عقوبة الإعدام بين الإبقاء والإلغاء والتضييق!

27/05/2015 - 11:39:27

  قيادات الاخوان بعد الحكم عليهم بالإعدام قيادات الاخوان بعد الحكم عليهم بالإعدام

كتب - رجائى عطية

عن عقوبة الإعدام، تبقى أم تلغى أم تضيق ـ كثر الحديث هذه الأيام، ولكنه حديث قديم بدأ بكثافة منذ أوائل القرن الثامن عشر، لم يتوقف إلا ليستأنف، ولم يهدأ إلا ليثأر، كثرت وتعددت الآراء فى شأن هذه العقوبة، لم يقتصر ذلك على أهل القانون المعنيين بالعقوبة مطالبة أو حكما أو وفاء، وإنما خاض بحور تقديرها المفكرون والفلاسفة والأدباء، ولم تنعقد الغلبة ـ وظنى أنها لن تنعقد ـ لأى فريق من المحبذين أو الرافضين. لا غرو فى ذلك، فهى عقوبة تعرض للحياة التى خلقها الله، وتصادرها فى شخص هى مناط وجوده، ثم هى تصطدم بالشعور العام الذى تقلقه وقد يفزعه سحب وانتزاع الحياة من غير خالقها


وهو مهما بدا أمامه ـ أقصد الشعور العام ـ من علل وحكمة وغايات، إلا أن شعوره الإنسانى يتوقف رغما عنه عند لحظة فارقة تتدخل فيها إرادة بشرية لتخلع الحياة وتزهق الروح وتنهى وجود صاحبها إلى غير رجعة. لا يستطيع الناس، مثلما لا يستطيع القاضى والمفكر والفيلسوف والأديب.. أن يحلوا أنفسهم محل الجانى الذى استباح أو يستبيح إزهاق الروح. والفارق أن هذا الجانى “حالة” مردها إلى إنحراف أو مرض أو جنوح أو شرود أو غضب أو حفيظة أو ضغينة أو موجدة أو حقد أو ثأر كامن متفاعل أو فكرة سقيمة سيطرت، حتى مست أو أعدمت الرؤية وذهبت بالبصيرة وخلخلت إرادة الصواب، حتى توارت إزاءها قيم الدين والأخلاق وحكمة العقل فارتكبت جريمتها فى لحظة إنفلات مريضة!


هذا الانفلات ليس هو حالة المجتمع، ولا هو حجة القاضى والمفكر والفيلسوف والحكيم والأديب، وإنما هو يصدر عن معايير وعوامل فكرة عقلية رشيدة منضبطة فاحصة تزن وتقدر وتقدس الروح التى تتعرض للحكم بانتزاعها أو تركها لخالقها. لذلك فموقف ورؤية ومعايير وضوابط المجتمع فى توقيع عقوبة تزهق روحا خلقها الله، غير معايير أو انفلاتات أو جموحات جانح شرد عن القيم والأخلاق والقانون!


ولعل هذه المعانى هى التى حدت ببعض الفلاسفة والمفكرين والأدباء إلى الاعتراض على عقوبة الإعدام، نلمح شيئا من هذا المعنى فى مقولة أفلاطون: “إن إرادة المذنب لا دخل لها فى الظلم، حيث إن الرذيلة صنيعة الجهل، تتبدد بنور المعرفة، وغاية العقوبة الإصلاح، وعلاج المجرم كعلاج الأمراض النفسية . إذ المجرم غير مخير فيما يرتكبه فجزاؤه من ثم يكون التهذيب”!


ويستطيع المتأمل فى أسباب اعتراضات المعترضين، أن يردها إلى الفارق بين الدولة بنظامها وقانونها، وبين الجانح أو المجرم بجهله وربما بمرضه، فنرى فيكتور هيجو فى كتابه الشهير “مذكرات محكوم عليه بالإعدام”.. الذى جعله صرخة اعتراض على هذه العقوبة.. يقول: “إن الثأر شئ فردى، أما العقاب فبيد الله، ولا يغسل الدم دم مثله، فإذا كانت نداءات الماضى قد أذهبت سلطان الملوك
والأساقفة، فقد آن الأوان لرحيل دور الجلاد”!


الترجمة الحرفية لكتاب هيجو هى: “آخر أيام محكوم عليه بالإعدام” .. لم يتوقف هيجو عند ظروف الجريمة التى استوجبت الحكم بالإعدام، أو الدافع إليها، وهذه نقطة ضعف فى موقفه!، وإنما أراد فقط أن يلفت النظر للفارق بين القتل الذى لا يواجهه المجنى عليه إلا لحظة حصوله، ولا يسبقه قلق ومخاوف وآلام انتظاره، وبين الموت إعداما الذى تسبقه من لحظة الحكم به إلى لحظة التنفيذ أيام وليال عصيبة حُبْلى بالمخاوف والأهوال التى يعيشها المحكوم عليه فى ترقبه لحظة انتزاع روحه التى قد تمتد شهورا يتخللها فى كل يوم وليلة رهاب الموت الممسك بتلابيب المحكوم عليه بالإعدام.. خوفا وهلعا وفرقا فى كل لحظة من صحوه ومنامه!


قريب من هذا الخط، الاعتبارات الإنسانية التى تبناها معترضون أمثال الفقية الايطالى “بيكاريا” والأديب الفيلسوف برناردشو الذى قال: “إنه من الجرم أن نفكر لحظة أن الألم أو القسوة قادران على إصلاح حال الإنسان”!


على أن هذه الاعتبارات الإنسانية، مع أهميتها، لا تصمد أمام فكرة القصاص: نفس بنفس، أو الردع العام الذى يكفل سلام المجتمع، ويكاد يكون أهم أسباب الاعتراض على عقوبة الإعدام ـ أنها عقوبة غير قابلة للتجزئة ومستحيلة التدارك إذا ما لابس الحكم بها وتنفيذها خطأ قضائى، وهو أمر وارد له سوابق فى التاريخ والحاضر.


يجتهد المعترضون على عقوبة الإعدام فى الاستشهاد بالأمثلة التى ضاعت فيها وأزهقت أرواح بريئة بأحكام قضائية تنكبت جادة الصواب.. “جان كالاس” الذى أعدم سنة ١٧٦٢ ثم استبانت براءته، وإعدام الشقيقين جون وريتشارد ـ بيرى، ووالدتهما جوان بيرى بتهمة أنهم الثلاثة قد قتلوا من يدعى وليم هاريسون الذى ظهر حيا بعد إعدامهم بسنتين، وجون إيفانز الذى أعدم سنة ١٩٤٩ فى بريطانيا بتهمة قتل زوجته وإبنته استنادا إلى اعترافات لم ينكشف كذبها إلا بعد ثلاث سنوات من إعدامه، ومدام بولين من “روان” بفرنسا والتى مكثت فى السجن قرابة عشر سنوات بتهمة قتل زوجها وشقيقها قبل أن تستبين براءتها، ولو كان الحكم عليها بالإعدام لما أمكن تداركه! . وما نشرته الصحف أخيرا عن إصدار السلطات الاسترالية عفوا بحق من يدعى كولين كامبل بعد (٨٦) عاما من إعدامه ظلما بتهمة اغتصاب وقتل فتاة عمرها ١٢ سنة! وما روعت به الولايات المتحدة فى أوائل القرن الماضى من إدانة وإعدام برئ بتهمة قتل واغتصاب طفلة عثر على جثتها فى شيكاغو فى يناير ١٩٠٦، والأدهى أنه اعترف بأنه القاتل، ثم ظهر بعد إعدامه أنه اعتراف كاذب تحت وطأة التعذيب والفصام والإيحاء الذاتى، ولولا أن الحكم فى قضية نظرت فى إيطاليا كان بسجن من اتهم بقتل أخيه لما أمكن تدارك الحكم بعد أن ظهر الأخ القتيل حيا يرزق!


والأخطاء القضائية التى أزهقت فيها ظلما أرواح بريئة بأحكام بالإعدام، هى أخطاء واردة مهما احتاطت الإجراءات وحرص القضاة، على أن مؤيداً لمنطق القصاص كمفكرنا الكبير عباس العقاد لم يجد فى احتمال الخطأ مبررا لإلغاء عقوبة الإعدام، بل رأى أن ذلك وارد فى أعمال الأطباء، ومع ذلك لم يلغ الطب، ورأى أن الغيرة للحياة تستوجب الغيرة على حياة المقتول أكثر من الغيرة على حياة القاتل، وهى مقولة وإن بدت مقنعة، إلا أنها تفترض أن الذى على المحك قاتل فعلا، بينما القضية مثارة بالنسبة للخطأ الذى يورد مورد الهلاك بإعدام من عساه يكون بريئا من جريمة القتل التى نسبت إليه، وهذا بيت القصيد لدى من يثيرون الأخطاء القضائية وما تؤدى إليه عقوبة الإعدام فيها من “إستحالة” تدارك الخطأ!


على أن اعتراضات المعترضين لا تتوقف عند حد احتمالات الأخطاء القضائية، وإنما تفتح باب توسع بعض التشريعات فى تقرير عقوبات الإعدام فى غير جرائم النفس، كبعض قضايا أمن الدول من جهة الخارج أو الداخل، وقضايا قلب نظم الحكم .. ويرى المعترضون أن وجود عقوبة الإعدام فى المنظومة العقابية لدى بعض الدول، قد أدى إلى الاجتراء على أرواح المعارضين، والحكم بالإعدام لخلافات سياسية أو حزبية أو مذهبية أو دينية، ولا يقصر أصحاب هذا الاعتراض فى استقصاء حادثات من هذا النوع عبر التاريخ القديم والوسيط والحديث، ويستطردون إلى أنه مادام الأمر كذلك، فإن الأحوط لأرواح البشر أن تجتث عقوبة الإعدام وتلغى تماما، بما فى ذلك ما يندرج فى القصاص الذى يعادل نفسا بنفس، رائين أن وجود العقوبة يشجع على التوسع فى تقريرها على غير جرائم النفس كما هو حادث فى كثير من التشريعات!


ويحصى المعترضون على عقوبة الإعدام تشريعات وإن تضمنتها فإنها تعزف عنها ولا تطبقها كبلجيكا، ويتوقف البعض عند التشريع الإيطالى الذى ألغاها فى نهاية القرن قبل الماضى (١٨٩٩)، ثم أعادها عام (١٩٣٠)، ثم ألغاها مرة أخرى فى عام (١٩٧٤). وعند التشريع الإنجليزى الذى ألغاها ثم عاد إليها ثم عاد فألغاها سنة ١٩٦٩، وإن كانت الفترة الأخيرة قد حفلت بنداءات عديدة لعودتها إزاء تنامى ظاهرة جرائم العنف والقتل والاغتصاب!


وهذا التأرجح بين الإلغاء ثم العودة إلى العقوبة، يورى بصعوبة الاستقرار بشأن هذه العقوبة على رأى نهائى، سيما والمتمسكون بأهمية وجدوى هذه العقوبة فريق كبير، فيهم الفلاسفة والمفكرون والساسة والأدباء، فضلا عن المرجعية الدينية.


* * *


وكان من الأسباب التى قيلت للاعتراض على عقوبة الإعدام ضمن نظرية العقد الاجتماعى، أن المجتمع لم يمنح الحياة للفرد حتى يباح له أن يسلبها منه، ولوحظ أن هذا الاعتراض يفقد حجته لأنه ينسحب أيضا ـ بذات هذا المنطق ـ على العقوبات السالبة أو المقيدة للحرية، فالمجتمعات لم تكن هى التى منحت الحرية، وإن وجب عليها أن تصونها، والاستطراد إذن فى هذا المنطق يمكن أن يؤدى إلى مصادرة حق المجتمع فى كفالة الردع الخاص والردع العام لتحقيق أمان المجموع إزاء انحرافات وجنوحات وإجرام من يقبلون على ارتكاب الجرائم والاستخفاف بحقوق المجتمع وحيوات الناس!


وقد تطرف آخرون، واعترضوا بأن الإنسان مسيّر مقدّرة عليه أفعاله، وليس له يد فى صنعها حتى تستأصل حياته، بينما رأى أصحاب نظرية الإرادة الحرة أن الإنسان رب أفعاله، ومن الحق والعدل أن يتحمل نتائجها.


ولكن ينبغى أن نعلم أن موجات الاعتراض أو التأييد لعقوبة الإعدام، كانت تابعة فى الغالب لظروف استدعت هذا أو ذاك. فموجات الاعتراض التى تصاعدت فى القرن الثامن عشر، اقترنت بتزايد بل بكثرة اللجوء إلى الإعدام فى جرائم سياسية لا تناسبها أو لتعلاّت دينية هى فى الواقع بعيدة عن الدين، وانعدام التناسب بصفة عامة بين الجرائم المعاقب عليها بالإعدام وبين هذه العقوبة، وعدم توافر أى ضمانات إجرائية، واقتران التنفيذ بوسائل تعذيب بشعة ممهدة للتنفيذ ومصاحبة له، ومن ثم كانت الجوانب الإنسانية مع الاحتياط للعدالة بتلافى الأخطاء ـ فى مقدمة أسباب الاعتراض التى شجرت بشدة منذ القرن الثامن عشر.


وكان المجال مفتوحا فيما مضى للتركيز على أساليب تنفيذ الإعدام، وقت أن بلغ التنفيذ صورًا بالغة الشناعة والقسوة، ولكن مع ترقى المدنية لم يعد لهذه الصور البشعة مجال، وانحصر الحديث فى العقوبة ذاتها، تبقى، أم تقلص، أم تزول!


ظنى أن الاعتبارات الإنسانية، مع تأثيرها العاطفى، لا تكفى بذاتها لضبط المجتمعات وإقرار الحقوق وحمايتها ـ ولا سيما حق الحياة ـ من العدوان عليها.. وإذا نحينا مؤقتا توسع بعض التشريعات فى تقرير الإعدام عقابا على غير جرائم النفس التى تقوم عقوبتها شرعا وقانونا على فكرة القصاص، فإن هناك حججا لمؤيدى الإبقاء على هذه العقوبة ـ سيما فى القصاص ـ ليس من الميسور دحضها أو تجاهلها.. ففى مواجهة الأمثلة على الأخطاء القضائية، وهى أيا كانت ضئيلة النسبة بالقياس إلى المجموع العام، فمن ذا الذى يمكن أن ينكر أن السفاحتين ريا وسكينة كانتا تستحقان الحكم بالإعدام.. لقد ناظرت شخصيا أجساد ضحايا صارت كالمنخل بعد أن رشقت بأكثر من أربعين أو خمسين عيارا ناريا إمعاناً فى إشفاء الغليل، وكما يذكر المعارضون أمثلة لأخطاء قضائية أو للقسوة فى الحكم أو فى التنفيذ، فإن المؤيدين للعقوبة يذكرون حادثات قتل تقشعر لها الأبدان !


حادثة الطفلة “آنا” التى هزت ألمانيا فى بداية الثمانينات، التى اختفت وهى تبحث عن إحدى صديقاتها، وعُثر على جثتها بصندوق كرتونى بأطراف المدينة، حيث كشف التحقيق عن جريمة بشعة لمهووس جنسيا سبق اتهامه فى عدة اعتداءات على الأطفال، اصطحب الطفلة عنوة أو حيلة إلى مسكنة، وحاول مداعبتها، ومخافة أن تخبر أهلها قام بخنقها والتخلص من جثتها، وبلغت الدراما الإنسانية مداها حين لم تستطع أمها أن تصبر على ما حاق بابنتها أو تنتظر حكما عرفت أنه لن يصل إلى الإعدام؛ لأن هذه العقوبة ألغيت فى ألمانيا، فتسللت إلى قاعة المحكمة حيث أطلقت النيران على قاتل طفلتها فأردته قتيلا. هذه الأم دفعت ثمن غياب عقوبة الإعدام مرتين، الأولى حين تجرأ الجانى على اغتيال وقتل طفلتها آمنا من عقوبة الإعدام، والثانية حين اضطرت للقصاص لطفلتها فأردت القاتل قتيلا حتى لا ينجو حيًّا بجريمته، فلم يكف أنها فقدت طفلتها فى مأساة دامية، فسجنت ـ مع التخفيف ـ لست سنوات!.. كانت هذه المأساة مدعاة لتجدد الحديث فى ألمانيا بإلحاح للعودة إلى عقوبة الإعدام!


بينما نرى الفيلسوف أرسطو (٣٨٤ ـ ٣٢٢ ق . م)، وقد حاذاه جيرمى ينتام (١٧٤٨ ـ ١٨٣٢) ـ يرى أن العقوبة القاسية المصحوبة بسرعة فى التنفيذ، تعادل ميول ارتكاب الجريمة لدى الجانى، وتحقق فى الوقت نفسه مزية الردع العام، فكان أرسطو بذلك أول من نبه إلى فكرة العدالة النسبية التى ترى أن المجرم ـ أماناً للمجتمع ـ يجب أن تزيد عقوبته فى مقدارها عن الضرر الذى أحدثته جريمته فى المجتمع.


لاشك أن أقوى الحجج التى تظاهر المتمسكين بعقوبة الإعدام، هى كلمة الدين، بمصدرها الإلهى من ناحية، وبالتزام المؤمنين بأحكام دينهم، وصدوفهم عما يخالفه.. وليس صحيحاً أن تقرير الأديان لعقوبة الإعدام قاصر على الإسلام الذى أخذ بهذه العقوبة فى القصاص وفى بعض الحدود، فمع مجيىء النهى عن القتل فى الوصايا العشر “لا تقتل” فى كل من اليهودية والمسيحية، فإن كلا منهما قد قرر الإعدام كعقوبة لأنواع من الخطايا، فجاء فى العهد القديم عقابا للقتل العمد: “كل من قتل نفساً فعلى فم شهود يقتل القاتل” (العدد ٣٥: ٣١) .. وفى نفس السفر: “... ولا تأخذوا فدية عن نفس القاتل المذنب للموت، بل إنه يقتل”. (العدد ٣٥: ٣١) .. “ الدم يدنس الأرض، وعن الأرض لا يكفر لأجل الدم الذى سُفك فيها إلا بدم سافكه”. (العدد ٣٥: ٣٣).. وجاء بعدة مواضع فـى ذات سفــر العدد أن القاتل يقتل (العدد٣٥ : ١٦ ـ ١٨)، وتوسعت الشريعة اليهودية فى الإعدام فجعلته عقوبة لما نسميه اليوم بالضرب المفضى إلى الموت، مع أن عمديّة الضرب لا تعنى تعمد إزهاق الروح أى قصد القتـل، ومع ذلك جاء فى سفر الخروج: “ من ضرب إنسانا فمـات يُقتل قتلاً “ (الخروج ٢١ : ١٢)، بل وقررت ذات العقوبة لصاحب الحيوان إذا تسبب الحيوان فى قتل شخص، فجاء بسفر الخروج “وإن كان هناك ثور نطاح نطح من قبل ولم يضبطه صاحبه فقتل رجلاً أو امرأة، فالثور يُرجم وصاحبه أيضاً يُقتل”. (الخروج ٢١: ٢٩).. بل من ضرب أو شتم والديه يُقتل قتلاً (الخروج ٢١ : ١٥، ١٦) . بل واتخذت الشريعة اليهودية موقفا مغلظا من المتسبب فى القتل خطأ أو سهواً، فكان عليه أن يهرب إلى مدن محددة تسمى “مدن الملجأ” وعليه أن يبقى فيها حتى موت رئيس الكهنة ثم يعود إلى مدينته، فإذا وجد خارج مدن الملجأ قبل ذلك فمن حق ولى الدم أن يقتله!


ومع أنه وردت فى العهد الجديد وصايا متعددة للسيد المسيح عليه السلام تنهى عن القتــل (متى ١٩ : ١٨)، (مرقص ١٠ : ١٩)، (لوقا ١٨ : ٢٠)، رومية (١٣ : ٩)، (يعقوب ٢ : ١١) .. إلاّ أن السيد المسيح قال : “ كل الذين يأخذون بالسيف بالسيف يُقتلون” (متى ٢٦ : ٥٢) .. وفى سفر الرؤيا: “إن كان أحد يقتل بالسيف، فينبغى أن يُقتل بالسيف” (الرؤيا ١٣ : ١٠)


وأرشد القرآن المجيد إلى أن الاعتداء على روح إنسان هو اعتداء على الإنسانية كلها “وأن إحياء نفس هو إحياء للإنسانية.. ففى سورة المائدة: “مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا” (المائدة ٣٢).


وقرر القرآن الحكيم عقوبة الإعدام فى القصاص فى القتلى، وقوامه أن النفس بالنفس إن لم يعف ولِىّ الدم، وأخذ بها أيضا فى بعض الحدود المقررة لجرائم خطيرة على المجتمع ـ من هذه الحدود حد الحرابة المقرر لمن يحاربون الله ورسوله ويسعون فى الأرض فساداً، والعقوبة فيه تخييرية مع عقوبة النفى من البلاد (المائدة ٣٣). أما قتل الروح التى حرم الله قتلها إلاّ بالحق، فقد اتخذ الإسلام سياسة بالغة الحكمة والرشاد والرحمة جميعا، فأخذ بالقصاص عقابا واجبا عن القتل والجراح العمدية، ولكنه أخذ أيضا بالعفو بمقابل أو بدون، وحض عليه.. وتقرير القصاص عن القتل جاء فى الإسلام فرعا على تقديسه للروح الإنسانية.


على أن التأييد لعقوبة الإعدام لا يستند فقط إلى المرجعية الدينية، فلا تزال المدرسة الوضعية تحبذ بقاء هذه العقوبة، ويظاهر هذا الرأى تزايد جرائم العنف والإرهاب، وحرص الدول على كفالة أمنها من جهة الخارج .. ويقف فى مقدمة المحبذين للإبقاء على هذه العقوبة الفقيهان الكبيران لومبروزو وجارو. على أن اللافت للنظر، أن من أشد المؤيدين لعقوبة الإعدام السيدة / مرجريت تاتشر الرئيسة السابقة لحزب المحافظين ورئيسه الوزارة البريطانية لمدة طويلة، وجمعت أسانيد تأييدها للإعدام فى عبارة بالغة الحجة قالت فيها إنه” يجب ألا يكون هناك أحد على ثقة بأنه لن يواجه عقوبة الإعدام مهما ارتكب من جرائم شريرة وقاسية”!


والمتأمل فى هذه الحجة، يلمس بوضوح كل ما يمكن أن يقال تحت بند قوة الردع العام المستمدة من تقرير هذه العقوبة، والكفيلة بأن ترد الجامح والشارد والجانح والمجترئ على المحارم ـ وأن تستدعى التفاته وحذره وتحسبه إلى أنه قد يدفع حياته ثمنا لجرمه أو جنوحه أو افتئاته على الأنفس والأرواح والأعراض والحرمات!


وفى الشريعة الإسلامية يختلف الإعدام قصاصاً عن الإعدام حداً، فى أن الأول مرعىّ فيه ـ فى المقام الأول ـ حق المجنى عليه، لذلك جاز له أولوليّه العفو، وإن لم يسقط العفو حق المجتمع فى تعزير الجانى إن كان فيه خطورة على المجتمع، بينما الإعدام حداً يرد فى جرائم الحدود التى تتعلق فى المقام الأول برعاية حق المجتمع ونظامه، وهو ما يعبر عنه أهل الشرع بـ”حق الله تعالى”، ومن ثم لا يرد عليه عفو للمجنى عليه أو المضرور أو سواهما.


فعقوبة الإعدام قصاصاً ـ تسقط بعفو ولىّ المقتول بمقابل أو بدون مقابل، وفى ذلك تقول الآية ١٧٨ من سورة البقرة: “فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاء إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ” (البقرة ١٧٨).. وهذه الرحمة التى يصرح بها القرآن الحكيم لا تقتصر على المعفى من القصاص، وإنما تمتد آثارها لجميع الأطراف.. لأن الصلح بالعفو يلملم ويكفكف الجراح ويغلق الثارات برضاء مختار من ولىّ أو أولياء الدم بالعفو الذى امتلكوه ولم يجبرهم عليه المجتمع الذى كفل لهم الحق فى القصاص إذا أرادوه ولم يتنازلوا عنه. وهذا الفهم الشامل تتجلى فيه حكمة ورحمة سياسة القصاص المقرونة بحق العفو، ودون إخلال بحق المجتمع فى التعزير (كالحبس) إذا كان الجانى من الأشرار ورأى القاضى أن تعزيره تقويم وتهذيب وردع له وأمان فى الوقت نفسه للمجتمع.


وجدير أن نلفت النظر إلى أن الشريعة الإسلامية لم تبادر بالعقاب كما يظن النظر السطحى، بل هى راعت إبتداءً أن توفر أحكامها وتعاليمها أفضل الظروف لأمان المجتمع واستقامة أفراده، بمنظومة كاملة قائمة على مجموعة من الأوامر والنواهى التى ترعى وتحض على الصدق والإخلاص والأمانة والاستقامة والطهارة والعدل والإنصاف، وتنهى وتحرم الكذب والرياء والخيانة والجنوح والرجس والجور.. هذه المنظومة تشكل إصلاحاً ومقاومة استباقية للإجرام والعمل على مكافحته والقضاء على أسبابه.


القصاص فى الإسلام تابع لتقديسه الروح، وكفالة ما يحميها ويكفل كرامتها وحياتها.. فى القرآن المجيد: “وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً” (الإسراء).. هذه الروح التى خلقها الله وكرمها، وأمرُها بيده سبحانه وتعالى ـ هى روح الناس جميعا، وهى الحياة كلها .. إزهاقها إزهاق للحياة وإجهاض لمقوماتها . فالقاتل لا يقتل نفساً وإن قتل واحداً، وإنما يعتدى فى الواقع على الحياة الإنسانية، واحترام روح واحده هو احترام لحياة الناس جميعا . يقول القرآن المجيد: “مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ، فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا” (المائدة ٣٢).


وفهم هذا الأصل، يسلس إلى فهم فكرة القصاص وكيف أنها لا تستهدف القسوة أو الوحشية أو الانتقام، وإنما غايتها تحقيق المساواة والعدالة والتوازن لتكفل للمجتمع أمانه. يقول الحكم العدل: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنثَى بِالأُنثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاء إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ” (البقرة ١٧٨) .. والقصاص الوارد فى الآية الحكيمة يعنى “المساواة”، أى أن يكون الجزاء من جنس العمل، ليتحقق العدل الذى يتتبع الجانى بالجزاء العاجل المستحق عليه، ويوالى المجنى عليه أو ذويه بالشفاء .. فالقصاص إذن عدالة متوازية محسوبة بموازين دقيقة لكفالة أمن المجتمع بسريان العدل بين أفراده، ولذلك جاء فى القرآن المجيد أن فيه حياة.. فالآية القرآنية إذ تقول: “ولكم فى القصاص حياة يا أولى الألباب” ـ فإنها تومىء بذلك إلى حكمة القصاص فى تغليق أبواب المواجد والضغائن والثارات. فحوادث الثأر التى تحصد الأرواح بلا تمييز بين المذنب والبرىء، هى رد فعل للإحساس بغياب العدل إذا ما فرّ الجانى بفعلته أو عوقب بأقل من جسامة جريمته، فالقصاص يطبب الجراح، ويشعر المجنى عليه أو ذويه بأن العدل موفور لا يحابى ولا يجامل ولا يفرط!!.. يتجلى ذلك فى قول القرآن المجيد: “وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ” (المائدة ٤٥).. هذا يعنى أن نفس الإنسان كما هى عزيزة عليه، فإنها عزيزة على سواه، وأن احترام الآدمى لروحه وحرصه عليها، يجب أن يردعه عن المساس بأرواح الآخرين!


على أن الأهم لمن يتأمل فى نظرية القصاص، ما تكاملت به أحكامها تكاملاً يؤكد أنها أبعد ما تكون عن الغلظة أو القسوة، بل هى نعمة ورحمة.. فكما فرض القصاص جزاءً عادلاً للقتل والجرح، فإن من أبواب الرحمة أن أحكام القصاص فتحت المجال للأخذ بالعفو إذا اختاره المجنى عليه أو ذووه.


قد مر بنا ما ورد فى الآية ١٧٨ من سورة البقرة فى إشارتها إلى العفو بإحسان مقابل القصاص المتروك لاختيار المجنى عليه أو ولىّ المقتول، وهذه الدعوة إلى العفو دعوة متكررة فى آيات الذكر الحكيم، فيقول جلّ شأنه: “وَإِن تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ” (التغابن ١٤)، بل ونوّه القرآن المجيد بأن العفو أقرب للتقوى، وأن أجر من عفا هو على الله، فيقول عزّ وجلّ: “وَأَن تَعْفُواْ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلاَ تَنسَوُاْ الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ” (البقرة٢٣٧)، وفى سورة الشورى: “وَجَزَاء سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ” (الشورى ٤٠) ..


وحاصل ذلك أن العفو هو الجناح الآخر المقابل للقصاص، فكما استهدف القصاص أن يكون حياة للناس، وتحقيقا للعدالة، فإن العفو قد تغيا أيضا الحفاظ على الحياة بقفل باب الثأرات وتحقيق التراحم بين الناس.


وهذا النظر يعضد الأخذ بعقوبة الإعدام كقصاص، يقابله العفو كتخفيف ورحمة لمن أراد، ذلك أنه إذا كان العدل أن النفس بالنفس، وهو ما يحقق أيضا الردع العام اللازم لأمن المجتمع واحترام حيوات الناس، فإن العفو إلى جواره يحاصر آفة الثأر فى شرها وضلالها وعماها الذى لا يميز بـين مذنب وبرىء!


يبدو أن عقوبة الإعدام ـ أيا كانت صورة تنفيذها، ستبقى محل خلاف وجدل لن ينتهى.. فلا يملك أحدٌ أن يقول كلمة الفصل والختام فى إجراء يسلب الحياة التى خلقها الله.. يختلف المجتمـع أو الكاتب أو القاضى أو المفكر أو الفيلسوف أو الحكيم ـ عن الجانح الـذى استحـل إزهاق الروح التى خلقها الله .. فلا يمكن للمجتمع أن يحل نفسه محل الجانى فى حكمه الشارد على الأمور .. الفارق أن الجانى «حالة» مردها إلى انحراف أو جنوح أو شرود أو غضب أو حقد أو موجدة أو ثأر تفاعل فى داخله تفاعلا توارت إزاءه قيم الدين والأخلاق وحكمة العقل، فارتكب ما ارتكبه فى لحظة انفلات .. هذا الانفلات لا يمكن أن يصدر عن المجتمع أو الكاتب أو القاضى أو المفكر أو الفيلسوف أو الحكيم، لأن كلاًّ من هؤلاء سيبقى محكوماً وواجفاً أمام قيمة الروح التى قدستها جميع الأديان، أمرها وسرها إلى الخالق عز وجل، حجبه سبحانه حتى عن الأنبياء والرسل، فقال لرسول القرآن عليه السلام: «وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً « (الإسراء ٨٥) ..


لا عجب إذن أن تختلف الرؤى حول إباحة أو حظر عقوبة الإعدام، حيث تتجمع إزاءها قدسية للروح لا يستطيع أحد أن ينكرها ولا أن يساوى نفسه إزاءها بجان شرد فى لحظة جنون، يقابلها أمر شرعى لا يستطيع أحد أن يمارى فيه فى حالة القصاص نفساً بنفس، أو أن يتجاهل قيم العدل التى تستوجب مساءلة الجانى وعقابه بقدر ما اغتال به الحياة الإنسانية، فبغير ذلك ينفرط أمن المجتمعات، ويتجرأ الجانحون والعتاة على الأرواح .. خطير جداً أن يكون أمثال هؤلاء على ثقة بأنه لن يواجه عقوبة الإعدام مهما ارتكب من جرائم أو استحل من أرواح وأعراض!. كما لا يستطيع أحد أن يهون من المعتقد ومن الموروث الدينى، ولا أن يهون من أثر القصاص فى تطبيب الجراح أو تغليق أبواب الثارات، ولا أن يتجاهل حكمة القصاص بعقوبة الإعدام فى الردع العام، أو يستخف بمقدار أثرها فى ضبط السلوك واتقاء شطحات الجانحين.. ومع ذلك فلا جدال فى جديّة الاعتراض باستحالة تدارك الخطأ فى تقرير عقوبة الإعدام، وهو قدر على كل بشر.. ويحفل تاريخ البشرية والقضاء بأحكام شابتها أخطاء جسيمة أمكن تداركها إلاّ ما أزهقت به أرواح .. إن استطاع المجتمع أن يرد للسجين حريته فإنه لا يستطيع أن يرد إلى المظلوم الذى أعدم حياته‍‍!.. لذلك كانت هذه الحجة هى أقوى حجج المعترضين على عقوبة الإعدام، تسليما بورود أخطاء التلفيق أو الشهادة الزور أو عدم توفيق القاضى فى الاستخلاص والتقدير!. ومع ذلك فإن نسبة الخطأ قليلة جداً بالنسبة لمجمل الأحكام، ثم إن القانون يكفل وضع العديد من الضمانات ـ كما فعل القانون المصرى ـ لاتقاء احتمالات الخطا، فقد اشترط القانون فى مصر أن يُصدر حكم الإعدام بإجماع آراء هيئة المحكمة، وبعد الرجوع إلى مفتى الديار المصرية، وأوجب عرض الحكم على محكمة النقض بتقرير من النيابة العامة حتى ولو لم يطعن المحكوم عليه بالنقض، ثم أوجب عرض أوراق الدعوى على رئيس الدولة وأعطاه سلطة إبدال العقوبة أو العفو الذى يمكن أن يتدارك أى خطأ. ومع ذلك فسيبقى الاختلاف فى شأن بقاء أو إلغاء هذه العقوبة.. فكما رأينا معارضة الأديب الفرنسى فيكتور هوجو للإعدام بكتابه الشهير: «مذكرات محكوم عليه بالإعدام»، رأينا على رأس المؤيدين للعقوبة ـ فضلا عن الالتزام بالشرع ـ كتَّاباً ومفكرين كباراً من وزن الأستاذ عباس العقاد، الذى رأى أن الغيرة للحياة تستوجب الغيرة على حياة المقتول أكثر من الغيرة على ما سواها، بينما أرجع الأستاذ توفيق الحكيم تأييده للعقوبة ـ جزاءً للقتل فقط ـ إلى مذهبه فى «التعادلية»، وهو ذات ما يجرى عليه مبدأ القصاص: النفس بالنفس .. لا يكاد أهل العلم والفكر يتوقفون عن هذا الاختلاف بين التأييد أو المعارضة، ويتوسط آخرون طلباً لمزيد من الضمان والاحتياط حتى لا يتسرب إلى الساحة خطأ يستحيل بعد ذلك جبره!.. على قدر قدسية الروح وما يعتمل حول نظرية العقوبة والردع العام من اعتبارات متقابلة، ستبقى هذه القضية البالغة الأهمية مجالاً لحوار لن ينقطع، وهذا من سنن الحياة!


ولكن يتبقى أن نلاحظ أن الاعتراض على عقوبة الإعدام أو تأييدها ـ لا ينطلق من المنطق المجرد، والحديث فى هذا الاتجاه أو ذاك لم يكن أبداً حديثا فى المطلق، وإنما اصطبغ بالظروف والملابسات المكانية والزمانية، بدليل أن دولا ألغت عقوبة الإعدام ثم عادت فعدلت، ثم ألغت فعدلت.. وبدليل أن الآراء المنتصرة لهذا الرأى أو ذاك تراها تستشهد بحادثات تؤيدها، يسرى ذلك على المعارضين الذين لا تعوزهم الأمثلة فى أخطاء قضائية أو فى قسوة غير مبررة أو فى توسيع دائرة العقاب بالإعدام فى غير جرائم النفس أو لتصفية المعارضين أو الخصومات السياسية، كما يسرى على المؤيدين الذين لا يعوزهم الاستشهاد بانتشار العنف فى أماكن أو أزمنة بعينها وشيوع صور بشعة لجرائم القتل أو الاغتصاب أو اغتيال الإنسانية. من المحال ألاّ يتأثر صاحب الرأى بما يمر فى مجتمعه ومحيطه، ولهذا كان التعميم الذى تطلقه الاتفاقيات الدولية غير صالح لجميع المجتمعات تبعا للثقافة أو المعتقد أو الموروث الدينى أو ظروف البيئة ومعدل ونوع الجريمة فيها.


فكما اختلفت أو تباينت آراء الفلاسفة والمفكرين فى شأن عقوبة الإعدام، تباينت أيضا مواقف الدول تبعا لظروفها وثقافتها وموروثاتها.. فهناك دول ألغت عقوبة الإعدام كليا، وأخرى ألغتها جزئيا، وبين الإلغاء الكلى أو الجزئى لم تكن الرحلة مستقيمة الخطوات فى كل الأحوال! وإنما تأرجحت بين الإلغاء والعدول ثم الإلغاء.. خذ فرنسا مثلا.. مَنْ تابع الأرواح التى حصدت إبان الثورة الفرنسية، يعرف جواب لماذا بدأت فى فرنسا حركة قوية لمقاومة الإعدام. فما بين صيف ١٧٩٣ وصيف ١٧٩٤ ـ أطارت المقصلة رقاب (٤٠) ألف نسمة، لم تكن أكثريتهم من النبلاء كما يظن البعض، وإنما كانت من عامة الشعب. فلم تتجاوز نسبة من أعدموا من النبلاء وأشباههم (٨٪)، والبرجوازيين (١٤٪)، ورجال الدين (٦٪)، بينما بلغت نسبة من طالتهم المقصلة من العمال والزراع (٧٠٪) . وكانت التشريعات الفرنسية تتوسع قبل الثورة فى تقرير عقوبة الإعدام مع اقتران تنفيذها بقسوة بالغة، ولذلك بدأت فى فرنسا منذ أعقاب الثورة الفرنسية حركة قوية لمناهضة عقوبة الإعدام، ولكنها لم تسر فى خط مستقيم، فتأرجحت فى قوانين ١٧٩١،١٨١٠،١٨٣٢ .. وفى القانون الأخير اعترض البرلمان على إلغاء عقوبة الإعدام رغم حرارة الاعتراضات عليها، ولم تكن الظروف عام ١٨٦٧ أحسن حالا حين تجدد النقاش حول إلغاء عقوبة الإعدام، فاعترض المجلس باعتراضين أساسيين: الأول: فاعلية عقوبة الإعدام، والثانى صعوبة إيجاد عقوبة بديلة تحقق فاعليتها، وصمم المجلس عام ١٨٧٠ على رفض إلغاء العقوبة، وتكرر الرفض فى عامى ١٩٠٦، ١٩٠٨، ولم تبدأ حركة الإلغاء بجدية إلاّ فى الفترة ما بين ١٩٦٢، ١٩٧٨، حتى انتهى الأمر بإلغاء عقوبة الإعدام عام ١٩٨١، لأسباب منها أنه عقوبة لا تقبل التفريد، ولا تقبل التعديل فى حالة الخطأ، ومع ذلك قال المراقبون والمحللون إن الإلغاء كان استجابة لداعى سياسى وليس تحقيقا لتوجهات الرأى العام!


وشبيه بهذا التأرجح بين الإقدام على الإلغاء أو الإحجام أو العدول عنه، وإن لم يكن بنفس النوعية أو القدر، إلغاء عقوبة الإعدام فى تشريعات لوكسمبرج، إمارة موناكو، وجمهورية سانتا ماريا، وجرين لاند، والفاتيكان، والبرتغال، والنمسا، وأيسلندا، والنرويج، والسويد، وفنلندا، والدانمارك على تفصيلات لا يتسع لها هذا المقام.


وقريب من هذا التأرجح المعبر عن صعوبة الاستقرار على رأى ثابت أو نهائى فى شأن بقاء أو إلغاء عقوبة الإعدام، ما صاحب الإلغاء الجزئى فى سويسرا، وفى إنجلترا التى أصدرت قانونا بإلغائها عام ١٩٦٥، ثم جرت منذ ذلك التاريخ محاولات عديدة لإعادة العقوبة على جرائم القتل. وقريب من ذلك ما جرى فى إيطاليا بين قانون ١٨٨٩ وقانون ١٩٣٠، ثم فى المرسوم ١٥٩/١٩٤٤ الذى وإن أقر عقوبة الإعدام إلاّ أنه جعلها تخييرية قبل أن يلغيها بالمرسوم ٢٤٤/١٩٤٤ .


وفى مقابل الدول التى مالت إلى إلغاء العقوبة كليا أو جزئيا، لا تزال دول أخرى تأخذ ـ لظروفها ـ بعقوبة الإعدام، ولا تجد لها عقوبة بديلة يمكن أن تحقق الردع العام الذى تحتاجه مجتمعاتها.. فلا تزال هذه الدول، مع أن بعضها كان قد حاول إلغاء العقوبة ـ كبلجيكا ـ ثم عدل.. لا تزال تقر الأخذ بعقوبة الإعدام، مثل بلجيكا، وإمارة ليشنتشتاين، وروسيا التى ألغت عقوبة الإعدام عام ١٩٤٧ ثم عادت إلى إعمالها عام ١٩٥٠، وهو ما كانت ولاية كاليفورنيا الأمريكية قد حاولته بإلغاء العقوبة عام ١٩٧٢ ولكنها عادت إليها عام ١٩٧٧، بينما لا تزال العقوبة معمولاً بها فى رومانيا، والأرجنتين، وتشريعات الدول العربية والإسلامية، وعدد من الدول الغربية .


هذه المعضلة التى قد تبدو بلا حل، أو باستحالة الاتفاق فيها على رأى بين الإبقاء على عقوبة الإعدام أو إلغائها، ناشئة عن نظر قصير ناجم عن تصور ضرير بأن العالم كله واحد، تحكمه ظروف ومصالح واحدة، وتسوده قيم وثقافة واحدة.. وليس هذا صحيحا.. فلكل مجتمع ظروفه وخصوصياته الدينية والتراثية والثقافية والقيمية والمجتمعية وموروثاته وتقاليده وأعرافه ومصالحه الخاصة التى تختلف كل الاختلاف عن مصالح مجتمع آخر بذات القارة بل وبينهما حدود مشتركة.. وأظهر الأمثلة على ذلك الجوار العربى الإسرائيلى، فشتان فى هذا كله بين الجانب العربى والجانب الإسرائيلى.. ومن هنا فإن بحثنا فى أمر عقوبة الإعدام، تبقى أم تلغى أم تقلص ـ ينبع من هنا، من خصوصياتنا الدينية والتراثية والثقافية، ومن ظروفنا البيئية ومصالحنا التى لا يجرى ولا يمكن أن يجرى فيها القياس على غيرنا!!


وفى مقدمة الأولويات التى تحكم رؤيتنا، خصوصيتنا الدينية ـ إسلامية أو مسيحية.. فالديانتان تقران الإعدام حماية للحياة الإنسانية، والعقوبة قصاصاً أو حداً أصل من الأصول الإسلامية التى لا يستطيع المجتمع أن يعطيها ظهره. هذه واحدة، والثانية أن البيئة مبتلاة إلى اليوم بجرائم الثأر التى تزهق فيها أرواح بريئة بروح الانتقام، وإلى جوارها مجموعة من جرائم العنف والإرهاب، وإزاء حالة الجريمة فى بلادنا، وخصوصيتنا الثقافية ومدى قدرتها على تجاوز آفة كآفة الثأر مع أنها فى ثقافات أخرى واضحة الحمق ـ يجعلان من إلغاء عقوبة الإعدام غفلة أشد.. تعرض أمان المجتمع لأشد الأخطار، فليس أخطر من أن يشعر الجامح أو الجانح أو الشارد أو المجرم أن لا شىء ينال حياته أو يمكن أن يعرضها للإزهاق مهما تغول على حيوات وأرواح الناس . خطير جدا أن يأمن أمثال هؤلاء إلى أنه لاشىء يمكن أن يطولهم سوى حبس لسنوات قد يلحق بها إعفاء نصف المدة أو إفراج ثلاثة أرباعها بالسلوك الحسن الذى يختلف داخل السجون عما يمكن أن يحدث من ذات الشخص بخارج السجن!


الاعتراض على التوسع فى تقرير الإعدام، وانحرافات استخدامه لتصفية الخصومات السياسية وما شابهها ـ يواجه بتقليص وحظر هذا التوسع، وقصر العقوبة على جرائم النفس والجرائم بالغة الخطر كالجاسوسية والخيانة العظمى على حقوق المجتمع، وليس الحل فى إلغاء عقوبة الإعدام الواجبة حين تقوم أسبابها ودواعيها فى تحقيق العدل وكفالة أمن المجتمع والناس.


والاعتراض على الأخطاء القضائية ـ يواجه بتوفير الضمانات لكفالة محاكمة عادلة، وإلغاء الإجراءات والمحاكمات الاستثنائية، وزيادة الضمانات الفعالة فى طريق الإعدام، وقد أخذ المشرع المصرى بعدة ضمانات، فلم يجز الحكم بالإعدم إلاّ إذا توافرت هذه الشروط التى سلف بيانها.


إلغاء الإعدام نهائيا ترف أحمق وطائش لا تحتمله ظروف مجتمعنا، ولا خصوصيتنا الدينية والتراثية والثقافية، وليس معنى هذا تحبيذ الإعدام فيه على إطلاقه.. بل لابد لنا فى فلسفة التجريم والعقاب أن نختار ما يناسبنا، مرعىّ فيه أن الخروج على حكم الشرع فى القصاص غير مقبول، ويبقى من بعده مجال واسع لتلافى ما يؤخذ على هذه العقوبة على محورين أساسيين: أولهما تقليص دائرة العقاب بالإعدام إلى أضيق الحدود وفى أخطر الجرائم على الأرواح وما يوازيها فى مصائر البلدان، وثانيهما هو زيادة وتفعيل الضمانات اللازمة لإمكان الحكم بهذه العقوبة وأسلوب وإجراءات تنفيذها.


فإذا كان القانون حاليا يوفر حائط صد بضمانات متساندة قبل الحكم بهذه العقوبة، كاشتراط إجماع آراء المحكمة والرجوع سلفا إلى رأى مفتى الديار المصرية، وإيجاب عرض الحكم والقضية على محكمة النقض بتقرير من النيابة العامة، حتى ولو لم يطعن المحكوم عليه على الحكم بطريق النقض، ثم إبدال العقوبة أو العفو المقرر لرئيس الدولة والذى يمكن بالتطبيق الموضوعى أن يكون باباً لتدارك ما عساه جدلا يقع من أخطاء فى الحكم ـ فإنه من الممكن إلى جانب ذلك، البحث فى توفير المزيد من الضمانات للاحتياط قبل توقيع هذه العقوبة، منها تمثيلا لا حصراً ـ قصر ولاية الحكم بها على المحاكم العادية دون المحاكم الاستثنائية، وعلى المحاكمات المتبع فيها الإجراءات العادية لا الاستثنائية، وجعل رأى المفتى ملزما لا يجوز مخالفته إلاّ بأسباب خاصة أو بالعرض على دائرة أخرى استيثاقا من سلامة النظر والرأى قبل الحكم بهذه العقوبة الخطيرة.


هذه محض أمثلة، من المقطوع به أنها قابلة للزيادة والإثراء إذا ما طرح الأمر لمناقشة واسعة عميقة بين أهل الشرع والقانون والقضاء والفكر.. لنتلمس لبلدنا ما يستقيم معها، ويحفظ الأرواح من شطحات وتغوّلات المجرمين أو من احتمالات الأخطاء القضائية، فإذا توفر ذلك، فالباب مفتوح على مصراعيه للمزيد من الضمانات وإنسانية التنفيذ ـ لا من البلوى التى تنادى بها أحد أعضاء مجلس الشعب مطالباً أن يكون التنفيذ علنا على رءوس الأشهاد، ليزرع ـ دون أن يدرى ـ الاستهانة بالأرواح فى صفحات وجدانات الناس!!