صلاح أبو سيف .. 100 سنة إبداع .. ابن بولاق .. نصير المرأة

21/05/2015 - 10:35:47

صلاح ابو سيف صلاح ابو سيف

كتب - طاهر البهي

 هذا الأسبوع تحتفل السينما المصرية بالذكرى المئوية لميلاد عملاق الواقعية المصرية صلاح أبو سيف، المولود عام 1915، ورحل عن عالمنا في عام 1996، وهو يعد بحق أحد أبرز عمالقة مصر والعالم في الإخراج السينمائي، وقد توفى المخرج الكبير إثر صراع مرير مع المرض عن 81 عاماً.. واشتهر أبو سيف بأفلامه الواقعية، التي أصبحت تشكل مدرسة ومنارة سينمائية، وهو يعد مناصرا قويا للمرأة وداعيا إلى تحررها الواعي وحقها في العمل والمشاركة السياسية ومشاركتها في بناء الوطن جنبا إلى جنب مع الرجل.


 وهو أيضا صاحب أفلام: ريا وسكينة، الفتوة، شباب امرأة، بداية ونهاية، القاهرة 30، الزوجة الثانية، أنا حرة، السقا مات، البداية..


نال صلاح أبو سيف شهرة عالمية إضافة إلى شهرته في العالم العربي، بل إنه من أبرز المخرجين العرب شهرة في العالم، فقد اشترك بأفلامه في كثير من المهرجانات السينمائية الدولية، مثل مهرجان كان, مهرجان برلين, مهرجان موسكو, مهرجان كارلو فيفاري, مهرجان فينيسيا ومهرجان فيفاي وحصل على جوائز وشهادات تقديرية منها، وعرضت معظم أفلامه في الكثير من أسابيع الفيلم المصري والعربي في العالم، إضافة إلى الجوائز المحلية الكثيرة التي حصل عليها عن معظم أعماله.


شهادة عالمية:


يتحدث الناقد والمؤرخ الفرنسي العالمي جورج سادول عن أفلام صلاح أبو سيف، فيصفها بأنها: "قد خلقت في مصر تياراً لا تقل فعاليته عن تيار الواقعية الجديدة الذي نشأ في إيطاليا، وأدى إلى خلق موجات جديدة في فرنسا وإنجلترا وأمريكا..).


ويضيف سادول: "إن أبو سيف يعد واحداً من أفضل عشرة مخرجين في العالم...", أما جمعية النقاد الفرنسية فقالت عنه: "إنه مخرج عالمي متميز".


وكتبت الباحثة السينمائية الألمانية أريكا ريشتر عن صلاح أبو سيف: إنه يعد بحق أستاذ الفيلم الواقعي في مصر، وتمثل أفلامه "العمود الفقري للفيلم الواقعي العربي، وتحدد بظهوره اتجاه حساس في تطور السينما العربية".


تلاميذه:


 ورغم ذلك فإن أبو سيف استطاع أن يخلق تيارا واضحا في الواقعية المصرية، وإن كانت السنوات الماضية قد أثبتت بأن أبو سيف مخرج لا يمكن تعويضه، ولكن لكونه مدرسة واضحة البنيان، فإنه قد صنع تلاميذا حرصوا على مواصلة الدرب الذي بدأه، وفي الوسط السينمائي المصري هناك طابور طويل من المخرجين الذين تخرجوا من مدرسة صلاح أبو سيف وحاولوا محاكاة البعض من أفلامه فنياً، فهناك أشرف فهمي الذي أعاد إخراج فيلم "لك يوم يا ظالم" في فيلم بعنوان "الوحش داخل إنسان"، وعلي عبد الخالق الذي قدم تجربة رائعة لـ"الفتوة" في فيلم "شادر السمك"، وعاطف الطيب الذي أطلق اسم حسن على بطل فيلمه "سواق الأتوبيس" إعجابا برائعة أستاذه "الأسطى حسن", والحق أن عاطف الطيب هو الأقرب إلى مدرسة أبو سيف، كما تأثر الرائع محمد خان بمدرسة أبو سيف ووجدنا ذلك في ملامح العديد من أفلامه مثل "أحلام هند وكاميليا" وغيره، وهناك في أفلام مخرجي الموجة الجديدة (الواقعية الجديدة)، ويمثلها: عاطف الطيب، محمد خان، خيري بشارة، داود عبد السيد، رغم أنهم قد رسموا لأنفسهم طريقاً جديدا في التعبير عن الواقع، إلا أنهم بلا شك مدينون لأستاذهم.. أبو الواقعية.


ابن بولاق:


ولد صلاح أبو سيف في حي شعبي عريق هو بولاق عام 1915 وسط مخاطر الحرب العالمية الأولى، ونشأ في الأجواء الشعبية للحارة المصرية بكل زخمها، فهي الأحياء التي شهدت التكاتف والتعاطف والتآخي والتعاون، وهي أيضا التي انطلقت منها الثورات الوطنية الكبرى وفي مقدمتها ثورة 1919، والجهاد الوطني ضد الاستعمار الغاشم، ولا شك أن أبو سيف قد استفاد من هذه الملامح في أعماله السينمائية، وكان خاله من بين الوطنيين الثائرين الذين اعتقلتهم السلطات البريطانية.


وعن بداية تعرفه بالسينما يقول أبو سيف: "كانت بداياتي مع السينما كتاباً صغيراً وقع في يدي وعمري عشر سنوات، يتحدث عن وظيفة مخرج السينما.. وكانت السينما قبل هذا الكتاب عبارة عن ممثلين.. هكذا كنت أتصور, وعندما قرأت الكتاب قررت أن أكون مخرجاً سينمائياً".


وفي فترة شبابه، وعندما كان يعمل في شركة النسيج بالمحلة، اشتغل أبو سيف بالصحافة الفنية، وفي عزلته عن الوسط الفني والسينمائي هناك، انكب على دراسة فروع السينما المختلفة والعلوم المتعلقة بها، مثل الموسيقى وعلم النفس والمنطق، علاوة على معايشته للظروف البائسة التي يعاني منها عمال المحلة.


وكانت للمحلة فضلا عليه لا ينكره، حيث التقى هناك بالمخرج نيازي مصطفى الذي كان يصور بها أحد أعماله التسجيلية، والذي ساعده في الانتقال إلى أستوديو مصر، وكان ذلك عام 1936، ليصبح خلال وقت قصير رئيساً لقسم المونتاج لمدة عشر سنوات، حيث تتلمذ على يديه الكثيرون في فن المونتاج.


واستمر أبو سيف في أستوديو مصر كمونتير ومساعد مخرج، وأخرج عدداً من الأفلام التسجيلية والوثائقية القصيرة أبرزها فيلم عن حركة المرور في الإسكندرية، وآخر عن الضجيج والصخب في القاهرة تحت عنوان: "سيمفونية القاهرة"، وفيلم آخر عن البترول، إلى أن قام بتجربته الأولى في الإخراج السينمائي الروائي، هذا الفيلم هو (دايماً في قلبي ـ 1936).


وفي بداية عام 1939، وقبل سفره إلى فرنسا لدراسة السينما، عمل صلاح أبو سيف كمساعد أول للمخرج كمال سليم في فيلم "العزيمة"، والذي يعتبر الفيلم الواقعي الأول في السينما المصرية، وفي أواخر عام 1939 عاد أبو سيف من فرنسا بسبب الحرب العالمية الثانية.


شباب امرأة:


وفي زيارة عمل له إلى إيطاليا، عاد منها وقد تأثر بتيار الواقعية الجديدة في السينما الإيطالية, وأصر على أن يخوض هذه التجربة من خلال السينما المصرية.


فعندما عرض أبو سيف سيناريو (لك يوم يا ظالم ـ 1951) على المنتجين، رفضوا هذه المغامرة، كما رفضوا من قبل فكرة المخرج كمال سليم في إخراجه فيلم العزيمة, مما اضطر أبو سيف إلى إنتاج هذا السيناريو بنفسه حيث نجح ولاقى إقبالاً جماهيرياً ونقدياً كبيراً.


ثم بعد ذلك قدم أفلامه الواقعية المشهورة، والتي تعتبر نقلة فنية مهمة، ليس في مشوار صلاح أبو سيف فحسب وإنما في مسيرة السينما المصرية بشكل عام, هذه الأفلام الأربعة هي: الأسطى حسن ـ 1952، ريا وسكينة ـ 1953، الوحش ـ 1954، شباب امرأة ـ 1957، الفتوة ـ 1957, وقد ناقش أبو سيف في الفيلمين الأولين الانهماك في الملذات التي تميز بها المجتمع القديم، إضافة إلى تجسيد ظاهرة الاضطهاد الاجتماعي وعلاقة المجرم بالسلطة الاجتماعية.


وفيلم (الأسطى حسن) يشكل وصفاً تفصيلياً للتناقض بين حيين يفصل بينهما جسر قصير, الزمالك الذي يعتبر أغنى أحياء القاهرة، وبولاق الذي يعتبر أفقرها.


أنا حرة:


ومن أهم قضاياه التي خاضها فيلمه "أنا حرة" وهو عن موضوع تحرر المرأة وخروجها للعمل جنباً إلى جنب مع الرجل، وأعطاها حق الانتخاب وحق الاختيار في الحب والزواج.


أما أبرز أفلامه السياسية والواقعية في سنوات الثورة الأولى، فكانت بين السماء والأرض، بداية ونهاية، القاهرة 30، الزوجة الثانية، القضية 68.