المصور فى بلاد الحرير والشاى الصين تتكلم عربى

27/05/2015 - 11:04:45

الزميلة نهال الشريف في بكين الزميلة نهال الشريف في بكين

رسالة بكين: نهال الشريف

«ليس من رأى كمن سمع» .. من منا ليس لديه فى منزله أو مكتبه جهاز الكترونى أو قطعة ملابس أو جهاز منرلى كتب عليه «صنع فى الصين». هى بلاشك شريك معنا فى حياتنا اليومية بشكل مستمر ولكن أن تذهب إلى الصين وترى بنفسك حال العملاق الأصفر، وتعايش الحياة هناك شىء آخر ممتع ومثير للاهتمام والتأمل لإدراك كيف تبنى الدول الكبرى نفسها وتحتل مكانتها الدولية التى تستحقها .


١٢ ساعة تأخذك فيها شركة مصر للطيران إلى العاصمة بكين. وأول ما يلفت الانتباه هو أن حركة الذهاب والعودة من الصين حركة نشطة ثلاث رحلات أسبوعية للعاصمة و٥ رحلات أخرى إلى جوانزو المدينة التجارية المهمة. والأهم أن الرحلات فى معظم الأحوال محجوزة بالكامل. وتلاحظ أيضا أن المسافرين ليسوا فقط من المصريين ولكن أيضا من الصينيين إذن الحركة فى الاتجاهين نشطة ومنتظمة . هناك من يذهبون أو يجيئون للسياحة أو المؤتمرات العلمية أو للتجارة . أسمع بوضوح لهجة أبناء بورسعيد فى طابور الجوازات أنهم يستعدون لشراء مستلزمات رمضان والأعياد.. ١٥ يوماً قضيتها فى الصين مع مجموعة رائعة من الإعلاميين المصريين - هانى عسل من الأهرام وطارق عبدالغفار من وكالة أنباء الشرق الأوسط - والعرب فى برنامج من إعداد وزارة التجارة الصينية ومصلحة النشر والترجمة والتوزيع باللغات الأجنبية للتعريف وإلقاء الضوء بأحوال الصين اليوم والتى باتت قوة كبرى لامنازع لها ذات كلمة مسموعة على المسرح الإقليمى لها فى آسيا. وبرغبة حقيقية فى التبادل المعرفى أجد أن الصين التى تعد من أكبر الشركاء التجاريين مع الدول العربية - ٢١،٢٥١ مليار دولار عام ٢٠١٤ - تكاد تتكلم العربية . وذلك من خلال إصدارات صحفية ومحطات إذاعية وتليفزيونية ناطقة باللغة العربية تستهدف القارىء والمستمع والمشاهد فى منطقتنا لتقديم الصين اليهم فى أبهى صورة وبشكل موضوعى بعيدا عما تنقله إلينا مصادر المعلومات الغربية وكالات أنباء وتقارير صحفية وإعلامية .


إذن هى الصورة من قريب أو اللقطة بعيون مصرية وعربية . ولعلها الصورة الأفضل خلال العام. حيث شهر مايو من أفضل الشهور لزيارة العاصمة بكين. تنفض عنها برد الشتاء وثلوجه ويحل الربيع وتتفتح الزهور بألوان رائعة على جوانب الشوارع الواسعة فى لوحة فنية بديعة ولكن لا يخلو الأمر من بعض الأمطار خفيفة أحياناً وقوية أحياناً أخرى ...


لا أخفى شعور بالانبهار منذ لحظة دخولى للمطار. فعندما أعقد المقارنة السريعة بين مطار بكين وغيره من المطارات الكبرى فى المدن الأوربية والأمريكية أجده ينافس من حيث الحجم والنظام والنظافة ودقة الارشادات. وبرغم الحركة القوية والكثيفة فى كل لحظة يتحرك كل شىء بسرعة ودقة لاتشعر معها بالملل أو التعب بعد رحلة طويلة مرهقة. هذا المطار كما يقول الكثيرن ممن التقيناهم أنه تم تطويره بشكل هائل استعدادا لأوليمبياد بكين عام ٢٠٠٨ واليوم هو من أفضل الاستثمارات التى عادت على الصين بمنافع كبيرة . فى الطريق إلى الفندق وفى ساعة الذروة الحركة بطيئة ولكن بدون اختناقات وسط شوارع تسير فيها الأتوبيسات والتروللى باص والدراجات والتوك توك والسيارات الخاصة ولكن فى نظام لايتعدى فيه أحد على حقوق الآخرين. المحال مازالت مفتوحة - تغلق فيما بين السادسة والثامنة مساءا - ولكن ما يلفت النظر هو وجود أسماء المحلات ولافتات الشوارع أيضا باللغتين الصينية والانجليزية مايؤكد على مقادر الانفتاح على العالم الذى تشهده الدولة والذى بدأ فى عملية منتظمة وحثيثة منذ الثمانينات ولكن بضوابط صينية غير متسرعة . وأتعجب حين أرى أسماء سلاسل محلات المأكولات والمقاهى الغربية والأمريكية مثل ماكدونالدز وبيتزا هت وكوستا كوفى وغيرها الكثير كذلك محلات أشهر الماركات العالمية للساعات والملابس والإلكترونيات، ناهيك عن السيارات من الماركات الألمانية واليابانية والكورية التي يتم تجميعها فى الصين، هذا كله لم يكن وارداً فى دولة يحكمها الحزب الشيوعى الصينى منذ الثورة . ولكنه التغيير الذى قرر الحزب أن يتخذه طريقا متأنياً لتحديث دولة المليار و٣٠٠ مليون نسمة.


السورالعظيم من يذهب للصين دون أن يزور سور الصين العظيم مثله مثل من زار مصر ولم يزر الأهرامات . انه من عجائب الدنيا السبع ويرجع للقرن الثالث قبل الميلاد، أقيم بأيدى آلاف ضخمة من العمال بطريقة السخرة واستغرق بناؤه ثمانين عاماً لحماية بكين التى تعنى العاصمة الشمالية من غارات منغوليا ومنشوريا. لم يتبق من السور العظيم اليوم سوى القواعد ويحيط بالمدينة بطول يقدر أحياناً بـ ٦٧٠٠ كم وفى تقديرات أخرى ٨٨٢٥ كم وفى قول ثالث أكثر من ٢١ ألف كم. بعض المعلومات على الإنترنت تؤكد أن السور العظيم من الأشياء التى يمكن تمييزها بالعين المجردة من فوق سطح القمر. صعود السور بالتليفريك أولا ثم سيراً على الأقدام يحتاج لياقة كبيرة أظهرت التجربة الفعلية مدى الاحتياج إليها. فالسور ليس فقط مرتفعاً بشكل كبير وإنما أيضا يتلوى فى حركة ثعبانية أو ربما كالتنين الكائن الصينى الأسطورى . ومع هطول الأمطار الكثيفة والبرد الشديد يصبح الصعود أمراً شاقاً أخشى على نفسى من الانزلاق أمسك بالمظلة وحقيبة يدى وكاميرا التصوير وأتمنى ألا أفقد الطريق بعيدا عن المرشد السياحى . ولكن كل هذا يضيع مع كوب ساخن من مغلى الجنزبيل الذى يبعث الدفء بعد انتهاء المغامرة بسلام . الصينيون يعتبرون كل شىء مضافاً إليه الماء المغلى من جذور نباتات أو أوراق الأعشاب شاىاً . ولكن يبقى الأحلى والألذ الشاى بالياسمين ليس على طريقة عادل إمام فى فيلمه «مرجان» ولكنه الترحيب الصينى الدافىء والقلبى عندما تزور أى مكان أو عند انعقاد اللقاء مع المسئولين .


الجولة السياحية الثانية كانت فى المتحف الوطنى . اللافت هنا ليس الضخامة فى الحجم أو العناية فى تقديم المعروضات التى تحكى تاريخ الصين منذ ماقبل الميلاد وفى مراحل تطورها المختلفة ووصولا إلى العصور الحديثة . ولكن يهمنى أن أرى نوعية زوار المتحف ليس فقط من السائحين ولكن أيضا من الصينيين بمختلف أعمارهم أطفال وشباب وكبار بالنسبة لى هذا هو الشعور بالانتماء للوطن والفخر والاعتزاز بالدولة التى بنت نفسها علمياً وصناعياً وتجاريا وثقافياً برغم خوضها حروباً مريرة من حرب مع اليابان ٣٧ - ١٩٤٥ وحرب أهلية من ٤٥ - ١٩٤٩ وقبلهما حرب الأفيون فى ١٨٤٠. ولكن منذ ثورة الصين عام ١٩١١ ظهرت الدولة التى تحولت من عصور الإقطاع إلى طريق الحداثة وعرفت باسم جمهورية الصين الشعبية فى عام ١٩٤٩ وبدأت طريق التحديث والانفتاح منذ عام ١٩٧٨ .


الصين تتكلم عربى


بالتوازى مع سياسات الصين الاقتصادية والسياسية ومع وضعها كثانى أكبر اقتصاد فى العالم بعد الولايات المتحدة وكأكبر اقتصاد بين الدول النامية، كان لابد أن يواكب ذلك سياسة إعلامية متطورة. المعروف أن الأدوات الإْعلامية المهمة هى ملك للدولة ومعبرة عن سياستها وتعكس مواقفها الرسمية إزاء القضايا المختلفة. وتهتم هذه المؤسسات بالوصول للمتلقى العربى تنقل الأخبار والقضايا عنه وإليه فى طريق مزدوج . وفى زيارة قام بها أعضاء الوفد العربى الذي ضم زملاء أعزاء من السعودية وقطر والجزائر والعراق والأردن والأراضى الفلسطينية وموريتنانيا إلى مبنى تليفزيون CCTV وهو الأكثر ارتفاعاً غرب بكين كانت الفرصة للقاء المسئولين عن القناة العربية الموجهة لمنطقة الشرق الأوسط. وبرغم عمرها الحديث نسبياً - ٢٥ يوليو ٢٠٠٩ - تبث القناة على مدار ٢٤ ساعة باللغة العربية ويعمل بها ١٤٠ صينياً يجيد ٩٠٪ منهم اللغة العربية إلى جانب ٢٠ خبيرا من دول عربية يعملون على ضبط اللغة وتدقيق تحرير المحتوى الإعلامى للمحطة التى تقدم برامج متنوعة بين أخبار وتقارير . ومسلسلات بعضها مدبلج باللهجة المصرية وبعضها مترجم على شريط أسفل الشاشة. وكذلك الوثائقيات والاقتصاد والطهى الصينى التقليدى، ويفتخر مدير القناة العربية لى جونج يانج الذى عمل فى السابق كمراسل لوكالة شينجوا فى الشرق الأوسط بأن استطلاعات الرأى أظهرت إعجاب ٧٠٪ من عينات الاستطلاع ببرامج المحطة. وبرأيه هذا يرجع إلى مراعاة CCTV العربية لعادات وتقاليد شعوب المنطقة. أيضا يتضح اهتمام الصينيين بالمنطقة من خلال القسم العربى فى وكالة شينخوا للأنباء، حيث أكدت ووشونج مين رئيس القسم والتى عملت فى السابق فى مكتب الوكالة بالقاهرة - أن الاهتمام بالشأن العربى يتمثل فى وجود ٢٠ مكتباً للوكالة فى ١٨ دولة عربية وذلك من بين ١٨٠ هى اجمالى عدد مكاتب الوكالة فى العالم . وتؤكد السيدة ووشينج مين أن شينخوا بحاجة لعدد كبير ممن يجيدون اللغات الأ جنبية ومنها العربية لتتمكن من أداء رسالتها . وبلاشك ماتنقله الوكالة من منطقة الشرق الأوسط سيجد طريقاً سهلاً أمام المتلقى الصينى بعد أن وصل عدد من يحملون تطبيقات شينخوا على التليفون المحمول قرابة الـ ٢٠٠ مليون. ولايفوتنى الحديث أيضا عن مجلة الصين اليوم الصادرة باللغة العربية والتى توزع ١٢ ألف نسخة شهريا منها ١٠ آلاف توزع فى مصر. ويهتم بقراءتها الباحثون والسياسيون والمهتمون بالشأن الصينى ولكن فى الحقيقة ومع مطالعة بعض أعداد المجلة أجد أنها مجلة شيقة تتناول موضوعات مصورة جذابة للقارئ بصفة عامة على اختلاف اهتماماته .


إلى جانب ذلك يوجد القسم العربى فى إذاعة الصين الدولية والتى بدأ العمل فيها عام ١٩٤١ ليصبح عدد اللغات التى تبث بها على مستوى العام ٤٣ لغة تغطى ٦٥ دولة.


ومما لاشك فيه أن هذا الجهد الإعلامى الكبير لاينفصل عن جهود التنمية فى الدولة ويأتى فى إطار برنامجها لإحياء طريق الحرير البرى والبحرى وإقامة حزام اقتصادى حوله. ويلعب الإعلام الصينى الناطق بالعربية دوراً فى تسليط الضوء على المشروع الذى يقوم على مبادئ التشاور والبناء المشترك على أساس من المساواة والاختيار الحر للدول المختلفة فى ظل من الشفافية والانفتاح والارتباط باستراتيجية التنمية لدول العالم. وأنقل عن مجلة الصين اليوم قول الكاتب تشانج هونج أن مفهوم الحزام والطريق هو التنمية المشتركة وهدفه التعاون والفوز المشترك . وليس لحناً تعزفه الصين منفردة وإنما سيمفونية تشارك فى عزفها كل الأطراف .