يسار جديد للغد

27/05/2015 - 4:02:44

سيمون دى بوفوار سيمون دى بوفوار

د. مصطفى نور الدين - كاتب مصري

    الواقع العالمي يفرض على الفكر السياسي البحث عن بدائل، فكل فكر سابق تجاوزه تطور النظام الرأسمالي المعمّم، ولم تعد أية نظرية سابقة وحدها كافية. فلا توجد نظرية كاملة تقود يسار أي مجتمع ولا يمكن إلا أن تكون ذات خصوصية متعلقة بطبيعته ونوعية مشكلاته ومنها يتم تحديد لما هو ممكن في كل مرحلة وتطويره.


    فالممارسة كما يقول "كورنوليوس كاستروياديس" في كتابه "المؤسسة التخيلية للمجتمع": هي فعل واع إلا أنه ليس بتطبيق حرفي لمعرفة مسبقة تامة ولكن دائما جزئية ومرحلية وذلك لأنه لا يمكن العثور على نظرية نهائية لا عن الإنسان ولا عن التاريخ، ولأن الممارسة تمد بمعارف جديدة ففي الفعل السياسي يتم تحديد برنامج العمل بداية من الهدف المقصود وما يتم إنجازه بسهولة أو بصعوبة يحدد الخطوات التالية والتغيير المحتمل في البرنامج نفسه عندما يلزم.


    والأدبيات المتعلقة بمستقبل اليسار العالمي لا حصر لها. نتوقف عند بعض الأفكار فحسب لضيق المساحة.


    فمنذ نشأتها وكلمة يسار مبهمة وتزايد غموضها مع الزمن بتبني حركات سياسية متنافرة للكلمة دون أن يكون للمفهوم محتوى واحد محدد. ولتحديد المفهوم المراد التعرض له سنجد تعريفات كثيرة. فمثلا، يعتبر مطلب "المساواة"، بحسب الفيلسوف الإيطالي "روبرتو بوبيو"، نقطة محورية لتمييز اليسار عن غيره من التيارات السياسية. وترى سيمون دي بوفوار أن اليسار هو "رفض نظام اجتماعي بعينه والأفكار التي يتمسك هذا النظام ببقائها". ويذهب "ديونسيوس ماسكولو" إلى أن اليسار هو "رفض كلي وجزئي لما هو قائم". ولو أخذنا على سبيل المثال الأحزاب الكبرى في اليسار الفرنسي (الحزب الاشتراكي والشيوعي) كمقدمة نظرا لأنه وصل لفترات طويلة إلى الحكم والهيمنة على السلطات التنفيذية والبرلمانية والتشريعية منذ ١٩٨١ نرى أنه تراجع تراجعا تاما عن جوهر تلك الفكرة.


    فالتحولات بالحزب الشيوعي منذ الستينيات تمثلت في نفضه للتوجه الستاليني ثم تخليه عن فكرة دكتاتورية البلوريتاريا عام ١٩٧٦، ثم لم تعد الماركسية اللينينية هي المرجعية عام 1979، وفي عام ١٩٩٤ تخلى عن الديمقراطية المركزية للحزب. كل تلك التحولات أفرغت الحزب من ثوريته القديمة. والحزب الاشتراكي في أوائل القرن العشرين كان يتبنى الثورة كهدف للوصول للمجتمع الاشتراكي والشيوعي، ويتكلم عن البلوريتاريا كطبقة ثورية. ومنذ أوائل الثمانينيات لا يوجد أثر للفكر الماركسي ولا لثورة في برنامجه وإنما الانتماء لقيم الثورة الفرنسية "الحرية والمساواة والإخاء" بهدف خلق مجتمع متعاضد.


    فمن الواقع، بعد السقوط المريع للنظام السوفيتي ومعسكره، أصبح التمسك ببعض المفاهيم إشكالية لمن يتبناها. فكلمات مثل اشتراكية وشيوعية ليس لهما مرجعية محددة بل مرجعيات لا حصر لها أغلبها أفرغ الكلمات من محتواها. يضاف أن تطبيق المفهومين خلفه تاريخ ثقيل من المآسي سيتحمل من يتبناهما عبء الدفاع عن تاريخ لا يخصه وله علاقة بمجتمعات أخرى إلا أنه كان منضويا في معسكره.


    الكلمات ليست بأصنام ولذا فالتجديد هو المخرج والأكثر حظا في الالتقاء مع مطالب موجودة في الواقع يلزم الإحاطة بها. فليس عيبا ابتداع فكر نقدي جديد، سلاح نقدي لا يبدأ من الصفر فالأدبيات على الصعيد العالمي تسهم منذ عشرات السنين في تشكيل مثل هذا الفكر وما هو مطلوب هو الاطلاع عليها والمساهمة في إثرائها بداية من واقع المجتمع، بدلا من محاولة تطبيق فكر جاهز عليه. فهذا الفكر يحمل قدرا هائلا من التنوع ولا يمكن أن يتمتع بعمومية كما لو كان قانون فيزياء. فتبني فكر جاهز صنع في زمن آخر ولواقع مختلف يبعث على الفرقة أكثر مما يؤدي إلى الالتفاف حوله.


    فعند تحديد مشروع لمجتمع منشود لا بد أولا تحديد غير المقبول بشكل عيني في المجتمع الراهن وهذا في ذاته خطوة أولى في تكوين هذا الفكر. ويتلو تلك الخطوة أخرى لتقديم الصورة للمجتمع "المثال" بداية مما يريده المواطنون أنفسهم كشكل اجتماعي واقتصادي وسياسي وثقافي. ففي هذه الحال يكون الفكر ترجمة لمطالب فعلية وليس رفعا لشعارات طوباوية؛ فالتجديد الفكري المستند على واقع له خصوصيته يدعم الحركة السياسية المنظمة في حزب ونقابات مهنية مستقلة وجمعيات أهلية في مطالبها وتحقيقها.


    إن فلسفة نقدية للنظام السائد ضرورية ولكنها غير كافية إذ يلزم تقديم البدائل لما يتم الاعتراض عليه في سياسات الدولة قطاعا قطاعا. على أن تكون البدائل مؤسسة بدراسات خبراء في كل مجال وليس وجهات نظر. فمثلا، ليس كافيا طرح مشكلة الملكية الزراعية وحدها كعقبة أمام حل المسألة الزراعية. إذ يلزم تناول القضية بصورة كلية وطرح حلول علمية حديثة. فحيازة الأراضي يلزم طرح حلها عن طريق تعاونيات ريفية. هذا سوف يقود إلى حزمة من الحلول الثورية فيما يخص الميكنة والري وتوفير المدخلات وتسويق المنتجات. فالميكنة تحل محل العمل التقليدي وتحول القوة العاملة إلى نشاطات مكملة في الريف مثل منتجات الألبان. والري يستلزم ثورة تتم من خلال هذه التعاونيات بأن يستبدل بالري التقليدي وسائل حديثة من ري بالتنقيط والرش واستغلال تكثيف الندى في ري خضروات لا تحتاج لري مكثف. ويضاف الري بالمياه الجوفية برشاد.


    وفي هذا الصدد نواجه بازدواجية على الصعيد الكوني. فالبلدان الرأسمالية المتقدمة تواجه مسألة "النمو بلا حدود" كمشكلة محلية وترتفع دعوات لإيقاف النمو بل وتراجعه في حين أن المجتمعات المتخلفة التابعة مشكلتها في عدم التوصل لإستراتيجية تنمية معتمدة على مواردها وإحراز خطوات كبيرة في التقنية والتقدم العلمي. ولذا فلا يمكن تبني ذات التوجه الرأسمالي المتقدم بما يحمله من إشكاليات دون الأخذ في الاعتبار، منذ البداية، مستقبل الأجيال القادمة. فلتحاشي ما ينجم عن تلك المشكلات يلزم التوصل لنمط تنمية مبني على إشباع الحاجات الضرورية للمواطنين كمدخل لتحقيق قدر كبير يمكن بواسطته الخروج من التبعية.


    وترتكز قوة الدفع السياسي التقدمي على دعائم متعددة وغير محدودة في تزايدها وتعددها مع الزمن. فالحزب التقدمي مع النقابات والجمعيات الأهلية ركائز مقاومة مجتمعية من أجل مجتمع معاصر ومتقدم. كل من تلك الدعائم في حاجة لقدر كبير من التنسيق عبر الحوار وتفعيل ديمقراطية داخلية تقبل التنوع في الرؤية وتبني الأقرب لتحقيق الأهداف بواقعية وعدم الدوران إلى ما لا نهاية في رؤى مثالية لن تجد دعما من المواطنين إذ لا يرون تحققها قريبا. ويلزم الالتفات لضرورة التلازم بين مفهومي الحريات الشخصية والحريات العامة فالأول تحققه رهن بالثاني في معركة واحدة.


    وفي دراسة جماعية تحت عنوان (عن يسار) شارك فيها ٢٦ خبيرا في كل المجلات أكدوا على أهمية تركيز اليسار الجديد على تأسيس جمعيات أهلية تكون متخصصة في كل مسألة ولسان حال من يدافعون عنهم ويطرحون مشكلاتهم في مواجهة الجهات المعنية والدولة؛ فالدولة في العالم تركت الكثير من القضايا، لخضوعها للنظام الرأسمالي المعمم سواء في البلدان المتقدمة أو المتخلفة، وعلى القوى السياسية سد هذا الفراغ كجزء جوهري في نضالها السياسي فكل جزئية يتم تحقيق خطوة فيها للأمام هي خطوة من أجل مجتمع أفضل.


    هذه الجمعيات يمكن أن تتخصص كل منها في قضية واحدة مع ضرورة تبني فكرة "شبكة تنسيق" بين بعضها حينما تتقاطع المشكلات. يمكن تصور الجمعيات التالية: "أطفال الشوارع"، "الباحثون عن عمل"، "أصحاب الاحتياجات الخاصة"، "محاربة سوء المعاملة"، "محو الأمية"، "الباحثون عن مسكن"، "علاج لكل مواطن"، "فقراء كبار السن"، "الدفاع عن المستهلكين"، "من خرجوا على المعاش".


    السمة الخاصة للجمعيات منذ تأسيسها تتجسد في تشكلها فهي لا تعتمد على نظام سلطوي هرمي وإنما على علاقات متساوية بين أعضاء يشكل أغلبيتهم العمل التطوعي للقناعة الذاتية بأهمية القضايا التي تتخصص فيها كل جمعية، وبالتالي فهي ممارسة ديمقراطية داخل جماعة لمواجهة مشكلة والتداول حول كيفية حلها. أي تجسيد للمسؤولية الفردية للمشاكل المجتمعية سواء كانت تخصه شخصيا أم لا. ومن المهم أن تتوفر في كل جمعية من يتفهمون بعمق كل القضايا الخاصة بجمعياتهم. أي هناك قاعدة متينة للتعامل مع القضايا والقيام بدورات تدريبية لمن ينضم للجمعيات بجانب جهوده الذاتية في الإحاطة بها قانونيا واجتماعيا ولمن يلزم التوجه للتوصل لحلول لها.


    وتؤكد عشرات الدراسات التي نشرت من قبل متخصصين تحت عنوان (التعايش معا كإرادة وأمل) الأهمية الكبرى لمسألة التساند الاجتماعي الجمعي بين الطبقات والشرائح الاجتماعية مهنيا، وعلى صعيد المجتمع، ليصبح المستقبل شاغلا اجتماعيا عاما وليس فقط مطلبا فرديا. وهذه النظرية هي على نحو ما عودة للعلاقات الإنسانية بالتقارب والمشاركة بعدما حولت الحداثة بتقنيتها العالية الحياة إلى جزر فردية. وهذا كله يستلزم جهودا دؤوبة من أجل إنجاز ديمقراطية سياسية تحرر الفعل الاجتماعي ليشكل التنظيمات والنقابات والجمعيات بحرية.


    فالواقع يفرض أن يختار البشر بين الثبات على ما اعتقدوا فيه ولم يثبت الواقع إلا فشله، أو محاولة البحث عن بدائل تكون أكثر حظا. فتعديل جزئي لفكر للاحتفاظ باللافتة هو نوع من "السلفية الفكرية" سوف تقود لانعدام الالتفاف حولها وبالتالي تظل مجرد أفكار دون حظ من التجسد، ولذا فالمشكلة تدور حول محور المفاهيم التي يلزم تبنيها لترجمة التوجه الجديد.


     فالبعض مثل "سمير أمين" في كتابه "ما بعد الرأسمالية المتهالكة" و"ألان باديو" في كتابه "الفرضية الشيوعية" و"ألان كأبيه" و"روجيه سو" في كتاب "عن يسار" يرون الاحتفاظ بالمفاهيم القديمة مثل اشتراكية وشيوعية وتضمينها محتوى معاصرا يضيف ما استجد منذ استخدام تلك المفاهيم. ولذلك الاختيار وجاهته في البقاء لاستمرار البعد الأممي في النضال ضد الرأسمالية. العقبة الأساسية هي التاريخ المأسوي الذي ارتبط بتلك المفاهيم وفشل تجاربه واستخدامه بغير مضمونه الفعلي. وهنا يستبعد الكثير من المفكرين فكرة الثورة لإحلال نظام محل آخر. فكما يقول "باديو": "التجارب تظهر فشل تلك المحاولة لأنها طبقت على الحياة المدنية نظاما سياسيا له طبيعة البناء العسكرية الذي قاد الثورة. والنضال الجديد يهدف، دون الاستيلاء على الحكم، إلى التوصل لإعادة تنظيم الحياة نحو نظام مساواة بالتخلص من الملكية الخاصة وتجاوز نظام تقسيم العمل القائم عليه. فحتى فكرة الحرية تفقد معناها في نظام يسمى بالديمقراطي إن لم تكن هناك عدالة ومساواة وغياب للملكية الخاصة، فالحرية في هذا النظام مرهونة بوضع كل فرد اقتصاديا وبالتالي محدودة بظروفه. والخيار السياسي في هذا النظام رهن بقوانين ومكانة اقتصادية ليست متاحة لكل مواطن وإنما للبعض فقط".


    المقابل، بحسب "كورنوليوس كاستروياديس"، هو نظام مساواة تتاح الفرصة فيه لكل مواطن على قدم المساواة فهنا يكون للديمقراطية معناها الفعلي فالهدف هو إحداث تحول بالمجتمع للوصول لمجتمع منظم نحو الاستقلال الذاتي للفرد وللجميع بالتخلص من كل أشكال الهيمنة التقليدية فكرية وغير فكرية عبر إنجاز الاستقلال الذاتي للفرد وللمجتمع. هذا يعني الوصول إلى إدارة ذاتية على صعيد المجتمع لأفراده وككل والتوصل إلى ديمقراطية مباشرة على المستوى السياسي والإدارة الذاتية اقتصاديا.


    ونختم بما يقوله إيمانويل فاليرشتاين في كتابه "نظام العالم: مقدمة": "إن التحول من نظام لآخر يشهد فترة صراع عنيف، وعدم يقين غالب، ومعاودة بحث عميق للمعرفة. فقبل كل شيء علينا محاولة فهم ما يحدث بوضوح. وبعد ذلك علينا التوصل لمعرفة التوجه الذي نأمله في قلب العالم. وأخيرا، نفكر في الطريقة التي علينا اتباعها اليوم لنصل للغاية التي نأملها".