النكبة .. 67 عاما على ثنائية الاحتلال والاستبداد

19/05/2015 - 10:58:39

سعد القرش سعد القرش

سعد القرش

    67 عاما من النزيف الفلسطيني، سبقتها عقود من نزيف ناعم، هجرات صهيونية مهدت لإعلان «دولة» إسرائيل، الكيان الوحيد في العالم الذي لا يزال يحتل أرض دولة أخرى.


    67 عاما من فشل عربي فاضح أجّل «مشروع» الدولة، واستبعد رهان الديمقراطية، بحجة الحرب، ثم المقاومة والممانعة. انتصرنا في معركة وخسرنا الحرب، ولم تتأسس قواعد «الدولة» العربية في محيط «الكيان» الصهيوني، أو بعيدا عنه.


    67 عاما شهدت عددا لا بأس به من الأحداث الجسام في العالم العربي.. انقلابات عسكرية، ثورات وثورات مضادة، انتفاضات، حروب أهلية ومذابح طائفية، وغيرها من مظاهر أي تجمعات بشرية في مراحل ما قبل «الدولة».


    67 عاما من العجز والتواطؤ منذ شاركت جيوش منزوعة المعرفة بطبيعة العدو الصهيوني في حرب كان النصر فيها سيحرج عروشا تراهن على رضا قوى الاحتلال ورعاة إسرائيل والملوك.


    67 عاما تثبت أن هذا الجيل لا يستحق شرف تحرير فلسطين، وأن إسرائيل لو لم توجد لاخترعها المستبدون العرب، ضمانا لتناسل سلالات الطغاة.


    67 عاما من الخيانات، المعلنة والدبلوماسية، وارتباكات المثقفين حتى في تحديد مصطلحي «العدو» و«التطبيع» الذي صار وجهة نظر، وأحيانا واجهة لإخفاء كوارث مغفلين حسني النية، ومشاريع دهاة يرون إسرائيل بابا ملكيا إلى «العالمية».


    67.. رقم يحيل الذاكرة إلى جرح آخر، هزيمة عسكرية فادحة، لم يفاجأ بها ذوو البصيرة، المثقفون الأحرار، المؤمنون بأن «الدولة» لا تنهض على حساب حرية الإنسان الفرد الواحد الأحد. الحرية هي اليقين الوحيد، الفريضة الوطنية الغائبة، بدونها تتفكك مفاصل إمبراطوريات (الاتحاد السوفيتي)، وتنهار مشاريع كبرى (دولة محمد علي)، ويستدعى الاستعمار (عراق صدام حسين)، وتشتعل حروب أهلية (سوريا الأسد، وليبيا القذافي ويمن علي عبد الله صالح). «الدولة» أمانة حملها الإنسان، ولا يكتمل إيمان مؤمن، ولا إنسانية إنسان إلا في ظلالها؛ فعدالتها تسع كل شيء. في غياب «الدولة»، بما تعنيه من عدالة وشفافية ومحاسبة وتداول للسطة، فشلت المشاريع الوطنية، واحتلت الأرض، وظللنا أسرى استبداد عشائري وطائفي وعسكري، أنظمة أصغر من وعي المواطن العربي في إدراكه أن إسرائيل، وهي تواجه عدوا هو نحن، منذ قررت قوى الاستعمار الإمبريالي زرعها في الأرض العربية، لم تؤجل الديمقراطية.


    67 عاما تثبت للفلسطينيين أن قضيتهم في أيديهم، لن يغني عنهم أحد ولا شيء، إلا في «الكلام» المجاني باسم «القضية» تبريرا للاستبداد. الحل الفلسطيني في الداخل. بالحجارة صنع أطفال فلسطين ثورة 1987، سماها العالم «انتفاضة»، هكذا دخلت قواميس اللغة، ولكن الحصاد السياسي كان هزيلا. اتفاقية أوسلو التي شقت الصف الفلسطيني، إضاعة آخر الأوراق بالمقايضة على حرس الشرف وديكور «دولة». مغامرة سياسية نسفت جهاد أجيال منذ ما قبل النكبة، حين أعلنت «دولة» إسرائيل في 15 مايو 1948، ولكن الرهان على أن الفلسطيني في الداخل واع بتفاصيل النسيج الصهيوني، وهي أمور لا نحيط بكافة تفاصيلها علما، إذ نحار مثلا أمام تصريحات رجل مثل الكاتب سامي ميخائيل (1926)، العراقي الذي أجبر على الهجرة في شبابه وقد شاهدته في فيلم «انس بغداد» لسمير جمال الدين، يتكلم وهو ورفاقه بأسى ولغة طازجة، إلا أنه يصيبنا بالدهشة من تصريح كهذا: «أنا غير صهيوني من الناحية الأيديولوجية، لكني غير معاد للصهيونية عاطفيا».


    67 عاما من الارتباك العربي، وعدم اتفاق أنظمة القبضة الحديدية على هدف، لأنها فاقدة للشرعية، ولا تجيد إلا ترديد مقولات سخر من مثلها فرانز فانون (1925 ـ 1961)، في حديثه عن معذبي الأرض: «السلام خيار استراتيجي وحيد»، و«حل الدولتين»، سراب مزمن؛ فلا يسمح كيان استعماري يؤدي وظيفة قتالية لحماية مصالح الغرب بقيام «دولة» فلسطينية، اللهم إلا مجرد سلطة منزوعة السلاح، شرطة لضبط إيقاع من يفكر في الثورة وتحرير البلاد. لا بديل عن تحرير هذا التراب من النهر إلى البحر، وما يجب طرحه الآن والإلحاح عليه، لإحراج الغرب «الديمقراطي العلماني»، هو الدعوة إلى دولة واحدة، ديمقراطية علمانية، يتساوى في حقوق المواطنة كل من يريد البقاء فيها. بهذا وحده، سيصبح الفلسطينيون أغلبية عددية، في أقل من جيل، وتتحقق نبوءة أرنولد توينبي، بانهيار مشروع «الدولة» الصهيونية خلال 100 عام. المؤرخ الملتزم قال إن إسرائيل طبعة جديدة من النازية.


    طبعة مزيدة غير منقحة.