هل صرنا قوما لا نقرأ حتى.. وإذا قرأنا لا نستوعب؟!

20/05/2015 - 10:08:14

  رجائى عطية رجائى عطية

بقلم - رجائى عطية

على وجه المقابلة استوحيت هذا العنوان من حديث لرسول القرآن عليه الصلاة والسلام: «نحن قوم لا نأكل حتى نجوع وإذا أكلنا لا نشبع». واستحضر الفكرة ملاحظة جعلت تلاحقنى من زمن تورى بأنه لم يعد هناك صبر لدى الكثيرين منا على القراءة الجادة المثابرة الطويلة وتستطيع أن تلاحظ ذلك بوضوح على صفحات التواصل الاجتماعى بالفيس بوك فاللايكات أو التعليقات تُقْبل بشهية على الحوادث والأخبار وعلى المثير منها بالذات وعلى «البوستات» القصيرة التى تعرض ومضة أو فكرة أو ملمح وأن قليلين وجدًا من يصبرون على قراءة المقالات المتاحة ـ مجانًا!ـ على المواقع.


برغم أنه قد عزت الصحف التى ارتفعت أثمانها عما يجاوز إمكانيات كثيرين مثلما عزت المادة الجادة أو الأدبية أو الفكرية فيها بعد أن اختفى أو تآكل الرواد وجرت رغبة التحرير على مسايرة البضاعة المطلوبة أما الكتاب فقد صار إلى أزمة حقيقية مهجورًا أو شبه مهجور وتناقصت أعداد التوزيع إزاء ارتفاع ثمن الكتاب وتَرَاجَعَ الكثيرون عن الإقبال عليه اللهم إلاَّ رغبة القلّة فى اقتنائه ربما من باب الوجاهة أو لمجرد إشباع غريزة.


«الاقتناء»!


تدهش حين يطالعك أن قامة معطاءة ومنتشرة كالأستاذ العقاد, اضطرت لبيع مكتبتها الخاصة أكثر من مرة, لمواجهة متطلبات الحياة, وأن نسب توزيع الكتب ـ حتى للأعلام ـ تتناقص تناقصًا مستمرًّا, فى الوقت الذى يلفتك أن كتابًا واحدًا, لكاتب أو كاتبة فى الغرب, قد أدرج المؤلف أو المؤلفة فى عداد أصحاب الملايين, وقد تتذكرون رواية «صباح الخير أو وداعًا أيها الحزن» لفرانسواز ساجان ( ١٩٣٥ /٢٠٠٤ ), وكيف دفعت بها إلى ثراء بالملايين, فضلًا عن الشهرة العالمية, وكان ذلك نصيب روايتها التالية «ابتسامة ما» وما تلاها, وهى ظاهرة يدركها من يسافر إلى الغرب, ويستقل سبل المواصلات العامة, ويرى فيها أن كثيرًا من الركاب لا يضيعون وقتهم ـ القصير ـ فى الحافلة أو مترو الأنفاق, فينكب كل منهم على القراءة فى كتاب يحرص على حمله فى تنقلاته, ويستثمر أى فرصة تواتيه فى الاطلاع عليه.


ولا يمكن أن تُعْزى الظاهرة التى نعانى منها إلى نضوب معين التأليف والكتابة
أو نقص الكتاب والمؤلفين لدينا، فقد حفلت حياتنا الفكرية والأدبية بنوابغ وأعلام أثروا المكتبة العربية بمؤلفات ضافية، لا تقل بل وقد تزيد عن كثير من المؤلفات التى راجت فى الغرب ودفعت بمؤلفيها إلى الصيت والمجد, فضلا عن الثراء. ويكفى أن تراجع قائمة مؤلفات العقاد، أو طه حسين، أو توفيق الحكيم، أو يحيى حقى، أو نجيب محفوظ، أو إحسان عبد القدوس، أو يوسف إدريس، أو غيرهم من الأعلام, وتشملهم قائمة طويلة, لترى أن فيها الجدير بالانتشار الواسع, لولا أن القراءة باتت لدينا مهجورة أو شبه مهجورة, حتى أن عملاً ضخما رفيعا مثل «شخصية مصر» لجمال حمدان, لم ينل سوى الحديث عنه والإكبار له ولصاحبه, دون أن ينال حظًّا حقيقيًّا من القراءة الفعلية ـ ناهيك بالمتمعّنة!


هل يفسر هذه الظاهرة ارتفاع ثمن الكتاب, فقد كنا نشترى كتب الهلال واقرأ وكتابى وغيرها بقروش زهيدة معدودات, لا تجاوز عشرة قروش فى معظم الأحيان, أو نقتنى
«وحى القلم» لمصطفى صادق الرافعى بمجلداته الثلاثة الضخمة, وفى طباعة قشيبة على ورق مصقول, بـ٥٠ قرشًا للمجلد, لا زلت أحتفظ بها إلى اليوم، ومعها عجبى حين أرى أسعار الكتب قد ارتفعت إلى عشرات الجنيهات, فيما عدا مسلسلات المجموعات العريقة التى حافظت ـ نسبيًّا ـ على أسعارها لتكون متاحة لقرائها, ومع ذلك فإن القراءة تتراجع, والاهتمام بالكتابات العميقة الجادة يتراجع تراجعًا مؤسفًا يطرح بشدة العنوان الموجع الذى اخترته لهذا المقال!


ويبدو لى أن «الداء» أكبر وأعمق من أن يُعزى إلى مجرد ارتفاع ثمن الكتاب, فظاهرة عدم الاهتمام بقراءة المواد الجادة ـ المجانية ـ على صفحات التواصل الاجتماعى, تقطع بأن عدم الصبر على القراءة الجادة صار بالفعل ظاهرة مرضية, لأن المادة متاحة بالمجان لمن يريد أن يعرف, بيد أنه لا أحد يريد!


ركب على هذا «الداء»ـ داء تواضع الفهم أو تواضع الاستيعاب, تلمس ذلك فى تفشى ظاهرة الخطأ فى تحصيل وإدراك معنى ومغزى ما يُقرأ, والخطأ فى التعبير عنه
أو مناقشته أو التعليق عليه, وطبيعى أن يكون تواضع الاستيعاب هو المحصلة لتواضع القراءة وتراجع الاهتمام بالمعرفة العميقة الجادة!


لا شك أن تراجع التعليم بكل منظومته, فيما عدا «الجُزُر» القليلة المتاح لها أن تحافظ على مستوى التعليم فيها, قد ساهم فى تفشى الظاهرة المزدوجة المركبة.. وساهم مع هذا ـ تراجع «الحياة الثقافية»، وما كانت تفرزه وتثيره من مشاركات حيّة جاذبة ترعاها الحركة النقدية النشطة لكبار النقاد, إلى جوار «الحياة المسرحية» والفنيّة, وما كان يصاحب هذا كله من تغطيات ومناقشات تجذب إلى القراءة والرغبة فى الإحاطة والفهم والمعرفة.


وأنت لا بد تدرك حجم المأساة حين تراجع أزمات الإفلاس الذى زحف إلى أكثر من دار من الدور القومية الكبرى للطباعة والنشر التى رعت الفكر والأدب والعلم والتأليف لأكثر من قرن من الزمان, ثم لحقت بها هذه الظاهرة ـ مع أسباب أخرى ـ فتوالت أزماتها، حتى تشجع أصحاب الأغراض والدكاكين الخاصة, على المطالبة بتصفيتها، حتى تنفرد هذه الدكاكين بالمشهد كله، وتجنى المراد مما تهيئه السطحية ومسايرة الإثارة للشهوات والغرائز والتفاهات التى راجت مع بوار العقل وكساد بضاعته!


كثيرًا ما أتساءل, هل هناك جدوى من هذا العكوف الطويل الذى يبذله كل صاحب فكر أو فن أو علم أو أدب, ليصوغ ويبث حصاد موهبته وعلمه وفنّه وصبره وعكوفه وانقطاعه عن ملذات الدنياـ إلى جمهور لم يعد يبالى إلاّ بالنميمة والتفاهات ـ والقيل والقال، ولتقبع المصنفات القيّمة فى المخازن، أو على قليل من رفوف المكتبات الخاصة من باب الوجاهة والتفاخر!


كثيرًا أيضًا ما يصدمنى سطحية المتصدين لتكوين العقل الجمعى، وقلة معارفهم، بل وعدم اهتمامهم أصلا بالمعرفة، وظنهم أن طول الزمن كفيل بذاته أن يدرج الساعى فى مصاف الأعلام الذين زينوا حياتنا الفكرية والأدبية والعلمية والثقافية والفنية على مدار عشرات السنين، هل يمكن أن يفرز هذا الطرح قامات، كالعقاد وطه حسين ولطفى السيد والحكيم والمازنى ويحيى حقى وسلامة موسى وأترابهم، أو كشوقى وحافظ وصلاح
عبد الصبور ومن لحقوا بهم، أو كمحمد مندور وشوقى ضيف ولويس عوض وعبدالقادر القط وعلى الراعى ويوسف نوفل وجابر عصفور ومن جرى مجراهم، أو كمحمد التابعى ومحمد حسنين هيكل ومصطفى وعلى أمين وإحسان عبدالقدوس وعبدالرحمن الشرقاوى وأحمد بهاء الدين ومكرم محمد أحمد وسلامة أحمد سلامة وأمثالهم الذى لم يتبق منهم
إلاّ النذر اليسير، وجعل قطار العمر يحصد القامات دون أن يقدم الواقع المر البدائل
الكفيلة بملء الفراغ، ناهيك بالزيادة الواجبة اللازمة لارتقاء لا تتوقف الأمم الناهضة
عن السعى إليه!


المرارة فى حلقى وفى صدرى شديدة، فهل انطوى الجمال والكمال وانقطع الأمل ؟! أم لا يزال الجسد نابضًا بالحياة أو ببعض حياة تستنفر الهمم والعزائم
لنصحو من غفلتنا وتراخينا وانطفاء شموعنا، لنعيد صناعة الحياة التى جفت ينابيعها
فى ربوعنا؟!!