من مدارس البلاغة والفقه والمعارف في البصرة والكوفة وبغداد، من تراب أصفر كان يهشّه شهيدُ كربلاء عن عينيه كما يهشّ السيوفَ عن أهلهِ وهو ينشد المعاني ويرصف الجمل الحارقة، من هناك يأتي الشاعر العراقي ليقول قصيدته وتلك بداهةٌ عرف بها شعراء العراق.


    لم أكن أريد أن أعدّد الكمَّ الهائل من أيقونات الشعر والمشتغلين في الشعر والباحثين في الشعر إذ تحتشد في الذاكرة الثقافية والحضارية للعراق ومن ثم في ذاكرة ومخيلة كل شاعر، ولا أريد حتى أن أستشهد بمقولات معاصرة وكيف تبدو وهي تتعرف شعر العراق كأنها تتعرف مكمنا باذخ الغنى والدهشة مثل هذا الذي خلص إليه محمود درويش في عبارته (إنَّ الشعرَ يولد في العراق فكن عراقياً لتصبح شاعراً) مع أن تقديري لهذه العبارة أنها لو وضعت في سياق آخر ربما سيكون موجعا تأويلها. على أية حال وأنا أقدم هذه النصوص الشعرية العراقية بوصفها تمثل مرحلة زمنية أو حقبة كنت أريد الإشارة إلى هذا الوصف، أقصد الوصف الذي أبرم برماً في مخيلة الدرس النقدي ليحدّد بعُقودٍ زمنيةٍ، ما يسمى التجييل، وكما وصف على أن كل عقد من تلك العقود، أي كل جيل شعري له (سياقه ونسقه ومساره)، وكنت كتبتُ مقالاً أناهض فيه تسمية جيل شعري حين جرى الحديث عن مجموعة شعراء ـ أنا أحدهم ـ كتبوا في مطلع التسعينيات وكيف دفعوا دفعاً إلى تسمية (الجيل التسعيني) وحكي عن حكايات هواجسِهم وشعرِهم في الجرائد على وفق تلك التسمية، وأبديت آنذاك رأياً وطرحت تساؤلاً مفاده، ما إذا كانت هناك ماهية أسباب متوفرة تجمع ثلاثين شاعراً مثلاً وتضعهم في حزمة ومن ثم الحديث عن نصوصِهم الشعرية بوصفها مكمناً فنياً أو شكلاً أو أسلوباً واحداً، لقد وجدت أنه ما من ملامح جوهرية تجمع تفكير أو أية تطلعات فكرية لهؤلاء الشعراء، ولا نصوصهم يمكنها أن تكون مباحة لأي إطار فني وأسلوبي أو نوع بعينه من الحساسية الشعرية، لا شيء مؤكد وواضح بقوة سوى (ربما) أن موضوعات النصوص وتأثيث جملها ببعض المفردات تحيل إلى واقع تلك المرحلة التي كتبت فيها.


    لكن الذي حصل أن الدرس النقدي قد صنف الشعر العراقي ما بعد الرواد، أعني ما بعد تلك القصائد الطولية بتفاعيلها المبتورة ونظم القوافي التي كتبها وشيعها السياب ونازك والبياتي بوصفها شعراً جديداً (حراً) وكان ذلك بمثابة التفاتة حادة ومضيئة غيرت مسار القصيدة العربية أو بالأحرى أضافت مساراً جديداً للشعر العربي. وهنا ينبغي الإشارة إلى بداهة مفادها: أن كل تطور أو ابتكار أو تحوّل ـ بما فيها تلك التحولات المجددة والمبتكرة الكبرى في حقول المعارف والعلوم ـ هو نتاج مخاضات كثيرة في تخصصها وفي ما حولها من متغيرات أخرى سوف تحث على ابتكار التفكّر ومن ثم الإنتاج من باطن هذا التفكّر، هذا ما كان قد حدث حين مدّت برءوسِها كبرى المدارس الشعرية في العالم، ما من جديد مكتمل إلا كانت له من قبل ماكينة تعمل على تجهيزه بالأدوات التي تجعله قادراً على إعلان وجوده الجديد المختلف. حسناً إذن أول تسمية جاءت على مجموعة من الشعراء كتبوا قصائد على غرار تلك التي ابتكرها الرواد هم جيل الخمسينيات، وبعد عشر سنوات أخرى صار من البداهة أن أطلقت تسمية جيل الستينيات على الشعراء الشباب الذين ظهروا بعد عام 1960م، وهكذا جرى الاصطلاح على شعراء السبعينيات والثمانينيات والتسعينيات، غير أن الأمر لم يكن كذلك أبداً، أعني لم يكن مجرد تسمية جيل فقط بل كانت ثمة تنظيرات ومواقف وكشف اتجاهات أيديولوجية حول كل حزمة من حزم الشعراء على وفق العقود الزمنية التي ظهروا فيها، بل هناك ما هو أكثر يثير العجب والاستغراب، هو أن يرصد الدارسون شعراء كلِّ حقبةٍ أو جيل ويتحدثوا عنهم كأنهم شاعرٌ واحدٌ.


    فالجيل الفلاني مثلاً له (ملامح وقواسم أسلوبية ورؤيوية وتعبيرية مشتركة) كما أن الجيل الشعري كله يراه أحد النقاد يتحرك ويفكر بوعي وعقل واحد هكذا: "كان يسعى للتميز عن الأجيال التي سبقته بخصائص وسمات خاصة به"، أيضاً لولا هذا التجييل لما كانت ثمة حداثة شعرية تتجدد إذْ إنه ـ أي التجييل ـ (أحد القوى الدينامية الدافعة في حركة الحداثة الشعرية في العراق منذ الخمسينيات) وثمة صفات تحدد شخصية شاعر خمسيني أو ستيني أو سبعيني كأنه هو ذاته يمثل كلّ الشعراء الذين حشروا معه في العقد الزمني ويجري الحديث والتمايز هكذا من مثل: إن "الشاعر الخمسيني متصالح مع واقعه وإيجابي في التعامل معه، حتى في نزوعه الثوري ويعد نفسه صوت المجتمع والمعبر عن همومه وأشواقه"، ولكن الشاعر الستيني كان "في خصام دائم مع المؤسسة الاجتماعية وكان يحمل راية التمرّد والفردية"، وإن الشاعر السبعيني "جاء ليعيد تدريجياً الصلة المقطوعة مع المؤسسة الاجتماعية ويعمق حسّه الاجتماعي ويحقّق نوعاً من التوازن بين الذاتي والموضوعي" فيما كان الشاعر في الثمانينيات "ينظر" (إلى الكون والعالم والأشياء عبر منظار مهشم غائم وضبابي حيث تتشظى الأشياء والمرئيات والقيم، فتبدو الصور هلامية ورجراجة وخادعة) وفي التسعينيات كان الشاعر (يعبّر أحياناً عن رفضه للحرب والدمار ولسياسة النظام الاستبدادي بصورة غير مباشرة أو عن طريق الرمز والصمت وأحياناً من خلال البحث عن فضاءات نظيفة لا تلوثها محرقة الحرب و الحصار والتعسف) هذه التوصيفات هي لواحد من أهم النقاد العراقيين وأنا أقدر خبرته وتجربته النقدية في الكثير من المفاصل. لكن من غير المقبول ولا المنطقي الإصغاء إليه وهو يرى أن هناك مزايا وملامح وأفكاراً وتوجهات يشترك فيه حشدٌ من الأشخاص وكأنهم شخص واحد ويتصرفون بذات الجهد ويمتلكون ذات الوعي في تحقيق نوع من منجز إبداعي ويكون هذا النوع يسترق السمع إلى حاضره وإلى المستقبل السياسي والاجتماعي ومن ثم يسعى إليه أو يعبر عنه.


    هذا ما جعلني أخرج عن أية فكرة يمكنني فيها الحديث عن شعراء ما بعد عام 2003، فتسمية جيل لم يعد لها ما يناسبها في عبارة مكتملة ـ إن مضينا قدماً في ذات السياق التجييلي ـ إذ ثمة لطف منغم في لفظ عبارة الشعراء السبعينيين أو الشعراء التسعينيين لكن لا يبدو هذا مستساغاً في عبارة (الشعراء الألفينييين) وإنْ كان هذا سيُقبل ماذا نسمي شعراء ما بعد 2010 مثلاً؟


    حسنا هذا الموضوع يحيلني ـ مادمنا سنتحدث عن الواقع والظروف المحيطة بالشعراء الذين نحن بصددهم ـ إلى مقال سميته (وداعا للتجييل والانقلابات) ونشر في جريدة الأديب البغدادية عام 2005، وتحدثت فيه عن أن هناك بعض المفردات ستسقط من كتاب التاريخ العراقي القادم من مثل (جيل) أو (انقلاب). منذ تأسيس الدولة العراقية عام 1920 كانت مفردة (انقلاب) قارة في أدبيات الساسة والقادة وفي مركز الحاكم ومكتبه، ثمة بوادر تدور وتتسع رقعتها أو تضيق أو تعلو ثم تدور حولها المخططات وتفضي إلى إحاطة مركزهِ بالدبابات ويتم تغيير الحاكم، خفقٌ سريعٌ وخاطفٌ ويتم النيل منه، الآن انتهى زمن الإتيكيت الانقلابي كسبيل للإطاحة برئيس السلطة، لم يعد ثمة أفكار محددة يسعى أصحابها للسيطرة عبر الوصول إلى ميكروفون مباشر في الإذاعة أو التليفزيون ويعلن من هناك للجماهير أن الرئيس الطاغية أعدم في مكتب وزارة الدفاع وفي صباح اليوم التالي تبدأ الحياة في الدولة بحكم جديد.


    ما بعد عام 2003 لم تعد هناك دولة بالمفهوم السياسي أو العسكري أو الاجتماعي ولا حتى الثقافي لكي يتم الانقلاب على سلطتها.. في زمن حكم البعث كانت السلطة بكل مؤسساتها مرتبطة ارتباطاً تاماً وعضوياً بمكتب (صدام) وحين أسقطته أمريكا إنما أسقطت دولة العراق، وكانت أمريكا تعرف ذلك، تعرف أنّ الدولة كلها ستنهار إن تمت إزاحة صدام بتلك الطريقة الفوضوية المدمرة، وتعمدتها وفعلتها وعملت عليها منذ عام 1990 وتركت كل معاني الدولة في الهباء ورحلت. نعم إن تاريخ العراق هو تاريخ سلسلة من المطاحن والمجازر، صفحاته يتسرب منها الدم وترفس في سطورها الأجساد المنحورة والمشدودة على صلبان الموت والانتهاك، نعم إن أثماناً باهضة ونادرة أعطتها الكثير من العوائل العراقية حينما كانت ترى أعزتها وأبناءها محشورة جثثهم في أكياس بلاستيكية أحيانا دون سبب يستحق أن تجرح لهم إصبع لا أن يوضعوا وهم أحياء تحت (حادلة) تبليط الشوارع، نعم إنه ما من بنية صالحة لا إعماراً ولا تشريعاً ولا تنفيذاً وليس من أفق عال للحريات والأحلام والكرامة، لكن كل ذلك السوء كان يحصل في ظل دولة، وكان أي فرد لديه جبهة واحدة فقط عليه أن يتقيها ليشعر بالأمان، هي سلطة الدولة، أن لا يقف ضد قوانينها (المستبدة) أن يتحاشي مواجهتها وعدم التصرف على ما يخالفها ويمشي بعيدا عن أطرافها يعني ثمة أمان.


    وهنا أتوقف عند حال المثقف آنذاك وبالأخص الشاعر مدار حديثنا في هذه المقدمة، كان الشعراء طوال حكم صدام ما من خيارات حالمة أمامهم لأجل البقاء بأمان ضمن هذا السياق إلا في تلك الخيارات التي دفعتهم إليها ظروف بعينها وكلّ شاعر، أؤكد كل شاعر، كانت له ظروفه التي لا علاقة لها بظروف شاعر آخر البتة، ومن العسف الحكم على الجميع بمعيار واحد، كان يمكن لأي شاعر أن يقمع أفكاره المناهضة ويصمت لصالح أن يأمن بطش السلطة وهو بذلك يربح حياته، أو لا يطيق الصمت فليس له حينها سوى الهرب إلى البعيد وهو ما فعله عدد من الشعراء، أما سوى ذلك فربما قد أخفق بعضهم في دروب الهرب فوشت به الوشايات وزجَّ في غياهب السجون والموت، وبالطبع ليس ما يناله شاعر آنذاك بسبب قصيدة هجاء ضد صدام أو حزبه ألقاها في محفل مثلاً ليقتاد على أثرها ويسجن أو يعدم، ولكن بسبب قول أو موقف عبر عنه الشاعر برفضه لأساليب الاستبداد التي كانت مرفوضة أصلا من قبل قطاعات كبيرة من المجتمع ليست ثقافية أو من مستويات ثقافية غير معلنة لكن الأمر بالمحصلة تقوده مصادفات عمياء وحمقاء هي التي دفعت ببعضهم إلى السجون مثلما دفعت بغيرهم من الناس العاديين إلى ذات المصير دون غيرهم ممن لهم نفس المواقف أو حتى دون مواقف.


    وثمة من الشعراء من يئس وحار وأقعى ليكون ضمن جوقة المنتمين إلى حزب البعث الحاكم أو السائرين في ركبه والمباركين له علناً، فلأولئك مزايا كثر إذ فضلاً عن الأمن والأمان من أي بطش ـ لا سيما في ثمانينيات الحرب مع ايران إذ سوف ينهي الشعراء أصحاب القصائد (الوطنية) خدمتهم العسكرية في المواضع الخلفية والإدارية ـ وأيضا سينعمون بخيرات وفيرة من المناصب والمكاسب وسيكونون مراصد لوسائل الإعلام والبرامج الثقافية ودور النشر الحكومية. وأولئك لا يعنيهم في أية قائمة سيكونون بيضاء أو سوداء، وأن عيشاً رغيداً وآمناً لأسرهم هو هذا المعنى المقدس وسواه مجرد أكاذيب أيديولوجيات قادمة من أعداء الوطن. وثمة مجموعة من الشعراء هم بين بين فهم ناقمون على صدام وحكمه واستبداده لكنهم يعملون في مؤسساته الثقافية وينشرون مقالات وقصائد في سياق ما تتوجه إليه أفكار الإعلام الرسمي لكنهم يحاولون قدر الإمكان تجنب ذكر عبارات مدح صريحة لصدام، فقد كان معيار أن يكون الشاعر من المناهضين لحكم البعث لا سيما في التسعينيات أيام القحط والموت البطيء جوعاً إزاء المكارم الرئاسية الدسمة هو فقط أن لا يكتب اسم صدام في أية مادة ثقافية ينشرها شعراً أو غير شعر توفر له مصدراً مادياً يجنبه الجنون من الفقر وأيضاً يضمن لاسمه مكاناً فيما بعد ضمن (القائمة البيضاء) فأغلب من ورد اسمهم في تلك القائمة لطالما وقفوا في ذات الطابور الذي وقف فيه كتاب البعث لتسلم رزم الدنانير من استعلامات قصر صدام الجمهوري.


    هذا جزء طفيف من متن هائل من التفصيلات لا يمكن ذكرها هنا لكنها مجرد أطر عامة لما كان يعيشه شعراء العراق في ظل نظام مستبد وقمعي، أما الشعراء الذين ننشر نصوصهم هنا، ودعوني أتكلم عنهم كحزمة في سياق حديثي عن واقع حياتهم وليس لأنهم يمتلكون متناً شعرياً متشابهاً، شعراء انتبهوا بجزع وأسف في وطن ممزق لا يمكن لأحد أن يفقه منه شيئاً، إنهم شعراء ضمن شعبهم يرون أن حياتهم خارج معنى الوطن وخارج مفهوم الدولة وخارج أسس واضحة ونافذة للنظام والقانون، هذا الشعور نشز وانبجس وطفحت به الأكباد والأفئدة ما بين عامي 2005 و2008، سنوات الحرب الأهلية الطاحنة، ما من شيء تبقى حينذاك سوى أفكار عائمة يتكلم بها الناس وتشدهم إلى رغبة وحيدة أن كيف يحصنون أنفسهم من الموت، بل الخوف ليس من الموت المحض إذ أصبح عائماً خوف مثل ذاك، بمعنى أن الحال وصل بالناس من كثرة ما أرعبتهم بشاعة الأساليب في القتل تلك التي كان يتفنن بها مجرمو الطوائف (ومازالوا)، إن مفردة موت لم تعد تعني لهم شيئاً مثلما تعنيهم بالأساس الطريقة التي أدت إلى الموت، ويكون الدعاء والرجاء قبل أن يجدوا جثة العزيز الغائب أن لا يكون رأسُه قد حزّ، أن لا يكون قد قتل حرقاً أو تقريضا بالآلات الحادة، أن لا يكون قد تحوّل إلى أشلاء متناثرة في الشارع.. إلخ.


    شعراء ما بعد عام 2003 مثل بقية شعب العراق ليسوا أمام جبهة واحدة يخافون منها ويتجنبونها أو يطمئنون إليها ويعتنقون مذهبها، لكي يفكروا كيف سيكون مشوار حياتهم ووجهة إبداعهم ومن أية محطات سيمرّون، بل تناوشتهم جبهاتٌ وأبوابُ نارٍ لا يمكن اتقاؤها أو التصالح معها في إطار الوطن بل كان يمكن ذلك في إطار كونتات بائسة ما من قيمة فيها قط، الحكم والتنفيذ على الحقوق والواجبات بيد مجموعات إجرامية. وفي هذا الإطار فقد حرموا من مزايا معنوية كثيرة كانت لشعراء الحقب التي قبلهم، كان الشاعر في زمن حكم البعث مثلاً يأخذ موقفاً ما ضد السلطة أو الحزب الحاكم فيشعر أنه يعتلي سلم مجد ونضال حتى لو كان ذلك من دون إجراء بعينه، أو يكون مع الحزب والسلطة ليكسب مناصب ويحظى بأمن خاص لكنه يخسر تاريخه ويتوه عن طريق نضاله، لكن لم تعد هذه الأمور لها مكان، انتهت لعبة المعايرة، ما من شعراء قائمة سوداء وأخرى بيضاء، ما من أحد في الأحزاب الموتورة التي تتقاسم السلطة الحالية ولا في كل عناوين السلطة التنفيذية المشوشة يفكر بالشعر وأهل الشعر أصلاً، إن مدح الشاعر أم ذمَّ أم أوقد النار في نفسهِ لا أحد في أعالي حكام العراق اليوم يلتفت إليه ولا حتى شعب الثقافة يرفع له كفّ تحية، حكاية الشاعر البطل لم تحظ باهتمام الحاضر فدخلت في قصص التاريخ وانتهى الأمر.


    ظل الهواء المخلوط بالدخان والتراب وبقايا اللحم الآدمي الذي عادة ما يتنفسه الشاعر بعد كل انفجار بشكل مادي ملموس أو معنوي تدفع به مجبراً إلى دخول باب ضيق ليختبئ خلفه تجنباً لموتٍ وحشي، وبطبيعة الحال أن يسمح له بالدخول ليس لأنه شاعر بل لأن لديه هوية طائفته سينظر إليها البوّاب قبل الدخول والاحتماء. ما من منبر جدل شعري جاد أو عتبة أسلوب أو مسارٍ فني تسيل لأجل رفعتِه المحابر وتمتلئ شاشات الحواسيب والصحف بالردود والبيانات، الجميع صار يختلط ويتحول طارداً عن المكان الذي فيه وجوده وبقاؤه، ليس هناك تموّجات أيديولوجية عليا يرتبط إليها الشعراء عضوياً تجعل نصوصُهم تتنوع عليها بل ثمة فقط تموجات رؤى خاصة تحاول جاهدة أن لا يصلها الماء الأزرق المتدفق بلا هوادة من مؤخرة الطائفة.. لكن على صعيد آخر، إن صح استخدام هذا التعبير الإخباري، ثمة مكنون هائل من التجارب الشعرية وتمثلات أساليبها المتنوعة والمختلفة وضعت بسخاء لهؤلاء الشعراء، أعني أن ستين عاماً من التجريب الشعري الحديث من الرواد وحتى بداية عام 2000 هي الجزء المهم من الذاكرة الشعرية العراقية غدت ينبوعاً أمام شعراء ما بعد عام 2003 ينبوع يغلي فيه الشعر كله بحلاله وحرامِه بمقبوله وممنوعِه هذا فضلاً عن كلِّ منافذ المعرفة الأخرى ومنافذ القراءة والمشاهدة عبر ميديا التكنولوجيات المبهرة وشبكات التواصل العديدة، وهذا ما لم يتوفر لمن قبلهم، إذ معروف أية معاناة وجهد يبذله الشاعر الشاب آنذاك لكي ينشر قصيدته التي يريد، لكن هل هذا يفعل فعله أمام فكرة الحفاظ على وجود الذات في ظل سطوع فكرة غيابها المرعب؟


    من مجموعة القصائد هنا من تظهر بجسدِها ومعمارِها الأنيق والجمل المصوغة بدقة، إنه من السهل تعرف أثر التمارين والجهد الفذ الذي سبر غوار الشعر بقوة حتى جاءت هكذا صافية ومدهشة، ولا أريد أن أشير إلى أسماء شعراء تلك النصوص لأني أؤكد ما ذكرته آنفا أنه من غير المنطقي أن نطلق على حشد شعراء صفة واحدة أو معنى واحدا على وفق ذائقة واحدة، هنا نصوص نثرية وأخرى شعر تفعيلة وثمة نص أو اثنان من الشعر العمودي ذي الشطرين وإن كتب بشكل مقطع ، هنا مجموعة من الأحاسيس والإرهاصات الفنية الفاتنة والاشتغالات والرؤى والحساسيات قادمة من الوجع العراقي، كله أتمنى أن تكون في مسار الأهمية التي تقدم بها يوماً ما متنٌ شعري فذ ليقول إنّ الشعرَ عراقيٌّ.


    أخيراً ثمة أمر لا بدّ من ذكرهِ، وهو أن المعيار الذي أعتمد في جمع هذه النصوص هو أن يكون الشاعرُ قد بدأ فعلياً بالكتابة ما بعد عام 2003 حتى عام 2013، وذلك من أجل توفر عددٌ مقبول من النصوص لكن ذلك لم يف بالغرض إذ وصلتنا قصائد كثيرة من المحال أن يجمعها ملفٌ في مجلة، فارتأينا وضع معيار آخر وهو أن يكون الشعراء المساهمون في الملف من سن الأربعين فما دون، جرياً على عادة معظم المسابقات والمهرجانات وغيرها من الأنشطة الشعرية.. وبذلك فقط تحقق المطلوب في كم النصوص وعدد الشعراء.


    لذا أقدم خالص اعتذاري للأصدقاء الذين أرسلوا نصوصَهم وتم استبعادها رغم أهميتها، وأشكر كلَّ الأصدقاء الذين أسهموا في هذا الملف أو الذين أعانوني على إنجازه. وأتمنى لقراء "الهلال" متعة القراءة والاطلاع.