جونتر جراس .. نموذج فذ لمسئولية الكلمة

27/05/2015 - 4:05:47

طبل الصفيح طبل الصفيح

تقديم وترجمة: حسين عيد - ناقد مصري

كان جونتر جراس (16 أكتوبر 1927- 13 ابريل 2015) الكاتب الأكثر شهرة بين الأدباء الألمان في النصف الثاني من القرن العشرين ومطلع هذا القرن. حصل على جائزة نوبل للآداب عام 1999. وجمع بين الحسنيين في آن، فهو روائي، شاعر، كاتب مسرحي، نحات، نقاش، مصمم جرافيك، رسام من العيار الثقيل، يحمل في ذات الوقت مسئولية الكلمة كمناضل فذ من المناضلين الشرفاء بشراسة عن الحق والحرية لأيّة قضية صادقة في أي مكان من أنحاء العالم المتسع.


    ذاعت شهرته بعد أن نشر رواية "طبل الصفيح" عام 1959، أول أجزاء ثلاثية "دايسيج" التي استمد عنوانها من مسقط رأسه، مدينة "جدانسك" البولندية حاليا، تلتها جزآن هما "القط والفأر" و"سنوات الكلاب"، ثم توالت أعماله التي رسّخت مكانته الدولية.


    كما اشتهر جونتر جراس بمواقفه السياسية، خصوصا مواقفه ضد العربدة الإسرائيلية، وتضامنه مع القضية الفلسطينية، ومعارضته للحرب على العراق عام 2003، وكتب عنها كثيرا، منها مقال بعنوان "قيم جوهرية"، في جريدة "لوس انجليس تايمز" بتاريخ 7 ابريل 2003:


    "لقد بحث طويلا وخطط للحرب، التي تجري الآن أحداثها. لم تصمد مداولات الأمم المتحدة وتحذيراتها، لأنّ جهازا عسكريا فائق القوّة قد هاجم أرضا بغرض الاحتلال منتهكا قانونا دوليا مستقرا. لم يبال بأيّة اعتراضات، بل جنّب مجلس الأمن واحتقره، كأنّه غير متصل بالموضوع. وبينما تسقط القنابل، وتستمر المعركة من أجل الاستيلاء على بغداد، كان قانون القوّة ينتصر.


   ترتّب على هذا الوضع غير العادل، أن جبارا قد يمتلك قوّة، تمكّنه أن يشتري ويكافئ أولئك الذين يكونون مساندين له، ويزدري بل ويعاقب غير المساندين له. إنّ كلمات الرئيس الأمريكي الحالي "إن أولئك الذين لا يقفون معنا، هم ضدنا"، تدمغ الأحداث الجارية بالحنين لأزمنة بربرية. إنه مما يثير الدهشة بشدّة أن فن خطابة المعتدي يتشابه بشكل متزايد أكثر من المعتدى عليه. تقود الأصولية الدينية كلا الجانبين، كي يسيئا استعمال كلّ ما يمت إلى الأديان، مطوعين فكرة "الإله" طبقا لفهمهم الخاص المتعصّب. ورغم تحذيرات البابا العميقة، فمن يدري من واقع الخبرة كيف ستدوم هذه الحرب مسببة كوارث سبق أن وقعت من قبل بواسطة عقلية وأفعال مسيحيي الحملات الصليبية، الذين كانوا فاشلين.


    لسنا قلقين فقط، ودون قوّة، لكن ممتلئين غضبا أيضا، ونحن نشهد النظام الأخلاقي للقوّة الفائقة الوحيدة في العالم، وقد ألقي عليها عبئا ثقيلا، وذلك بمعرفة أن نتيجة وحيدة مؤكدة هي فقط التي ستنتج عن هذا الجنون المنظم: ستكون محفزا كي يرفد مزيدا من الإرهاب، نحو عنف أكثر وعنف مضاد. فهل هذه هي حقيقة الولايات المتحدة، البلد الذي نتذكره بإعزاز لعدد من الأسباب.. المحسن الكريم لـ"خطة مارشال"؟ المعلم الأول لدروس الديمقراطية؟ النزيه في نقده الذاتي؟ البلد الذي استفاد مرّة من تعاليم التنوير الأوروبية ليتخلص من أساتذة الاستعمار وأمدّ نفسه بدستور نموذجي؟ هل هذا هو البلد الذي جعل من حرّية الحديث حقا إنسانيا لاجدال فيه؟


    ليسوا فقط هم الأغراب الذين ينكمشون خوفا على تلك الحدود المثالية لما آلت إليه من وضع أصبحت فيه الآن كاريكاتيرا من نفسها. هناك عديد من الأمريكيين يحبّون بلدهم أيضا، وهم هلعون بسبب خيانة قيمهم المستقرة، وبسبب زهو أولئك الذين يمسكون زمام القوة. وأنا أقف معهم. وأعلن نفسي إلى جانبهم، صوتا مؤيدا للأمريكيين. أحتج معهم ضد الأعمال الوحشية التي جلبها ظلم الجبّار، ضدّ كلّ عوائق حرّية التعبير، ضد الحفاظ على معلومات قابلة للتذكّر بممارسات استبدادية، وضد التسويات المعيبة التي تصنع الموت للآلاف من الإناث والأطفال، والتي يبقى قبولها مرهونا باسم حماية الفوائد الاقتصادية والسياسية.


    لا، إن ما يحدث ليس فقط مضادا للأمركة، بل هو قد يدمّر أيضا صورة الولايات المتحدة، ولن يكون مبررا للدكتاتور صدام حسين وبلده غير المسلح بشكل كبير أن يتعرّض لخطر البلد الأكثر قوّة في العالم. كل ذلك بسبب الرئيس بوش وحكومته، الذين يضعفون قيم الديمقراطية، ويجلبون كارثة على بلدهم ذاته، متجاهلين الأمم المتحدة. إنهم أولئك الذي يرعبون العالم بحرب تنتهك قانونا دوليا.


    نتساءل نحن الألمان غالبا، إذا ما كنا فخورين ببلدنا. وتكون الإجابة على هذا السؤال عبئا ثقيلا، لأنّ لدينا أسبابا لشكوكنا. لكني، أستطيع أن أقول الآن إن رفض الحرب بغرض احتلال أرض، جاء نزولا على رأي الأغلبية في بلدي، وهو ما جعلني فخورا بألمانيا. ويبدو أننا قد تعلمنا من التاريخ، بعد أن ظللنا مسئولين لفترة طويلة عن حربين عالميتين وعواقبهما الإجرامية.


    لقد أصبحت جمهورية ألمانيا الاتحادية ذات سيادة منذ عام 1995. لقد استفادت حكومتنا من سيادتها، حين امتلكت شجاعة أن تعترض على أولئك الحلفاء في هذه القضيّة، فامتلكت شجاعة أن تحمي ألمانيا من التراجع خطوة إلى الوراء، إلى نوع من سلوك مراهق. إنني أشكر المستشار جيرهارد شرودر، ووزير الخارجية جوشكا فيشر، من أجل ثباتهما بالرغم من كلّ التهجمات والمؤاخذات التي وقعت عليهما من خارج القطر ومن داخله.


    قد يجد عديد من البشر أنفسهم هذه الأيام في حالة من اليأس، وذلك لسبب وجيه. لكن رغم ذلك، لا يجب أن ندع أصواتنا التي تقول لا للحرب ونعم للسلام، أن تصمت. ماذا يجب أن نفعل؟ إن الحجر الذي رفعناه إلى قمة الجبل، قد سقط ثانية إلى أسفل. لذا يجب أن ندفعه ثانية إلى أعلى، حتى لو كنا نتوقع أن يتدحرج للوراء ساقطا إلى أسفل مرة أخرى".