جراس وإسرائيل: صحوة ضمير كاتب قبل نفاد حبره؟

27/05/2015 - 4:06:38

جراس يتسلم نوبل جراس يتسلم نوبل

تقديم وترجمة: سمير جريس - كاتب مصري مقيم في ألمانيا

    هناك أعمال تدعي انتسابها إلى الشعر أو الرواية، غير أن المرء عندما ينتهي من قراءتها يتساءل: ما الذي دفع الكاتب إلى نشر شيء كهذا؟ ألم يكن من الأفضل له أن ينتظر حتى يجد الشكل الأدبي الملائم لفكرته؟ أو: لماذا لم يتناول أفكاره بشكل مباشر في مقال صحفي أو دراسة؟


    هذا أول ما تبادر إلى ذهني عندما قرأت "القصيدة" النثرية "ما ينبغي أن يقال" للكاتب الألماني جونتر جراس (1927 – 2015) التي أقامت الدنيا ولم تقعدها عندما نُشرت في إبريل 2012 في ثلاث صحف أوروبية في الوقت نفسه، وهي "زود دويتشه تسايتونج" الألمانية، و"لا ريبوبليكا" الإيطالية و"البايس" الإسبانية.


    "ما ينبغي أن يُقال" قصيدة مباشرة وخطابية زاعقة، ولولا أن كاتبها حائز نوبل لما اهتم بها أحد على الأرجح؛ ولولا أن كاتبها ألماني، بل شارك جندياً متطوعاً في سلاح الإس إس، إحدى أكثر الفرق النازية دموية ووحشية، ولولا أنه يهاجم في قصيدته إسرائيل هجوماً صريحاً مباشراً، لما أثارت هذه "القصيدة" ضجة أو ضجيجا.


    الأفكار الواردة في القصيدة أقل من عادية (ويمكنكم أن تحكموا بأنفسكم بقراءة القصيدة في نهاية المقال)، وهي تكاد تكون مقالاً سياسياً لا قصيدة، لكنها كانت من المرات القليلة التي يتهم فيها كاتب ألماني بوزن جونتر جراس إسرائيل بهذه الحدة والمباشرة. على الفور اتُهم جراس – وكما توقع هو في القصيدة – بمعاداة السامية، على الرغم من تأكيده طوال عمره على تضامنه مع الدولة الإسرائيلية، بل تأكيده على هذا التضامن في القصيدة نفسها. وهكذا أصدرت "واحة الديمقراطية" في الشرق الأوسط قراراً بمنع الكاتب من السفر إلى تل أبيب، كما أعلنت أنه شخص غير مرغوب به في إسرائيل. وحتى بعد وفاة جراس (13 إبريل 2015) انهالت الصحافة الإسرائيلية عليه هجوما بسبب هذه القصيدة تحديداً، واتهمه رئيس اتحاد الكتاب في إسرائيل بأنه شن على الدولة اليهودية "حملة صليبية حديثة". ولم يتذكر البعض، في ألمانيا وخارجها، سوى هذه القصيدة، وكأنها أهم ما كتب صاحب ثلاثية دانتسيج. وهذه هي إشكالية جونتر جراس، أو إشكالية الأديب الذي يمسي مع الأيام أيقونة كبيرة تختفي وراءها أعماله الأدبية، ويطغى حضوره السياسي على أعماله الأدبية.


    الضجة التي أثيرت حول "ما ينبغي أن يُقال" تبين أن هناك، بالفعل، ما يمكن تسميته بالتابو الإسرائيلي واليهودي في الغرب. هذا التابو له – في ألمانيا تحديداً بعد الهولوكوست – أسبابه التاريخية المعروفة والمفهومة، التي ما زالت تجعل مشاعر الذنب تثقل على كثيرين، فيؤثرون ألا ينطقوا بكلمة نقد واحدة تجاه دولة اليهود. هذا ما آثره جراس أيضاً طوال سنوات قبل أن يتجرأ وينطبق بـ"ما ينبغي أن يقال".


    كثيرون في العالم العربي يحتفون بجراس لأنه، في نظرهم، يهاجم السياسة الإسرائيلية، ويدافع بضراوة عن حقوق الفلسطينيين. لكن هذا ليس صحيحا، أو على الأقل: لم يكن صحيحاً طوال الوقت. لقد علا صوت جراس بانتقاد إسرائيل في السنوات الأخيرة من حياته فقط، بعد عقود طويلة كانت علاقته بالدولة اليهودية علاقة تضامن مطلق. ولا ننسى أن جراس كان أول أديب ألماني يزور إسرائيل بعد تأسيسها وإقامة العلاقات الدبلوماسية مع ألمانيا الاتحادية. كألماني لم يكن مرحباً به من الجميع في تلك الزيارة التي قام بها في مارس 1967، فرفض اتحاد الكتاب الإسرائيلي - على سبيل المثال - استقباله، في حين رحبت به الدولة ترحيباً كبيراً، فاستقبله رئيس الوزراء ليفي إشكول والرئيس سلمان شازار، بل سُمح لصاحب "الطبل الصفيح" أن يعطي حديثاً إلى التليفزيون الإسرائيلي باللغة الألمانية، رغم أن الرقابة كانت تمنع إذاعة أي برامج بـ"لغة النازيين". وفي عام 1971 زار جراس إسرائيل مرة ثانية مؤكداً تضامنه مع الدولة العبرية. ولعل جراس كان ينظر إلى البلاد العربية آنذاك باعتبارها بلاداً غير متحضرة تريد أن تخوض حربا لمحو إسرائيل وتلقي سكانها في البحر.


    هذا الموقف تغير تدريجياً في العقود اللاحقة، ومع حلول الألفية الجديدة بدأ جراس ينتقد إسرائيل علانية، فأثار أكثر من مرة غضب المجلس المركزي لليهود في ألمانيا. على سبيل المثال قال جراس في مقابلة صحفية نشرتها صحيفة "فرانكفورتر ألغماينة" (27 أكتوبر 2001): "لقد أعلنت ما يطالب به عديد من منتقدي السياسة الإسرائيلية الحالية، ومن بينهم كذلك مواطنون إسرائيليون، وأيضا كثير من اليهود في ألمانيا وأماكن أخرى من العالم: يجب العودة إلى اتفاق أوسلو، ولا بد من الانسحاب من المناطق الفلسطينية المحتلة؛ بالإضافة إلى ذلك أكدت على ضرورة إخلاء المستوطنات الإسرائيلية غير الشرعية التي بُنيت في تلك المناطق بطريقة إجرامية، هذا إذا كنا نريد السلام. أنا لم أشكك أبدا في حق الوجود لدولة إسرائيل داخل حدودها. وكيف لي؟ تربطني في إسرائيل علاقة صداقة مع كثيرين، وأنا أقف في صفهم (...) أحتفظ لنفسي بالحق في وصف الأفعال الإجرامية بأنها إجرامية. أيضا أرى أن رئيس وزراء إسرائيل الحالي (شارون) قد سلك في لبنان سلوكا إجراميا، وأن زيارته للحرم الشريف كانت استفزازا مقصودا يستحق أن يُدان في موقف خطير كهذا. كل ذلك يجب أن يُتاح قوله، بل لا بد من قوله". لم يتهم السيد شبيجل الكاتب الألماني آنذاك بـ"معاداة السامية"، لكنه ادعى أن جراس يتبنى آراء "أعداء إسرائيل المتطرفين".


    هذا النقد الموضوعي لإسرائيل يصبح هجوماً سافراً غير موضوعي إذا صدر من كاتب نشأ في ألمانيا النازية، لا سيما بعد اعترافه بانتمائه إلى سلاح "الإس إس" الدموي. في هذه الحالة لا يناقش أحد مضمون النقد، بل ينظرون إلى مَن قاله، وسرعان ما تلوح "العقوبة"، "الحكم الشائع: معاداة السامية"، على حد قول جراس في القصيدة.


    وفي رأيي فإن تهمة "معاداة السامية" تُبتذل كثيراً في النقاش حول إسرائيل في الغرب، بل إنها كادت تفقد معناها. هذه التهمة وجهت من قبل إلى الروائي مارتين فالزر في نهاية القرن العشرين، عندما تحدث عن "الهولوكوست كهراوة أخلاقية، بل إنها وجهت لكتاب يهود هاجموا سياسة إسرائيل التوسعية والعدوانية. نذكر هنا الشاعر النمساوي اليهودي إريش فريد الذي نشر عقب حرب 1967 قصيدة طويلة بعنوان "اسمعي يا إسرائيل"، واتُهم بعدها بأنه "يهودي معاد للسامية" و"يهودي كاره لذاته"، كما نتذكر أيضاً الفيلسوفة اليهودية الألمانية الأصل هنّه أرنت التي اعتبرت محاكمة المسئول النازي أيشمان في القدس عام 1961 "مسرحية" وبدايةً لاستخدام الهولوكوست أداةً سياسية، لا سيما أنها أُجريت في وقت كان بن جوريون يسعى فيه إلى الحصول على المزيد من التعويضات المالية من ألمانيا الغربية، وهو ما جلب على المفكرة اليهودية التهمة المعتادة: "معاداة السامية".


    التهمة إذن مألوفة وجاهزة لمن يتحدث عن إسرائيل بطريقة "غير لائقة" أو بعيدة عن لغة "الصوابية السياسية". ولكن، ما الذي دفع جراس إلى الاقتراب من التابو الإسرائيلي؟ لماذا استيقظ ضمير قارع "الطبل الصفيح" فجأة حتى يهاجم إسرائيل ونفاق الغرب؟ أهي شجاعة "الطاعن في العمر" الذي يكتب بـ"آخر قطرات الحبر"؟


    أعتقد أن جراس كان يشعر في السنوات الأخيرة من حياته بضرورة أن يبوح بما يخفيه ويعذب ضميره قبل أن ينفد حبره. اعترف جراس عام 2006 في مذكراته "أثناء تقشير البصلة" – أيضاً متأخراً جداً - بأنه تطوع في صباه اختيارياً في سلاح "الإس إس". وبعدها بستة أعوام قال "ما ينبغي أن يُقال"، رغم أنه يعرف ما ينتظره. لقد صمت جراس دهراً عن ماضيه النازي وعن إسرائيل، وهو في نهاية حياته لم ينطق كفراً، ولكنه أيضاً لم يقل شعراً. لقد حطم "تابوهاً شخصياً". وردود الفعل – الهيستيرية في جزء منها – تبين أنه اقترب من "تابوه ألماني" دون أن يستطيع تحطيمه.


ما ينبغي أن يُقال


جونتر جراس


لماذا أصمتُ، ولماذا صمتُ طويلاً طويلاً


عما هو واضح للجميع، عما يُمارس كألعاب


تحاكي الواقع، وفي نهايتها سنحيا، نحن الناجين،


على هامش الحياة في أحسن الأحوال.


إنه الحق المزعوم في توجيه الضربة الأولى،


الضربة التي قد تمحو من الوجود الشعب الإيراني


المقموع من بطل صوتي جعجاع


والمُقتاد إلى التهليل المنظم،


لأنهم يشتبهون في حيازته


قنبلة ذرية تحت الصنع.


ولكن لماذا أمنع نفسي


من ذكر ذلك البلد الآخر بالاسم


الذي يمتلك ومنذ سنوات


- ولكن في سرية – قدرات نووية تتزايد


غير أنها خارج نطاق المراقبة، لأنه لا يُسمح لأحد


بإجراء تفتيش.


الصمت العام عن هذا الفعل الإجرامي


الذي يندرج تحته صمتي


أشعر به به مثل كذبةٍ تدينني


إنه إرغام، إذا لم أرضخ له،


لاحت العقوبة،


الحكم الشائع: "معاداة السامية".


ولكن الآن، لأن بلدي،


الذي تلاحقه المرة تلو الأخرى،


جرائم عتيدة لا نظير لها تُعرضه للمساءلة،


سيورّد غواصة أخرى إلى إسرائيل،


مجرد صفقة معهودة،


- وإنْ كانت الشفاه تسرع في وصفها بأنها تعويض -


ما يميز تلك الغواصة


أنها تستطيع أن توجه رءوساً متفجرة


تدمر كل شيء،


هناك، حيث لم يثبت وجود قنبلة نووية واحدة


لكن المخاوف تزعم لنفسها قوة الدليل،


لهذا أقول ما ينبغي أن يقال.


لماذا صمتُ حتى الآن؟


لأني رأيت أن أَصلي


الذي التصقت به عيوب لا يمكن أن تُمحى أبداً


تمنعني من البوح بهذه الحقيقة


وأن أواجه بها إسرائيل، البلد


الذي أتضامن معه


وأريد أن أبقى كذلك.


لماذا لم أقل إلا الآن،


طاعناً في العمر، وبآخر قطرات الحبر:


إن القوة النووية إسرائيل تهدد


السلام العالمي الهش بطبيعته؟


لأنه ينبغي أن يُقال


ما سيكون في الغد قد فات أوانه،


ولأننا أيضاً


– كألمان مُدانون بما يكفي -


قد نصبح الموردين لجريمة


متوقعة، ولهذا فإننا شركاء في ذنب


لن يُمحى


بالأعذار المعهودة.


ولكنني أعترف: لن أصمت بعد اليوم


لأنني سئمت نفاق الغرب،


ولأنني آمل أن يحرر كثيرون


أنفسهم من أغلال الصمت،


ليطالبوا المتسبب في الخطر البيّن


بنبذ العنف،


والإصرار في الوقت نفسه


على مراقبة دائمة لا يعوقها عائق


لقدرات إسرائيل النووية


ومنشآت إيران الذرية،


تقوم بها هيئة دولية


توافق عليها حكومتا كلا البلدين.


 


هكذا فقط يمكن تقديم المساعدة للجميع،


للإسرائيليين والفلسطينيين،


بل كل البشر


في هذه المنطقة التي يحتلها الجنون


الذين يعيشون في عداوةٍ جنباً إلى جنب،


ونساعد، في خاتمة المطاف، أنفسنا أيضاً.