بهاء طاهر من شرفة الثمانين: لا أحب كتاب «ريش» ويعجبنى الأدباء الصعايدة

20/05/2015 - 11:20:53

  بهاء طاهر مع شيرين صبحى خلال الحوار     عدسة: شريف صبرى بهاء طاهر مع شيرين صبحى خلال الحوار عدسة: شريف صبرى

حوار: شيرين صبحى

يبدو في جلسته وهو يمسك سيجارته مطلقا دخان تبغه سارحا في الملكوت، أشبه بدون كيشوت، يستعين على أوجاع الوطن بالصبر والأمل. برغم سنه المتقدمة إلا أن روحه المشاغبة مازالت تطل من عينيه. “أواجه الحياة بقلب شيخ”.. هكذا يقول أديبنا الكبير بهاء طاهر، لكن سرعان ما تكتشف أن هذا غير حقيقي، مع دعاباته الذكية وضحكته العذبة، وخفة دمه البادية بنكتة هنا وذكرى هناك.


يكره كاتبنا التورط في معارك صغيرة تفسد حياد قلمه المناضل، وبالرغم من تأثره ببقائه في الخارج مدة ٢٠ سنة، إلا أن كتاباته عن الغرب خلت من لمسة الانبهار بالتجربة الغربية، واعتبرها مجرد تجربة إنسان عاش حياة عادية فوصف ما رآه بأمانة وحياد، سألناه ما الفرق بيننا وبينهم قال: الديمقراطية.


لا تخفى عليك إذا ما زرته في بيته حالة الانسجام الهادئ بينه وبين زوجته السويسرية سنتفيكا أنا ستا سوفا، وهي القصة التي يعيش تفاصيلها بكل قلبه يوميا. يناديها بصوت ينبض حنانا لترد على أسئلتنا.. وكأن هالتيهما ترقصان فرحا إذا ما اجتمعا في مكان واحد، تلتقط عينيها كلماته قبل أن ينطقها، نسألها: أين ترين نفسك في أعماله؟ تضحك مداعبة: في كل قصصه!


يسألها: أخبريهم ماذا قرأت لي؟ تجلس كطفل خجول وتعد على أصابعها مجيبة بعربية متكسرة: قرأت كله، لكن أحب “خالتي صفية والدير”، و”واحة الغروب”.


نسأله: بعد كل هذه السنوات ما الذي يبقى من الحب؟ يجيب: الصداقة.. الصداقة مع الوقت والعشرة تصبح حالة أكبر من الحب، وما أجمل الحب حينما يتحول إلى صداقة.


سألنا طاهر: عندما تنظر إلى ٨٠ عاما مضت من عمرك ماذا ترى؟


يبتسم: كنت أتمنى أن يكونوا أربعين! لا أندم على شيء، ما استطعت أن افعله فعلته في العمر الذي عشته، بالطبع كل ابن آدم خطاء، لكنها ليست أشياء كبيرة أندم عليها.


في الثمانين كيف تواجه الدنيا.. بقلب طفل أم شاب أم شيخ؟


أواجهها بقلب شيخ مع الأسف الشديد! لأن العاقل هو من يعترف بسنه أمام نفسه ولا يحاول أن يتجاوز قدراته أو يتصابى.


هل فقدت دهشة الطفولة وشغف الشباب؟


لا إطلاقا، الكاتب لا يفقد اللهفة أو الفضول، إذا فقدهم يفقد أهم شيء ليظل كاتبا.


ما الذي عشته ورأيته ولم تكتب عنه حتى الآن؟


- كنت أتمنى أن أكتب أكثر عن الصعيد، ليس فقط “خالتي صفية والدير” و”شرق النخيل”، لكن هناك أدباء صعايدة جيدين جدا استمتع بقراءة أعمالهم، هم أجدر بالكتابة عن الصعيد الآن من شخص مثلي يقيم خارجه منذ فترة طويلة.


لا تعتبر نفسك تنتمي إلى الصعيد؟


- انتمي له مائة بالمائة من حيث الوجدان والنشأة وكل شيء وعندما عملت قصر ثقافة عملته في الصعيد.


ولماذا لا تكتب عنه ثانية؟


- التجارب التي عندي كتبتها في روايتي “خالتي صفية والدير” و”شرق النخيل” لكن الصعيد المعاصر أنا بعيد عنه.


هل تغيرت قناعاتك الفكرية والأدبية؟


- بكل تأكيد.


في أي اتجاه؟


- أظن أن أي إنسان تصبح شخصيته وأحكامه أكثر نضجا.


دكتور جلال أمين قال إن المثقفين شعروا بالاغتراب بعد ثورة ١٩٥٢ وذكر أن اغتراب المثقفين في عهد عبد الناصر كان مقترناً بالخوف، وفي عهد السادات مقترناً بالغضب أما في عهد مبارك فكان مقترناً بالاكتئاب. هل مازال المثقفون يعيشون هذا الاغتراب؟


فعلا، بشكل أو آخر هي أحكام صحيحة.


وبماذا يقترن لديهم؟


- الاكتئاب الآن مقترن بالاحباط لأن الأحلام كبيرة وما يتحقق قليل جدا.


ما هي تلك الأحلام؟


- الثورة قامت وشعاراتها “عيش حرية عدالة اجتماعية” إذا رأيت أن أشياء كبيرة تحققت منها فهذا جيد!


لماذا لم تتحقق؟


- ينقص هذه المبادئ؛ مبدأ رئيسي وهو الاستقلال الوطني، بقدر ما نحقق الاستقلال الوطني بقدر ما تصبح أحلام الثورة قابلة للتحقق.


يجب أن يسبق الاستقلال كل من العيش والحرية والعدالة الاجتماعية؟


في رأيي أنا نعم.


أنت ترى أننا غير مستقلين حتى الآن؟


- سؤال صعب! لم أقل أننا غير مستقلين. الاستقلال الوطني يتحقق بالكامل عندما نصبح معتمدين على أنفسنا ولا نحتاج إلى أحد آخر، وهذا غير حاصل.


ثورة يوليو ظلت ٦٠ عاما ولم تحقق الديمقراطية فإلى متى نظل نحن؟


- أنا ناصري!


لكنك تتفق أن الديمقراطية لم تتحقق؟


نعم لم تتحقق. هذه أكبر أخطاء ثورة يوليو أنها قامت بإنجازات كثيرة جدا، لكن الإنجاز الرئيسي الذي كان يمكن أن يضمن نجاح الإنجازات الأخرى هو أن يكون هناك ديمقراطية، لكنها لم تكن موجودة مع الأسف الشديد.


وماذا عن أكبر أخطاء ثورة يناير؟


- أظن الوقت مبكر على إصدار أحكام.


عودة إلى المثقفين.. لماذا تراجعوا عن المعركة التي خاضوها على مدار العام الذي حكم فيه الإخوان؟


فعلت ما اقدر عليه في اعتصام وزارة الثقافة، وكثيرون فعلوا ما يستطيعون، لكن لا تستطيعين الحكم على معركة طويلة مثلها بشهور أو سنوات.


كنت ضمن من خرجوا ضد وزير الثقافة الإخواني ليس خوفا على الثقافة وحدها بل طلب لرحيل مرسي.. هل الثقافة الآن في أمان؟


أنا رجل عجوز لا أتابع الأنشطة الثقافية بشكل كاف ولا أستطيع الحكم عليها.


أنت ترى أنه ليس هناك دور لوزارة الثقافة؟


بالعكس دور وزارة الثقافة رئيسي، لكني لست في وضع يسمح لي بالحكم على أدائها إيجابا وسلبا.


وماذا عن دور المثقفين؟


في الحقيقة دور المثقفين غير واضح إطلاقا، مع الأسف دور غائب إما لعيب فيهم أو لعيب في السلطة التي لم تتح لهم الفرصة.


وهل من المفترض أن ينتظروا من السلطة أن تعطيهم الفرصة.. العلاقة بين المثقف والسلطة غالبا تتسم بالصراع؟


- هذا صحيح.. لهذا أقول إما لعيب فيهم أو أنهم تكاسلوا عن هذا الصراع والقيام بدورهم، إما أن قمع السلطة كان شديد!


عبد الناصر لم يستوعب دور المثقفين وهذه كانت من أهم أسباب انتكاسة الثورة.. هل يستوعب السيسي هذا الدور اليوم؟


- يضحك: أرجو!


أليس واضحا حتى الآن؟


- أرجو أن يكون مستوعبا. نحن لدينا فكرة غريبة عن المثقفين ونعمل لهم مؤتمرات ولقاءات، وهذا ليس دور المثقفين، بل دورهم أن ينتقدوا وأن يستمع إليهم. هل هذا الدور موجود؟


هم لا ينتقدون من الأساس حتى يجدوا من يستمع إليهم؟


- يضحك طويلا: أنت أجبت عن السؤال!


بطل واحة الغروب هو نصف مثقف نصف خائن نصف ثوري.. هل هذا حال المثقفين اليوم؟


بعض المثقفين هكذا فعلا.


والبعض الآخر؟


- البعض الآخر لديه نوايا حسنة لكن الظروف تمنع تحقق هذه النوايا.


كنت من المؤيدين لترشح السيسي كيف ترى سياسته بعد توليه الحكم؟


- أرى أنني كنت على حق، أظن أن السيسي سياسته تدافع عنه، يكفي أن تقارني بينه وبين الحكام الآخرين في المنطقة، ليس لدينا انشقاقات داخلية ولا مشاكل تنذر بحروب أهلية مثل بلاد حولنا، ومعظم الفضل فيه يرجع إلى أن السيسي سياسي جيد.


وهل الحكم عليه يتم بالمقارنة مع حكام آخرين؟


- هذه وسيلة للحكم عليه، لأن الظروف التي في المنطقة هي الظروف التي في مصر.


ربما طبيعة الشعب المصري نفسه لا تسمح أن يحدث عندنا مثل ما يحدث في الدول الأخرى؟


- أقصد عندما تكونين في منطقة معينة يكون فيها تشابه في المشاكل؛ تصبح هذه وسيلة للمقارنة.


ما الذي نجح فيه وما الذي أخفق في تحقيقه؟


- مشاكل مصر لا يمكن أن تحل بين يوم وليلة. مشاكل كبيرة جدا في الحقيقة، وأرى أنه يمشي بخطوات سليمة وسلسة، لا يقوم بعنتريات ولا خطوات مسرحية، وإنما يتحرك بهدوء ومنطق، خطوة بخطوة.


هناك من يرى أنه ناجح في السياسة الخارجية بينما هناك انتقادات في سياسته الداخلية؟


- اعتقد هذا حكم خاطئ، لأن السياسة الخارجية انعكاس للسياسة الداخلية وليست بمعزل عنها. وأرى أن خطواته في السياسة الخارجية تشهد له في السياسة الداخلية. يكفي مسألة الإفراج عن الأثيوبيين التي تمت منذ أيام. “ليه بنحب نقطم في بعض قوي”.


لماذا لم يستطع التيار المدني أن ينجز رصيدا حقيقيا في الشارع؟


- لأن التيار المدني صعب أن يكون خاضعا لتنظيم مثل التنظيمات الفاشية التي تقوم على السمع والطاعة والإجبار. التيار المدني يقوم على الحرية وليس الإجبار.


لكن لماذا لم يحقق إنجازا بالرغم من عمره الطويل نسبيا؟


- لابد أن تقرئي كتابي “أبناء رفاعة الثقافة والحرية” نصفه يتحدث عن نهضة الدولة المدنية والنصف الآخر عن انحدار الدولة المدنية. أما الثورة فكتبت عنها “أيام الأمل والحيرة”.


وهل التيار المدني يقع بين الأمل والحيرة؟


- نعم، هذا صحيح.


هل هناك أمل أن يقود التيار المدنى المشهد؟


- هذا أمل الخلاص الوحيد لمصر، لكن يبدو أن هناك صعوبات كثيرة جدا، لابد من التغلب عليها.


مـــــا الذى ينقصــه حتى يقـــودالمشهد؟


- بحكم الطبيعة لا يقوم التيار المدني على السمع والطاعة بل حرية الاختيار، إلا في ظروف نادرة، لا يتحقق الإجماع علي هذا التيار عند الناس. في ظرف الثورة مثلا كان هناك إجماع من الناس عليه، لكن ظهرت تيارات واتجاهات ومذاهب أخرى. لكن عندما يتحقق الإجماع أو حتى التوافق، سيصبح للتيار المدني فرصة كبيرة جدا.


ولماذا استطاع تيار السمع والطاعة إقناع الناس بعكس التيار المدني؟


- تتحدثين عن مصر كما لو كانت حالة فريدة، هذا يحدث في العالم كله!


ما الذي ينقص النخبة لتقود تيارا مدنيا حقيقيا؟


- ينقصها التوافق وليس الإجماع، لكننا أمم شتى مثلما قال أحمد حسن إسماعيل، ليس هناك اثنان يتفقان على شيء واحد.


لماذا؟


- كان يجب أن يكون هناك ائتلاف لكنه غير موجود.


ربما لأنهم لا يغلبون المصلحة العليا بل مصالحهم الشخصية؟


- يمكن القول بهذا أيضا. ليس هناك استعداد عند هذه النخبة أن تضحي من أجل مبدأ عام أو مصلحة عامة، وكل شخص ينظر للأمر من منظور مصلحته الحزبية أو المذهبية أو غيرها.


هذا يعيدنا مرة أخرى إلى مقولتك أنه انتهت التضحيات الشخصية للمثقف؟


- لم تنته فى الحقيقة، بل لم تكن متواجدة أصلا!ً كله يفكر لمصلحته وليس للمصلحة العامة.


لكل عصر نخبته.. كيف تصف النخبة المثقفة في المرحلة التي نعيشها؟


فينا عيوب كثيرة، كمثقفين ونخبة.


وبماذا تصفها؟


- مازالت تبحث عن الطريق، ولم تضع قدمها علي أول الطريق بعد.


وما موقفك أنت من المشهد في مصر؟


- تسألين رجلا عجوزا عن المشهد في مصر. بالطبع لدي إحباطات كثيرة جدا.


ما هي؟


- أن الأحلام كانت كبيرة جدا وما تحقق منها قليل جدا.


ما الذي تحقق؟


أن هناك الإصرار على تحقيق الحلم، ليس الآن فقط بل منذ أيام عرابي، مع التعثر والكساد والتراجع، لكن هناك إصرار.


لو كانت الثورة رواية تكتبها كيف تصبح أحداثها؟


أرى أنه لا بد أن نغلب الأمل.


ما الذي تكتبه الآن؟


-أكتب رواية عن فكرة تشغلني منذ زمن وهي العدالة، تدور أحداثها في وسط المحاماة.


هل تنوي كتابة مذكراتك؟


- كثيرون طلبوا مني أن اكتب سيرة ذاتية، وبالفعل كتبت سيرة صغيرة في مقدمة «خالتي صفية والدير».


الناس دائما يضعون هالة حول الكاتب.. أليست السيرة تكسر هذه الهالة؟


- في مصر تحديدا، خطر جدا أن تكتب سيرتك.. أتذكر دكتور شكري عياد عندما كتب فصولا من سيرته الذاتية، انهال الهجوم عليه. صعب جدا في مصر أن تتحدث بصراحة تامة عن نفسك.


وصفت قصص الخمسينيات بأنها نضالية والستينيات بأنها مفككة مثل البيئة حولها.. بماذا تصف قصص اليوم؟


- قصص اليوم لا ينتظمها خط عام، ليس هناك شيء يكون مدرسة أو اتجاها عاما “كل واحد براسه”.


هل هناك من لفت نظرك في الجيل الجديد من الكتاب؟


- الكتاب الصعايدة، ليس تعصبا للصعيد، بل أنا معجب جدا بكاتب يسمى أدهم العبودي، وأشرف الخمايسي. لا أحب كتاب مقهى ريش، الذين يلتفون حول أنفسهم، أنصحهم أن يقوموا من عليه!


ما الذي ينقص كتابنا للوصول إلى مكانة نجيب محفوظ؟


سؤال صعب جدا، لا الترجمة ولا النشر يصنعان كاتبا عظيما، بل عمله.


لكن الترجمة تلعب دورا في نجاح كاتب خارج نطاقه؟


بشروط صعبة! أن يجيد المترجم لغته المحلية وفهم اللغة الأجنبية وهذه نادرة، لابد أن تكون لديه المقدرة أن يرى السطور وما بينها.


قلت إن أحمد مراد صديقك كيف بدأت الصداقة وهل قرأت أعماله؟


- بدأت أن تقابلنا بالصدفة في إحدى المرات بأحد المقاهي، ووجدته إنسانا عذبا جدا. لا أستطيع الحكم على أدبه جيدا، قرأت له ١٩١٩ ويبدو أنها ليست أفضل أعماله.


هل تضيف الدراما والسينما إلى الأدب أو العكس؟


- بالطبع، من أهم أسباب شهرة نجيب محفوظ؛ الأفلام التي أخذت عن رواياته، وإلا ما عرفه أحد، لأن نسبة القراءة في البلد قليلة جدا. ومحفوظ كان شخصا عاقلا جدا ويقول إن الفيلم إذا قدم ٢٠ بالمائة من الرواية فهذا يكفي.


هل الحركة النقدية الآن تواكب الحركة الأدبية؟


- من مزايا جيل الستينات الذي انتمي إليه أنه كانت هناك حركة نقدية عظيمة بدأت بالراحل محمد مندور ثم أنور المعداوي وعبد القادر القط.. الحركة النقدية رديف هائل للإبداع، وعدم وجودها ينتقص من الإبداع. الآن ليس لدينا حركة نقدية، آخر ناقد واع لدينا كان فاروق عبد القادر رحمه الله.